icon
التغطية الحية

الجغرافيا القلقة بين سوريا والعراق.. حدود مُعسكَرة بلا مواجهة

2026.08.03 | 13:55 دمشق

آخر تحديث: 2026.08.03 | 13:57 دمشق

الحدود السورية العراقية (1).jpg.jpeg
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- التاريخ والتوترات الحدودية: لم تشهد الحدود السورية العراقية مواجهات مباشرة، لكنها ظلت منطقة توتر بسبب عدم استنادها إلى فاصل طبيعي، وتحولت إلى ساحة تنافس بين نظامي البعث وممر للمقاتلين والميليشيات المرتبطة بإيران.

- التغيرات السياسية والعسكرية: بعد سقوط نظام بشار الأسد، تجددت المخاوف من تصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، حيث أصبحت الحدود طريقاً للمقاتلين وأزمة مع حكومة المالكي.

- الوضع الراهن والتحديات المستقبلية: توسع وجود الميليشيات المرتبطة بإيران واستمرار تهريب السلاح والمخدرات، مما يجعل استقرار الحدود هشاً ومرتبطاً بموازين القوى الإقليمية والدولية.

على الرغم من أن الحدود السورية العراقية لم تشهد، خلال العقود الماضية، مواجهة عسكرية مباشرة بين جيشي البلدين، إلا أنها ظلت واحدة من أكثر حدود المنطقة توتراً وعسكرة، فهي لم تنشأ استناداً إلى فاصل جغرافي أو اجتماعي طبيعي، بل شقّت فضاءً مترابطاً اجتماعياً وثقافياً وعشائرياً، يمتد من الموصل وسنجار شمالاً، مروراً بالحسكة ودير الزور، وصولاً إلى البادية جنوباً.

وعلى امتداد قرن، تحولت هذه الحدود من خط رسمته ترتيبات الانتدابين البريطاني والفرنسي إلى ساحة تنافس وصراع بين نظامي البعث في دمشق وبغداد، ولا سيما في عهدي حافظ الأسد وصدام حسين، ثم إلى ممر للمقاتلين بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003. وبعد ذلك، أصبحت جزءاً من المجال الجغرافي الذي أقام عليه "تنظيم الدولة" (داعش) سلطته العابرة للحدود، قبل أن تتحول لاحقاً إلى مسار للميليشيات المرتبطة بإيران وشبكات تهريب السلاح والمخدرات.

وبعد سقوط نظام بشار الأسد، عادت مظاهر الاستنفار العسكري إلى الظهور على جانبي الحدود بين حين وآخر، وتجددت المخاوف مع تصاعد المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وسط حديث عن مساعي طهران إلى توسيع دائرة الصراع، ودفع العراق إلى الانخراط فيه، واستخدام التصعيد للضغط على دول عربية، من بينها سوريا.

وبذلك، بقيت الحدود السورية العراقية، رغم عدم تحولها إلى ساحة حرب مباشرة بين الدولتين، مجالاً مفتوحاً على تداعيات الأزمات الداخلية وصراعات النفوذ الإقليمية والدولية.

قبل ترسيم الحدود.. العراق وسوريا في العهد العثماني

لم تكن هناك، قبل الحرب العالمية الأولى، حدود دولية بين سوريا والعراق، لأن المنطقتين كانتا جزءاً من الدولة العثمانية، وكانت الخطوط القائمة آنذاك إدارية تفصل بين الولايات والمتصرفيات، لا حدوداً بين دولتين مستقلتين.

وفي أيار 1916، توصلت بريطانيا وفرنسا، بموافقة روسيا القيصرية، إلى اتفاق سايكس–بيكو السري لتوزيع مناطق السيطرة والنفوذ في الأراضي العثمانية بعد الحرب، إلا أن الاتفاق لم يرسم بصورة نهائية حدود دول تحمل اسمي سوريا والعراق، بل تحدث عن مناطق إدارة مباشرة، ومناطق عربية مفترضة تتمتع فيها فرنسا أو بريطانيا بأولوية سياسية واقتصادية.

