الجاكيت والتنورة القصيرة.. حول صعوبات اندماج السوريين في هولندا

تاريخ النشر: 10.03.2021 | 05:05 دمشق

آخر تحديث: 14.03.2021 | 11:39 دمشق

كانت شكوى مدرسة اللغة الهولندية للأجانب، واضحة: هذه الطالبة السورية، قليلة الكلام، لا تحترمني، لأنها لا تخلع جاكيتها الطويل في درسي، وهذا يزعجني، ويجعل تركيزي صعباً، وأنا أرى حالة خاطئة في صفي!

لا يبدو أن معالجة مثل هذه الشكوى أمر صعب، فتوضيح دلالة ارتداء الجاكيت الطويل، تواؤماً مع نمط المناخ وكبديل عن المانطو أوروبياً، وخلفياته الاجتماعية والدينية، كان كفيلاً بإيجاد لغة مشتركة بين طرفين ها هنا، هما: الطالبة والمدرّسة، يفهمُ منها كلّ طرف دلالة ذلك عند الآخر، وأبعاده.

وهو نوع رئيس من أنواع الاختلاف، وجدت اللاجئات أنفسهن في خضمه، فبعد أن كان "المانطو" والحجاب من أنماط اللباس المرحب بها في بيئتهن الأم، ولها دلالة تقديرية عند كثير من الشرائح الاجتماعية، وإذ بهم في مجتمعات جديدة، تخاف من نمط لباسهم هذا، بل إن لديهم في ذاكرتهم حمولة دلالية مختلفة!

في قراءة سريعة لحديث المدرّسة الهولندية يمكن أن نجد فكرتين مركزيتين هما: أنها صاحبة الحق في فرض نموذج من السلوك على الطلاب، لم تنص عليه أنظمة المدرسة. وفكرة مفهوم الاحترام ودلالة السلوك من وجهة نظر الدلالة المركزية الأوروبية التي تعتقد أن لها الحق في أن تحدد دلالات السلوكيات، وفي هذا إشارة إلى الارتداد إلى أصولية مركزية التفسير، وهي أصولية لا تختلف كثيراً عن الأصولية الدينية المكتفية بذاتها، التي تعتقد أنها مالكة الحقيقة.

تضيف تلك المدرسة في شرحها: ها هنا لدينا تدفئة مركزية، فلا حاجة لارتداء الجاكيت الطويل في الصف الدراسي، وبعيداً عن نبرة المركزية الأخرى التي تحمل في طياتها شيئاً من اختلاف الحضارات في إشارة إلى التفوق التقني، واقتصاد الاكتفاء المادي، وهو ما لم يتح لتلك الطالبة في بلدها الأم. دون الدخول في فكرة أن جوانب من هذا الاكتفاء قامت على استثمار أو استغلال بلد تلك الطالبة، ذات يوم ليس ببعيد، من قبل الدول الأوروبية ذاتها!

الخروج من التمركز حول الذات كان مدخل الحل، ذلك أن المدرّسة تريد من تلك الطالبة أن تغير دلالات تخليها عن جاكيتها في حضور رجال في القاعة الدرسية نفسها، وأن تتخلى عن عاداتها وتقاليدها ومفاهيمها، مستشهدة بنماذج أخرى من النساء، ممن يجلسن في الصف نفسه وضعنه جانباً حين دخلن إلى القاعة الدراسية، تحسب تلك المدرّسة أن المجتمع السوري يشبه المجتمع الهولندي في وصوله إلى حدود معينة من الاتفاق، الذي فرضه النموذج الاقتصادي والفكري والثقافي حول مشتركات عدة بعد الحرب العالمية الثانية خاصة، ولا يمكننا أن نشرح لها دلالات الجاكيت، (في أحد وجوهه المانطو) بين المحافظات والبيئات والثقافات السورية وإحالاته المتغايرة والمتباينة، وأن الأمر أبعد بكثير من قضية التدفئة المركزية في القاعة!

