الجامعات السورية ودورها في التعارف بين الشباب والصبايا في القرن العشرين

تاريخ النشر: 13.07.2021 | 07:07 دمشق

آخر تحديث: 13.07.2021 | 07:08 دمشق

قبل عصر "السوشيال ميديا" كانت الجامعات من أهم نقاط التعارف بين الشباب السوريين والصبايا، وكذلك من العلامات المؤثرة في حياتهم، وقد قامت بدور اجتماعي وتنويري، خاصة أنه في القرن الماضي لم يكن هناك "أنترنت أو سوشيال ميديا"، وثمة ضعف في الخدمات اللوجستية الطرقية ووسائل النقل داخل المدن نفسها أو بين المحافظات، إضافة إلى الحالة المادية الصعبة للطالب الجامعي مما تجعل من تنقله أمراً صعباً، دون أن ننسى ثقافة الخوف والعسكرة ومنع التجمعات خارجها، التي كان يخالف عليها القانون.

وكانت معظم حالات التجمع الاجتماعية الاجتماعية من أفراح او أتراح او مجالس أو ولائم، يغلب عليها الجانب الذكوري، أما بيئات العمل فتتسم بقلة مشاركة المرأة، إضافة إلى أن الشخصية عامة تكون قد تشكلت، وأخذت مسارات حياتها.

ونظر كثير من الأهالي آنئذ إلى الجامعة نظرة خوف،  فابن منطقة الفرات مثلاً حين يسجل في الجامعة يخرج عدد من أفراد العائلة أو العشيرة إلى وداعه، أو ترافقه إلى محطة الباصات، فهم يودعون غائباً قد تطول عودته، أو ربما يتعرف إلى صبية من محافظة أخرى، لذلك فإن حالات البكاء كانت مشهداً مألوفاً في محطات النقل، سواء أكانت أيام باصات "الهوب هوب" أو أيام شركة "الكرنك نصف الحكومية"، ولاحقاً شركات النقل الجماعي.

 الابن ستطول غيبته، فقد لا يعود إلا زائراً، أو أنه سيعود مع صبية غريبة عنهم، أو سيحصل على فرصة عمل في المدينة "الكبيرة"، مهدّداً مفهوم الزواج من ابنة العم، وهو عامل مهم في إبقاء حبل العصبية في الأرياف مشدوداً، وفيما لو قبل الأهل خياره في الزواج، فإنه بذلك يخالف عُرف أن الأهل هم من يجب أن يختاروا له،  ويصنع حالة من صعوبة الاندماج مع "الكنّة الجديدة" لاختلاف البيئات والعادات والتقاليد في سورية، وعدم وجود وسائل تعرف السوريين إلى بعضهم يومذاك غير التعارف الفيزيولوجي، لأن التلفزيون لم يكن قد انتشر الانتشار الكافي، والكثير من الريف السوري ليس لديه كهرباء بعد، إضافة إلى شيوع حالات "توهم معرفي" بين السوريين أنفسهم..

ثقافة المنع والمراقبة

كرس النظام السياسي ثقافة المنع، وليس ثقافة إشباع الحاجات أو التوعية أو الإقناع، أو التعرف إلى الحدود، والاتفاق على أخلاقيات محددة بين عناصر العائلة أو العلاقة مع الآخر، وأذكر في هذا السياق أن زميلاً لنا قد أحبّ صبية سورية من طائفة أخرى، فرجته ألا يتزوجا، مع أنها كانت متعلقة به كثيراً، خوفاً من أن تتكرّس فكرة الأهل المسبقة في مفهوم الجامعة، وبالتالي سيؤدي زواجهما فيما لو حصل إلى حرمان كل صبايا العائلة من دخول الجامعة!

كان من المألوف أن تجد أمام كلية الآداب في جامعة دمشق مثلاً في ثمانينات القرن الماضي الأم أو الأب أو الأخ ينتظرون ابنتهم حتى تنهي محاضراتها.

لكن تلك العادات الاجتماعية، لم تستطع أن تحصر حالة الرغبة في كسرها من قبل الشباب والصبايا، ففي الوقت الذي يكون فيه عدد من أولياء الأمور ينتظرون ابنتهم في الحديقة الأمامية كي تخرج من قاعة الدرس، تكون ابنتها جالسة في الحديقة الخلفية مع من "ترغل" له قلبها.

وهذه الأمثلة في كسر الممنوع العائلي لا يمكن مقاربتها بمقياس أخلاقي فقط، بل الأجدى محاولة تحليلها والأخذ بعين النظر: العمر والتجربة ومفاهيم الحياة، وحدود العلاقة بين الرجل والمرأة، ومدى ضرورتها وآلياتها، للوصول إلى فكرة مؤداها أن المنع والمراقبة ليسا هما الحلّ الأمثل سياسياً وفكرياً واجتماعياً وربما دينياً.