وضعت ترتيبات سايكس–بيكو دمشق وحلب والساحل السوري ودير الزور وقسماً واسعاً من شمال بلاد الرافدين، بما فيه معظم منطقة الموصل، ضمن المجال الذي تتمتع فيه فرنسا بالأولوية. ولم يكن ذلك يعني أن الموصل ستصبح جزءاً من دولة سوريا، بل إنها كانت مدرجة ضمن منطقة نفوذ فرنسي داخل كيان عربي محتمل، أما بغداد والبصرة وجنوب بلاد الرافدين، فكانت ضمن مجال الإدارة البريطانية.

1
خريطة تقسيم المشرق العربي بين سوريا وبريطانيا حسب اتفاقية سايكس-بيكو

لكن خريطة عام 1916 لم تصمد أمام الوقائع العسكرية والسياسية، فقد سيطرت القوات البريطانية على بغداد عام 1917، ثم دخلت الموصل بعد هدنة مودروس بين الدولة العثمانية وقوات الحلفاء في خريف 1918، وفرضت بذلك أمراً واقعاً جديداً. ومع السيطرة البريطانية على ولايات البصرة وبغداد والموصل، بدأت لندن تنظر إليها بوصفها أساساً لدولة عراقية واحدة، في حين تراجعت فرنسا عن مطالبتها بالنفوذ المباشر في الموصل ضمن تفاهمات لاحقة تناولت سوريا وفلسطين والنفط.

اتفاقية 1920.. البداية الفعلية للحدود

جاء الأساس القانوني المباشر للحدود السورية العراقية في الاتفاقية الفرنسية البريطانية الموقعة في 23 كانون الأول 1920، وليس في اتفاق سايكس–بيكو وحده، ونصت الاتفاقية على أن يبدأ الخط من نهر دجلة شمالاً، ثم يستند إلى أجزاء من الحدود الإدارية العثمانية القديمة، ويتجه جنوباً بحيث يبقى كامل الحوض الغربي لنهر الخابور ضمن الانتداب الفرنسي، قبل أن يعبر نهر الفرات عند منطقة البوكمال، ويتابع عبر البادية نحو الحدود مع شرقي الأردن.

56
خريطة للمنطقة الحدودية بين العراق وسوريا، تُظهر ثلاثة خطوط حمراء تمثل مسارات الحدود المنصوص عليها في الاتفاقية المبرمة بين المملكة المتحدة وفرنسا في 23 كانون الأول 1920، وفق تفسيرات كلّ من الحكومة الفرنسية والحكومة البريطانية ولجنة التحقيق التي شكّلها مجلس عصبة الأمم لدراسة الحدود بين البلدين. (المصدر: مكتبة قطر الرقمية)

لكن وصف خط الحدود في الاتفاقية كان عاماً وغير دقيق، ولا سيما في المنطقة الممتدة بين دجلة والفرات. كما اختلف البريطانيون والفرنسيون في تفسير بعض العبارات الواردة فيها، ما استدعى تشكيل لجان ميدانية وإجراء تسويات إضافية استمرت حتى ثلاثينيات القرن العشرين.

وأورد مكتب المؤرخ في وزارة الخارجية الأميركية نص الاتفاقية ضمن وثيقة مؤرخة في 1 نيسان 1921، وهي رسالة بعث بها القائم بالأعمال الأميركي في بريطانيا، جي. بتلر رايت، إلى وزير الخارجية الأميركي، وأرفق بها نسخاً من وثيقة بريطانية رسمية تتضمن الاتفاقية الفرنسية–البريطانية الموقعة في 23 كانون الأول 1920 بشأن الانتدابات على سوريا ولبنان وفلسطين وبلاد الرافدين.

تعديلات 1932.. دجلة وسنجار والبوكمال

عادت عصبة الأمم عام 1932 إلى دراسة الحدود السورية العراقية ميدانياً، مع اقتراب انتهاء الانتداب البريطاني ودخول العراق عصبة الأمم، وركزت اللجنة على ثلاثة قطاعات حساسة: منفذ سوريا إلى نهر دجلة، وجبل سنجار، والحدود المحيطة بمنطقة البوكمال.

