الجامعة العربية وسوريا وتركيا

تاريخ النشر: 07.03.2021 | 05:27 دمشق

يتكرر منذ عدة أعوام توجيه الإدانة لتركيا في البيان الختامي لكل اجتماع سياسي تعقده جامعة الدول العربية، وآخرها ذلك الذي صدر عن الاجتماع الوزاري في الثالث من الشهر الحالي، وجاء فيه ما وصفه بـ "التدخلات التركية في الشؤون الداخلية للدول العربية". وطالبت الجامعة أنقرة بسحب قواتها من سوريا وليبيا والعراق، ودعتها إلى "الكف عن الأعمال الاستفزازية التي من شأنها تقويض بناء الثقة وتهديد أمن واستقرار المنطقة". ولا تفوت تركيا فرصة الرد على الجامعة ببيان يعتبر الاتهامات باطلة، وأن مساعيها تلقى تقدير شعوب الدول العربية، وتؤكد أن الدول التي تقف وراء الحملة على أنقرة "لا تكتفي بتجاهل المآسي الإنسانية التي تشهدها بعض الدول العربية، بل تلعب دورا في وقوعها أيضا من خلال دعم أنظمة بعض تلك الدول وقادة الميليشيات والمجموعات العنصرية والتنظيمات الإرهابية".

ومن الواضح أن المحور الذي يقف وراء الحملة على تركيا يتشكل من مصر والسعودية والإمارات، ولا يخفى على أحد أن سبب إصرار الثلاثي على إدانة حضور تركيا في سوريا وليبيا والعراق ليس الحرص على سيادة هذه البلدان العربية، بقدر ما هو العداء لتركيا وسياساتها حيال هذه البلدان وغيرها. والدول الثلاث تعمل علانية ضد أنقرة منذ الانقلاب على حكم الرئيس رجب طيب أردوغان في تموز 2016. وتتهم تركيا الإمارات بالمشاركة في الانقلاب، وأدرجت القيادي المطرود من حركة فتح محمد دحلان على لائحة الإرهاب بسبب دوره في الانقلاب. ومن المعروف أن دحلان يقيم في أبوظبي، ويعمل مستشارا لولي العهد الشيخ محمد بن زايد.

لا يمكن إنكار الحضور التركي في الدول العربية الثلاث ليبيا، سوريا، والعراق، ولكنه ليس التدخل الوحيد في هذه البلدان. ففي ليبيا تتدخل فرنسا وإيطاليا وروسيا، وفي سوريا تتدخل روسيا وإيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وفي العراق تتدخل إيران والولايات المتحدة. وحبذا لو تتحرك جامعة الدول العربية من أجل إنهاء كافة التدخلات الأجنبية في البلدان العربية الثلاثة، وستجد كل الترحيب والتأييد من طرف شعوب هذه البلدان، ومن المؤكد لن تجد معارضة من طرف تركيا. وغني عن القول إن كل التدخلات المشار إليها في هذه البلدان وغيرها، كما هو الحال في التدخل الإيراني في لبنان، فإنما حصلت من أجل ملء فراغ الدور العربي، وغياب العرب عن مساعدة هذه البلدان بما يغنيها عن طلب المساعدة الخارجية لمواجهة المشاكل التي تعانيها، والمسؤولية تقع على الجامعة العربية، وأكبر بلدين فيها هما السعودية ومصر، في الحد من التدخلات الأجنبية في الشؤون العربية، ولكن القاهرة والرياض تتبعان في الأعوام الأخيرة سياسات ولدت محاور شقت الصف العربي، وهذا يعني أن هناك تدخلات عربية في الشأن العربي ولكنها ليست بناءة، وإنما من أجل خدمة أجندات ومصالح وحسابات بعض الحكام العرب.

خروج القوات التركية من سوريا وليبيا مسألة سهلة جدا بالمقارنة مع الميليشيات الإيرانية وميليشيات فاغنر الروسية الموجودة بقوة في البلدين

ولنفترض أن تركيا استجابت لطلب جامعة الدول العربية وسحبت قواتها من سوريا وليبيا، هل تضمن الجامعة العربية ألا تقوم قوات بشار الأسد بالهجوم على إدلب، وقوات خليفة حفتر بالهجوم على طرابس؟ والنتيجة في الحالة الأولى سوف تكون تهجير أكثر من 2 مليون سوري إلى تركيا التي تستقبل حاليا قرابة 4 مليون لاجئ سوري. وفي الحالة الثانية ستعود الحرب في ليبيا إلى الاشتعال من جديد، في حين أن العالم يشهد بأن التقدم الذي حصل في الفترة الأخيرة على المسار السلمي، تم بفضل اختلال موازين القوى العسكري لغير صالح حفتر، وذلك نتيجة للدعم العسكري الذي قدمته أنقرة لحكومة الوفاق المعترف بها دوليا.

ومهما يكن من أمر فإن خروج القوات التركية من سوريا وليبيا مسألة سهلة جدا بالمقارنة مع الميليشيات الإيرانية وميليشيات فاغنر الروسية الموجودة بقوة في البلدين، ذلك أن القوات التركية تبقى رسمية ولديها هدف واضح، بينما تغلغلت الميليشيات في النسيج العام، وخاصة الإيرانية التي تم تجنيس بعضها وأصبح إخراجها من سوريا مهمة شبه مستحيلة.