ولعله من أدبيات الحياة الاجتماعية السورية حتى نهاية الثمانينات أن لا يسمح للبنات أن يدخلن الجامعات، إلا بنسبة قليلة، وغالباً من يسمح بذلك يجب أن يسبقه خطبتها، لتأمين الحماية من شباب الجامعات الذين يتفننون في سرقة قلوب الصبايا.

أهمُّ نقطة للتعريف بالصبايا عند الشرائح الاجتماعية، خاصة تلك التي كانت تمنع بناتها من دخول الجامعات هي الأفراح، لذلك كانت الزينة والاهتمام بالمظهر في أعلى درجاتها، حيث تقوم الأمهات باختيار من تعتقد أنها تناسب ابنها.

وكان من علامات التميز، في إشارة لمن لها أولوية بالخطبة والاختيار، انتشار مقولة لدى شرائح اجتماعية عدة أن بناتهم لا يخرجن من البيت مطلقاً!، بالتأكيد من الصعب حالياً أن نتصور الأمر، وكيف يمكن للإنسان أن يتزوج إنسانة لا تستطيع الخروج من البيت، فهل يتزوج إنسانة معاقة معرفياً وتجاربياً بمقياس الظروف الحالية.

"السمعة" وهي مفهوم مطاطي، كانت أحد أبرز مجسّات المجتمع في منطقة الاختيار والعلاقات الاجتماعية، وترتبط هاهنا بنمط العائلة، وخياراتها في اللباس (وهو عامل مهم جداً، جداً كان ولا يزال إلى أن يتمّ الوصول إلى نمط مشترك متفق عليه كما في المجتمعات الأوربية وسواها أو يتمّ تجاوزه) ونمط التدين، والالتزام بالعادات الاجتماعية، والطبقة الاجتماعية، وكذلك فكرة "الأصل"، وداخل السور وخارجه، وهي فكرة موجودة في كل مدينة وقرية بصورة أو بأخرى.

عصبيات داخل الدولة الحديثة

تعرفتُ باندهاش كبير في دمشق إلى عصبيات جديدة في الحياة في ثمانينات القرن الماضي، حيث كنت أحسبُ أن "عصبية الدم" هي العصبية الوحيدة المؤثرة، حيث حدثتني صبية دمشقية وقع قلبي في حبها، أن أباها سيزوجها إلى "ابن تاجر" من حارتها، وفيما كنتُ أحدّثها عن أهمّ عصبية عرفتها آنئذ، وأنني يمكن أن أحضر شيوخ القبيلة كلهم لخطبتها، كانت تضحك هي من أعماقها، قائلة: غير مهم هذا! ولم أكن أدرك وقتها أننا نتحدث عن عصبيتين مختلفتين، عصبية المال وعصبية الدم، ولكلّ أسبابها ومراماتها وظروفها.

كانت أنماط العلاقة العابرة (الاستهلاكية) لم تترسخ بعد في الثقافة العالمية، وثقافة المتعة العابرة أو المتعة اليومية لم تكن قد غزت الحياة والفكر بعد، فأنماط الاقتصاد الصناعي التقليدية هي السائدة ولم تفرز بعد متعة الحاضر، بل المتعة المؤجلة.

 لذلك كانت مثلاً: أفضلُ الساعات أقدمُها، والعائلة المتميزة هي من لديها "براد قديم" مضى على بدء استعماله ثلاثون عاماً ولم يتعطل، إشارة إلى أصالته. وأنجح العلاقات أطولها وأقدمها وهي التي تنتهي بالزواج. فالأنماط التقليدية هي السائدة، حيث لا يزال الشيء القديم في حد ذاته قيمة، وأذكر أن والدي في بداية هذا القرن كان لديه ساعة مرّ على اقتنائه لها ثلاثون عاماً ويقول لي: هذه الساعة اشتريتها سنة ولادتك!

لم تبق عصبيات المجتمع السوري ثابتة فقد تكونت في الثمانينات عصبية جديدة في سورية هي عصبية الجيش والمخابرات وأصحاب المناصب، مترافقة مع عصبية العيش في مناطق المخالفات، بصفتها إشارة إلى نمط حياة مختلف قادم إلى المدن الكبرى.

وقد ولدت في سورية عصبيات جيدة ومكونات جديدة في السنوات العشر الأخيرة، هي عصبية الثورة أو التشبيح، فتجد من يقول هذا ابن عم لي في عهد الثورة، وأن هذا الرجل قد جبت الثورة أفعاله السابقة. وفي حالة نكوص من مفهوم الدولة نحو الهويات الفرعية برزت عصبية الطائفة التي كرستها الطغمة الحاكمة بصفتها أهم العصبيات.