وفي الشمال الشرقي، انتهت التسوية إلى تثبيت وصول سوريا إلى منفذ قصير إلى نهر دجلة، وهو ما يفسر الامتداد الضيق الحالي لمحافظة الحسكة في اتجاه سيمالكا وفيشخابور. أما في منطقة سنجار، فقد رفضت اللجنة تقسيم الجبل وسكانه بين سوريا والعراق، ورجحت إبقاءه داخل العراق بسبب ارتباطه الإداري والتجاري بالموصل وتلعفر.

وفي منطقة البوكمال، عُدّل الخط بحيث لا يمر داخل المدينة، واستقر شرقها في اتجاه نهاية قرية الهري.

وفيما يخص القطاع الصحراوي جنوب حوض الفرات، اعتُمدت خطوط مستقيمة نسبياً بسبب غياب الأنهار والجبال والتجمعات السكانية الكبيرة، وبذلك، تشكل القسم الطويل الممتد من منطقة البوكمال إلى المثلث الحدودي السوري العراقي الأردني.

11
خريطة مؤرخة في آذار 1932 لمنطقة الحدود بين العراق وسوريا، تُظهر خطوط المقترحات التي قدمها الخبراء الفنيون الفرنسيون والسوريون، والخبراء الفنيون البريطانيون والعراقيون، إلى جانب الخط الذي اقترحته لجنة التحقيق. (المصدر: مكتبة قطر الرقمية)

المعابر الحدودية

يبلغ طول الحدود السورية العراقية الحالية نحو 600 كيلومتر، وتوجد ثلاثة معابر برية رسمية رئيسية، وهي:

  • معبر اليعربية – ربيعة بين الحسكة ونينوى.
  • معبر البوكمال – القائم بين دير الزور والأنبار.
  • معبر التنف – الوليد قرب المثلث السوري العراقي الأردني.
  • كما يوجد منفذ سيمالكا – فيشخابور فوق نهر دجلة، الذي نشأ خلال سنوات الثورة السورية بين الحسكة الخاضعة لسيطرة "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) وإقليم كردستان العراق. وكان وضعه الإداري مختلفاً عن المعابر الرسمية التقليدية، قبل أن تعلن الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية بعد سقوط نظام الأسد إدخاله ضمن منظومة عملها اعتباراً من 15 نيسان 2026.

الحدود في عهد حافظ الأسد.. قطيعة وصراع بين جناحي البعث

مهّد انقسام حزب البعث عام 1966 لظهور الخصومة بين جناحيه السوري والعراقي، عقب انقلاب 23 شباط في سوريا، الذي نفذته مجموعة من ضباط اللجنة العسكرية، في مقدمتهم صلاح جديد وحافظ الأسد، حيث أطاح الانقلاب بالرئيس أمين الحافظ والقيادة القومية التاريخية للحزب، وفي مقدمتها ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار ومنيف الرزاز.

لكن هذا الانقسام لم يتحول إلى توتر مباشر بين دمشق وبغداد إلا بعد وصول البعث العراقي إلى السلطة بانقلاب 17 تموز 1968، بقيادة أحمد حسن البكر، واحتضان بغداد عدداً من قيادات الحزب التي أبعدها الجناح السوري، ومنذ ذلك الحين، ترسخ الصراع بين نظامين ادعى كل منهما تمثيل البعث وامتلاك شرعيته القومية، قبل أن يتطور إلى تنافس على النفوذ والقيادة الإقليمية بعد وصول حافظ الأسد إلى السلطة في سوريا عام 1970، وصعود صدام حسين تدريجياً داخل النظام العراقي، إلى أن تولى الرئاسة عام 1979.

تدهورت العلاقات بصورة حادة بعد فشل مشروعات الوحدة في أواخر السبعينيات، وقُطعت العلاقات الدبلوماسية عام 1979 عقب تعثر تنفيذ "ميثاق العمل القومي المشترك"، الذي استهدف بصورة رئيسية توسيع التعاون والتكامل الاقتصادي والعسكري بين البلدين.

ومع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، وقف نظام حافظ الأسد إلى جانب إيران في مواجهة العراق، ووفق رواية السياسي والدبلوماسي المصري مصطفى الفقي، شهدت القمة العربية التي عُقدت في مدينة فاس المغربية أواخر عام 1981 مشادة حادة بين حافظ الأسد وصدام حسين، بعدما عاتب الأخير الأسد على وقوفه إلى جانب إيران ضد دولة عربية، ويذكر الفقي أن السجال تطور إلى تبادل عبارات قاسية وشتائم، وكاد يتحول إلى مواجهة مباشرة، لولا تدخل وزير الخارجية المغربي وإنهاء السجال فيما بينهم.

وفي العام التالي، أغلق حافظ الأسد الحدود السورية مع العراق، وأوقف خط كركوك–بانياس الذي كان ينقل النفط العراقي عبر الأراضي السورية إلى البحر المتوسط. كما مُنع السوريون من السفر إلى العراق، وأُدرج العراق ضمن الدول المحظور عليهم التوجه إليها، إلى جانب إسرائيل.

استمرت القطيعة طوال الثمانينيات ومعظم التسعينيات، وتعززت بعد مشاركة سوريا في التحالف الدولي الذي أخرج الجيش العراقي من الكويت عام 1991. لكن العلاقات بدأت تشهد، في منتصف التسعينيات، تقارباً حذراً عبر قنوات غير معلنة ولقاءات دبلوماسية سرية، وفقاً للوثائق التي أوردها نائب رئيس النظام المخلوع السابق عبد الحليم خدام في مذكراته، غير أن الاستعادة الرسمية للعلاقات لم تتحقق إلا بعد وفاة حافظ الأسد عام 2000 وتولي ابنه بشار الأسد السلطة.

تولي بشار الأسد للسلطة.. من القطيعة إلى الانفتاح

بعد تولي بشار الأسد الحكم عام 2000، أزيل اسم العراق مطلع كانون الثاني عام 2001 من قائمة الدول المحظور على حاملي جوازات السفر السورية التوجه إليها، ونقلت وكالة "رويترز" آنذاك عن مسؤول سوري رفيع قوله إن إدارة الهجرة والجوازات ستشطب عبارة "ما عدا العراق" من جوازات السفر السورية، بما يتيح للسوريين السفر إلى العراق من دون قيود.

وشهدت العلاقات بين النظامين انفتاحاً علنياً ومتسارعاً، شمل تبادل الزيارات الرسمية وتوقيع اتفاقيات اقتصادية وتجارية، ففي نهاية كانون الثاني 2001، زار نائب الرئيس العراقي طه ياسين رمضان دمشق، ووقّع مع رئيس الوزراء السوري آنذاك محمد مصطفى ميرو اتفاقية لإقامة منطقة تجارة حرة.

وفي آب من العام نفسه، زار ميرو بغداد، حيث التقى صدام حسين وكبار المسؤولين العراقيين، في أول زيارة لرئيس حكومة سوري إلى العراق منذ أكثر من عشرين عاماً. وبدأ البلدان أيضاً بحث إنشاء خط أنابيب نفطي جديد بطاقة تصل إلى 1.4 مليون برميل يومياً، ليكون بديلاً من خط كركوك – بانياس القديم، وفق تصريحات وزير النفط العراقي آنذاك عامر محمد رشيد.

واستقبل بشار الأسد، في آب 2002، نائب الرئيس العراقي طه ياسين رمضان في دمشق. ورغم أن العلاقات الدبلوماسية الكاملة لم تُستأنف رسمياً إلا عام 2006، فإن السنوات التي سبقت الغزو الأميركي للعراق شهدت تقارباً سياسياً واقتصادياً متسارعاً بين النظامين، تجاوز الاتصالات المحدودة إلى تعاون رسمي معلن.

بعد الغزو الأميركي.. طريق المقاتلين والأزمة مع المالكي

عارض نظام الأسد الغزو الأميركي للعراق، وسط مخاوف من أن تمتد سياسة تغيير الأنظمة والضغوط الأميركية إلى سوريا بعد إسقاط نظام صدام حسين. وبحسب رواية العميد نبيل الدندل، رئيس الأمن السياسي الأسبق والمنشق عن النظام، كلّف بشار الأسد اللواء مصطفى التاجر، نائب رئيس جهاز المخابرات العسكرية، بإدارة ملف تدريب المقاتلين الأجانب ونقلهم إلى العراق، بهدف تكبيد القوات الأميركية خسائر كبيرة وإغراقها في المستنقع العراقي، بما يردع واشنطن عن التفكير في غزو سوريا أو تغيير نظامها.