دخول الجامعات بصفته حالة مستحدثة

هناك أنماط عدة من طلبة الجامعات في سورية:

  • النمط الغالب من الطلاب وهم أولئك الذين يريدون إنهاء حياتهم الجامعية بأقصى سرعة، كي ينتقلوا إلى خطوة جديدة في حياتهم (العمل)، وكثير منهم يعتمد في الجانب المادي على أهله إبان الدراسة، أو يعمل في المهن الثانوية المؤقتة.
  • ونمط آخر، نسبته ضئيلة، ويمكن تسميته بالطلاب المهملين، الذين لم يحالفهم الكثير من الحظ في الدراسة، وكانت لديهم التزامات تجاه أنفسهم أو عوائلهم.
  • أو أولئك الذين أدركوا معنى آخر للحياة الجامعية، وبقوا سنوات طويلة لا يريدون فقدان تسمية لقب "طالب جامعي"، حيث يتعرفون إلى الأجيال الجديدة كل سنة يقدمون عصارة خبرتهم للصبايا الجميلات خاصة.

 وبمفهوم علم الاجتماع التحليلي يكاد يكون كل طالب/ة جامعي/ة نمطاً في حدّ ذاته، نظراً لتعدد ألوان الحياة في سورية واختلاف ظروفهم عن بعضها.

وضمن هذه السياقات الاجتماعية لم تكن النظرة إلى دراسة فروع الجامعات واحدة في مجتمع معياري، مثل المجتمع السوري، وكذلك الفرص التي يحصل عليها كل شخص، بحيث تؤثر المهنة على مستوى حياته اللاحق لعدم وجود الكفايات الأساسية.

 فهناك تخصص الفرع الأدبي والفرع العلمي، وكيف أن المتفوقين في العلمي يسجلون الطب والصيدلة والهندسة.. ومتفوقو الأدبي يسجلون غالباً الحقوق واللغة العربية  والإعلام والإنكليزي.

 ويندر أن تجد شخصاً كانت تؤهله درجاته للتسجيل في الحقوق، قد سجّل الأدب العربي، بل كان المجتمع يعدّه متمرداً على حقوقه ودرجاته، ولم توجد في الثقافة الاجتماعية السورية فكرة ماذا تريد أو ماذا تستطيع؟ بل كانت الفكرة المسيطرة: ماذا أهلتك درجاتك؟ لذلك عليك أن تجبر خصائصك الشخصية لملاحقة درجاتك العلمية أو تطلعات أهلك بك، بما أنك أنت كذلك في دراستك جزءٌ من خيارات المجتمع وليست الدراسة شأناً ذاتياً.

من يسجل في قسم اللغة العربية؟

يشكل قسم اللغة العربية أحد عينات قراءة حالة الجامعات السورية، وكما لكل قسم أو كلية في الجامعات خصوصية، فإن هذا القسم يستمدّ خصوصيته من عراقته ورمزيّته أولاً، وكون اللغة التي يدرسها الطالب هي اللغة الأم، ولغة القرآن، وارتباط دراسته بمفهوم الأدب، حتى أن كثيرين يسمونه قسم الأدب العربي، ويرتبط كذلك بالتدريس والفصاحة والمحافظة اجتماعياً.

أذكر أنني سألت صديقة عن سبب اختيارها دراسة الأدب العربي فقالت، كانت رغبتي أن أسجل في الأدب الانكليزي وفي يوم التسجيل جاء والدي إلى هنا، فوجد أن دور الطلاب الواقفين للتسجيل في الأدب العربي أقل من الطلاب الواقفين لتسجيل الأدب الإنكليزي، وأمي كانت قد أوصته أن يجلب لها كوسا صغيرة للمحشي، لذلك سجل لي في الأدب العربي بسرعة، خشية أن تنفد الكوسا الصغيرة من السوق، فيقع في مشكلة مع أمي!

نعم تلك مرحلة ربما يستغربها كثير من القراء حالياً، لها علاقة في فكرة الخيارات في سورية، يمكنك أن تقرأ في ضوئها الانتساب للأحزاب أو حالات الزواج!