وواجه نظام الأسد لاحقاً اتهامات أميركية وعراقية بالسماح لمقاتلين أجانب وشبكات مرتبطة بتنظيم القاعدة باستخدام الأراضي السورية للعبور إلى العراق، فمنذ وقت مبكر أعقب سقوط نظام صدام حسين عام 2003، اتهم الحاكم المدني الأميركي للعراق آنذاك، بول بريمر، دمشق بالسماح للمسلحين الأجانب بالتسلل إلى البلاد. وتوالت هذه الاتهامات لاحقاً على ألسنة قادة عسكريين ووزراء خارجية ومسؤولين أميركيين، وصولاً إلى الرئيسين جورج بوش وباراك أوباما.

وترافق هذا المسار مع إقرار الكونغرس الأميركي "قانون محاسبة سوريا"، الذي فرض عقوبات على سوريا بسبب ما وصفه بدورها في "دعم الإرهاب".

وبلغ التصعيد العسكري ذروته في تشرين الأول 2008، حين نفذت قوات أميركية غارة داخل الأراضي السورية قرب البوكمال، أسفرت عن مقتل ثمانية أشخاص، وقالت واشنطن إن العملية استهدفت قيادياً بارزاً في تنظيم القاعدة، كان مسؤولاً عن تهريب المقاتلين والأموال إلى العراق.

ورغم استئناف العلاقات الدبلوماسية بين سوريا والعراق عام 2006، اندلعت أزمة جديدة عقب تفجيرات بغداد في آب 2009، واتهم رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي نظام الأسد بإيواء قياديين بعثيين ومسلحين، وتسهيل وصول مقاتلين شاركوا في الهجمات، مؤكداً أن معظم المقاتلين الأجانب كانوا يدخلون العراق عبر الأراضي السورية.

واستدعت بغداد سفيرها لدى دمشق، فرد نظام الأسد بالمثل، نافياً الاتهامات ومطالباً بتقديم أدلة، وقال بشار الأسد آنذاك: "عندما تُتهم سوريا بقتل عراقيين، وهي تحتضن نحو 1.2 مليون عراقي، فهذا اتهام أقل ما يقال عنه إنه غير أخلاقي".

"تنظيم الدولة" وإلغاء الحدود

مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، بدأت سلطة نظام الأسد على الحدود بالتراجع، ولم تُغلق الحدود كلها في لحظة واحدة، بل تعطلت المعابر تدريجياً، وتبدلت السيطرة عليها بين قوات النظام المخلوع وفصائل المعارضة و"قسد"، وصولاً إلى "تنظيم الدولة".

وفي منتصف عام 2014، سيطر "تنظيم الدولة" على مساحات واسعة من شرقي سوريا وغربي العراق، وسعى إلى دمج الأراضي الخاضعة لسيطرته في البلدين ضمن نطاق عسكري وإداري واحد، كما ركّز في دعايته على نشر صور ومقاطع مصوّرة تُظهر إزالة السواتر والعلامات الحدودية، لترويج فكرة إلغاء "الحدود المصطنعة" بين الدول العربية والإسلامية وتوحيدها تحت راية واحدة.

ومع تدخل التحالف الدولي وتصاعد العمليات العسكرية ضد التنظيم، بدأ الأخير يخسر مناطق سيطرته على الحدود، واستعادت القوات العراقية مدينة القائم والمعبر المقابل للبوكمال في تشرين الثاني 2017، في حين تقدمت قوات النظام المخلوع والميليشيات المقربة من إيران باتجاه البوكمال والضفة الجنوبية لنهر الفرات، المعروفة محلياً بـ"الشامية"، في محافظة دير الزور.

وبعد خسارة التنظيم بلدة الباغوز، الواقعة في الضفة الشمالية لنهر الفرات "الجزيرة"، عام 2019 على يد التحالف الدولي و"قسد"، انتهت سيطرته الإقليمية الواسعة، لكنه احتفظ بخلايا وشبكات تهريب ونشاط مسلح متنقل عبر مناطق البادية.

ما بعد "داعش".. الميليشيات الإيرانية وطرق التهريب

بعد هزيمة "تنظيم الدولة" جغرافياً، لم تعد الحدود كلها إلى سيطرة مركزية موحدة، ففي قطاع القائم–البوكمال، توسع وجود ميليشيات عراقية وسورية وأجنبية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، واكتسبت المنطقة أهمية متزايدة ضمن الطريق البري الذي يربط إيران بالعراق وسوريا ولبنان.

استُخدمت معابر غير رسمية وأنفاق لنقل المقاتلين والمعدات والأسلحة التابعة للميليشيات والفصائل المرتبطة بإيران. ولم تكن هذه المعابر ثابتة يمكن إحصاؤها بدقة، بل كانت مسارات ترابية تتغير وفق الانتشار العسكري والظروف الأمنية.

وأصبحت المستودعات والقواعد الواقعة في محيط البوكمال والميادين، وصولاً إلى محيط مدينة دير الزور، أهدافاً متكررة لضربات جوية، وسط اتهامات متبادلة بشأن طبيعة الشحنات والجهات التي تديرها.

استُخدمت هذه الطرق، إلى جانب تهريب السلاح، في نقل الوقود والمواشي والسجائر والأشخاص والمخدرات، بما أسهم في تمويل الميليشيات. وأصبحت تجارة الكبتاغون من أبرز التحديات للحكومة العراقية، إذ صادرت السلطات العراقية عام 2023 رقماً قياسياً بلغ نحو 24 مليون قرص كبتاغون، تجاوز وزنها 4.1 أطنان، وقدرت قيمتها بما بين 84 و144 مليون دولار، وفق تقرير نشرته الأمم المتحدة، حذرت فيه من تحول العراق إلى محور مهم لتهريب المخدرات.

رسالة الشرع إلى بغداد واستعادة العلاقات التجارية

مع تقدم الفصائل العسكرية في سوريا خلال معركة "ردع العدوان"، وتقهقر قوات نظام الأسد على أطراف حماة، بدأت وسائل إعلام مقربة من إيران وصفحات على منصات التواصل الاجتماعي حملة تجييش طائفي، روّجت لادعاءات مفادها أن فصائل الثورة تستعد لدخول الأراضي العراقية.

وعندها، نشر قائد إدارة العمليات العسكرية آنذاك، الرئيس أحمد الشرع، مقطعاً مصوراً وجّه فيه رسالة مباشرة إلى الشعب العراقي وحكومته، ودعا إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين في مرحلة ما بعد إسقاط نظام الأسد.

وكان لهذا المقطع أثر كبير في تبديد بعض المخاوف ونفي المزاعم التي روجت لها إيران وأذرعها الإعلامية. وبعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024، بدأت السلطات السورية الجديدة ملاحقة مصانع المخدرات وشبكاتها وطرق تهريب السلاح. وأفاد مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، في تقرير صدر بمناسبة مرور عام على سقوط النظام، بأن التصنيع الواسع للكبتاغون في سوريا تعطّل بصورة كبيرة، من دون أن يعني ذلك انتهاء المخزونات أو الشبكات أو مسارات التهريب الإقليمية.

وشهدت المرحلة اللاحقة محاولات لإعادة تنظيم الحدود وفتح طرق التجارة، فأعيد تشغيل معبر القائم–البوكمال في حزيران 2025، ثم افتُتح معبر التنف–الوليد مطلع نيسان 2026 بعد نحو 13 عاماً من الإغلاق. وبعد نحو أسبوعين، افتُتح معبر اليعربية–ربيعة للمرة الأولى منذ 13 عاماً أيضاً.

كما عادت المناقشات المتعلقة بخطوط النفط والطرق البرية التي تربط العراق بالساحل السوري، في ظل البحث عن بدائل لمسارات الطاقة البحرية عبر مضيق هرمز المهدد بالصراعات الإقليمية. وفي تموز 2026، أعلنت بغداد توقيع مذكرة تفاهم مع دمشق لإعادة تأهيل أنبوب النفط الممتد من مدينة حديثة غربي العراق إلى ميناء بانياس على الساحل السوري، على أن تتولى شركة "شيفرون" الأميركية تنفيذ المشروع.

الوضع الراهن والتحشيد العسكري

منذ سقوط نظام الأسد، تشهد العلاقات السورية العراقية تصاعداً مستمراً في مستوى التواصل الدبلوماسي والتعاون الاقتصادي إلا أن ذلك لم يمنع وقوع توترات حدودية متفرقة.