كنا نحن طلاب الأدب العربي في جامعة دمشق فقراء بالمهمّين من الأساتذة، أو الطلبة، إذا ما وازنّا أنفسنا بأقسام الإنكليزي أو الفرنسي أو الإعلام، وكان شعورنا بأهمية قسمنا تحدده ثلاثة مسارات هي:

  • كمّ الصبايا الجميلات بالقسم، أو اللاتي يلبسن "سبور" وليس لنا من ذلك حظ كبير!
  • - فرص العمل المنتظرة، خاصة أنه وقتها بدأ خريجو الإعلام ينافسوننا على مهنة الصحافة، بكلمة أدق يستعيدون مهنتهم منا، بعد أن اعتادت أدبيات الثقافة السورية على أن يكون الصحفي خريج قسم اللغة العربية غالباً قبل وجود قسم للصحافة والإعلام.
  • المناصب التي يشغلها خريجو القسم، أو ظهورهم الإعلامي، فالبجيرمي كان يدرّس في الإنكليزي ومترجم رئيس الجمهورية في الإنكليزي والفرنسي، وعدد من المذيعات درسن اللغة الإنكليزية أو الفرنسية، ووزير الإعلام وعدد من الإعلاميين التلفزيونيين يدرّسون في قسم الإعلام.

كان من يسجل في قسم اللغة العربية بجامعة دمشق مثلاً غالباً ينتمي إلى:

- الكثير ممن كانوا يعتقدون أن اللغة العربية جزء من الهوية، وتشغلهم الشعارات والحماس، وكذلك ممن يبحثون عن فرصة عمل، شبه مضمونة، في التدريس على الأقل، كون المادة تدرَّس في كل الصفوف.

- أبناء الأرياف الذين لم يقبلوا في الأقسام الأخرى (بما فيهم من أهلنا الكرد)، أو لم يسمع أهلهم بأقسام الإنكليزي أو الإعلام.

- حالمون يعتقدون أن الشعر والأدب مسرح الحياة!

- شريحة كبيرة من صبايا المدن السورية، اللاتي ينتمين إلى العائلة المحافظة اجتماعياً ودينياً، حيث يعدّ تعلم اللغة العربية جزءاً من العلوم الشرعية الأصيلة، قبل أن تغير الكثير من تلك العوائل قناعاتها في مرحلة التسعينات لتسجيل بناتهن في أقسام الاقتصاد والحقوق والإنكليزي والإعلام كذلك.

بين التعارف والزواج

تقاطع العناصر السابقة ولّد "مظلومية" جعلت عدداً من ذكور قسم اللغة العربية يرابط عند الدرج في البناء القديم للكلية أول اتوستراد المزة، لأن قسم اللغة الإنكليزية والفرنسية فوق قسمنا، وستمرّ الجميلات من هناك، وربما المشاهير.

 وبناء على ذلك، فقد كان القسم وكلية الآداب عامة في أحد وجوهها شاهداً على علاقات أو زيجات ريفية بين أبناء مختلف المناطق السورية، حيث كانت أحد مخابر خلط العناصر في سورية، أما التعرف أو الزواج من ابنة مدينة سورية كبرى، فكان أبعد مما يخطر بالبال، خاصة أن معظم أهالي الزميلات كانوا لا يزالون مشغولين بفكرة "داخل السور وخارجه" ولم يعرفوا بعد أن هناك محافظات في سورية قد يخطر ببال أبنائها التفكير بالزواج من بناتهم، (أقول التفكير فقط!!) وسمة المحافظة الغالبة على الصبايا المنحدرات من المدن الكبرى.

يذهب كثير منا، نحن معشر الفقراء المعجونين بسُمرتنا وبنطلون الجينز الوحيد، والعيش بغرفة مع أبناء عمّنا عسكر الجندية الإجبارية في مناطق المخالفات للبحث عن "رزقه أو نصيبه" خارج القسم، وهذه "الأرزاق/ النصيب" كما كان المصطلح شائعاّ، هي أول حالة كسر للأعراف الاجتماعية، حيث كانت الجامعة في سوريا هي أول مختبر سوري، وهي التي شهدت زواج "العلوي من سنية والسلموني من شامية والدرزية من الشاوي"، أول حالة تعارف إيجابية في تاريخ المجتمع السوري قبل وجود الأنترنت. أما فضاء الخدمة العسكرية الإجبارية، فهو من فضاءات التعارف الرئيسية بين الذكور السوريين. وكذلك فضاء الاعتقال والسجن

لكن لا بدّ من التأكيد ثانية أن الجامعات السورية (دمشق وحلب خاصة) حتى بداية القرن الحادي والعشرين كانت أهم ّ نقطة في تشكيل وعي الشباب السوري، وتعرّفه إلى شرائح أخرى من السوريين، وكذلك أهم هدف لعمل الأحزاب في السبعينات، قبل الوصول إلى فكرة الحزب الواحد والقائد الواحد، حيث استغل حافظ الأسد تحدي الصراع مع الأخوان المسلمين، وكان من الطبيعي أن يحاول الأسد أن يسيطر على الجامعات لكسب ولائها، من خلال اتحاد الطلبة، أو مكاتب حزب البعث أو مكاتب المخابرات.