وتشير المعطيات المعلنة إلى تعرض مواقع داخل الأراضي السورية لعدد من الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ارتبط بعضها بالأراضي العراقية وأخرى بإيران، وفي أعقاب أحد هذه الهجمات، أعلنت السلطات العراقية، أواخر آذار الماضي، إلقاء القبض على أربعة أشخاص بتهمة إطلاق صواريخ استهدفت قاعدة عسكرية شمال شرقي سوريا.

وفي ظل هذه التطورات، أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري تعزيز انتشار قواتها على امتداد الحدود مع لبنان والعراق. وتزامن ذلك مع نقل وكالة "رويترز" عن ضباط عسكريين ومسؤولين أمنيين سوريين ولبنانيين، لم تسمّهم، أن دمشق دفعت بوحدات صاروخية وآلاف الجنود إلى الحدود السورية اللبنانية، في ظل ما وصفته المصادر بـ"اتساع رقعة الصراع في المنطقة"، ولا سيما المواجهة بين إسرائيل و"حزب الله" في لبنان.

وقالت هيئة العمليات في الجيش السوري إن هذه التعزيزات تهدف إلى حماية الحدود وضبطها في ظل تصاعد الحرب الإقليمية، وفق ما نقلته قناة "الإخبارية السورية".

وفي تموز الماضي، نقلت الوكالة العربية السورية للأنباء "سانا" عن مصدر في وزارة الداخلية قوله إن الوحدات المختصة أحبطت محاولة إدخال شحنة من الأسلحة النوعية والصواريخ عبر الحدود السورية العراقية، وإن الشحنة كانت متجهة، وفق التقديرات الأولية، إلى جماعة "حزب الله" في لبنان.

وعلى الجانب العراقي، تحدثت السلطات عن انتشار مكثف وتعزيزات وخطط أمنية حول القائم وعلى امتداد الشريط الحدودي من ربيعة إلى الوليد. وفي الوقت نفسه، أكدت تصريحات عراقية أن الحدود مؤمنة وأن الوضع مستقر، ما يشير إلى أن التحركات المعلنة تُقدَّم رسمياً بوصفها إجراءات دفاعية واحترازية، لا استعداداً معلناً لتنفيذ عملية هجومية عبر الحدود.

وتتزايد المخاوف من استخدام المنطقة لنقل مقاتلين أو أسلحة تابعة لفصائل مرتبطة بإيران، أو من عودة نشاط خلايا "تنظيم الدولة"، أو من تحول المنطقة مجدداً إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية.

وتعززت هذه المخاوف بعدما نقلت وسائل إعلام عربية عن مصدر سياسي عراقي أن سوريا أبلغت العراق بأن أي هجوم ينطلق من أراضيه لن يمر من دون رد. وجاء ذلك بعد رصد دمشق تحركات لميليشيات مرتبطة بإيران قرب الشريط الحدودي، على خلفية تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشن هجوم واسع على إيران.

في حين، شدد رئيس الوزراء العراقي والقائد العام للقوات المسلحة، علي الزيدي، السبت، على ضرورة منع أي تجاوز أو تهديد ينطلق من الأراضي العراقية تجاه دول الجوار، موجهاً بوضع آليات رادعة تحول دون تكرار مثل هذه الحالات أو وقوع خروقات مماثلة.

مع التحولات السياسية الأخيرة، تبدو الحدود السورية العراقية مقبلة على مرحلة جديدة لم تستقر ملامحها بعد، فإعادة فتح المعابر وطرح مشروعات لربط العراق بالساحل السوري عبر خطوط نقل الطاقة يفتحان الباب أمام تحول الحدود من ساحة للتوتر والقطيعة إلى ممر للتجارة والطاقة، وربما إلى بديل مهم من المسارات البحرية المارة عبر مضيق هرمز، غير أن هذا المسار ما يزال يصطدم باستمرار الهجمات ونشاط شبكات التهريب وانتشار الجماعات المسلحة، ما يكشف أن استقرار الحدود لا يزال هشاً ومرتبطاً بموازين القوى خارجها.