قاد الحوار مع المدرّسة إلى الحديث عن الدلالات الرمزية للباس، واختلافها من شعب إلى شعب آخر

حاولت المدرّسة الدخول إلى الموضوع من جانب سياسي، إبان المناقشة قبل الوصول إلى نقاط مشتركة، حيث إن جزءاً من اندماج القادم الجديد هو احترام ثقافة المجتمع المضيف. لم يكن من الصعب متابعة الحوار وتوضيح أن الضيف لم يحاول أن يجبر المستضيف على التمثل به إرادياً، من خلال تأثير القوة المجتمعية الناعمة، وهو ما قد يحدث خلال سنوات في إطار الثقافة الطاردة والثقافة المتحولة، بل إن المستضيف بصفته نموذجاً أو سلطة يحاول أن يكون هو المركزية المحدّدة لنمط اللباس وسواه من تفاصيل حياة اللاجئ، وعلى القادم أن يتمثل به سريعاً، خاصة أن ذلك القادم يمر بمرحلة اللجوء، وبالتالي هو لم يصل إلى مرحلة المواطنة التي يمكن مناقشة كثير من التفاصيل في ضوئها، على الرغم من أن الوصول إلى المجتمع المتشابه فكرة لم تثبت تجارب الشعوب صحتها!

قاد الحوار مع المدرّسة إلى الحديث عن الدلالات الرمزية للباس، واختلافها من شعب إلى شعب آخر، ففي الوقت الذي وصلت فيه كثير من الشعوب الأوروبية إلى ترسيخ مفهوم للباس يتسم بالحرية في ارتدائه من حيث الألوان والطول والقصر، وما يظهر من الجسد أو يخفيه وفقاً للجنس البشري، وتماهي ذلك مع تكسير قدسية الجسد، والمقدسات الأخرى، لينتفي كثير من دلالاته الاجتماعية، أو قراءته ليغدو أولاً بأول شأناً فردياً، يحدّد الفردُ الألوان التي يرتديها والموديل، مع الإقرار بوجود ذائقة عالمية تحددها شركات الإنتاج ومصممو الموضة.

تقرّ تلك المجتمعات كذلك حدوداً عامة تتمثل في الحد الأدنى، المتعارف عليه، من اللباس بحيث يغطي منطقة الصدر وما تحت السرة بالنسبة للنساء، في حين يكتفى من الرجل بالشورت.

وقد تمت متابعة الحوار مع المدرّسة ليتطور الموضوع إلى محاولة إقرار فكرة عامة تتعلق بنوع اللباس الذي ترتديه الطالبات في المدرسة، وهو خيار فردي يقوم حده الأدنى على كشف الوجه فحسب، انسجاماً مع القانون العام في هولندا.

وتحمل تلك الجزئية دلالات لها علاقة بالوضوح والكشف الذي يشكل جزءاً من ثقافة الهولنديين، بحيث أن معظم واجهات بيوتهم تتكون من شبابيك واسعة، وكذلك المباشرة والتحديد في الكلام وضرورة إطلاع الآخر على التفاصيل اليومية، حتى وصلوا إلى مرحلة تقوم على كشف كل شيء للمواطن، بحيث إن كل ما يوجهه الوزراء لمجلس النواب من رسائل يكون متاحاً لعموم الجمهور على الموقع الرسمي للوزارة على الإنترنت مثلاً.

تتغير الفصول، ويأتي فصل الصيف، لنستمع إلى شكوى مضادّة من إحدى الطالبات تقول فيها: إن المدرّسة ذاتها، التي تدرسهم مادة الاندماج، التي سبق أن اشتكت من جاكيت الطالبة الطويل، تلبس تنورة قصيرة جداً، وأن أزواج الطالبات، خاصة زوجها، كما قالت في شكواها، لا تغادر عيونهم الجزء المكشوف من جسد تلك المدرّسة! وبما أن الطالبة لا تملك سلطة على عيون زوجها بعد، فقد طلبت أن تقوم الآنسة بلبس تنورة أطول، أو بنطال!

كيف يمكن معالجة شكوى الطالبة، التي لو وصلت إلى الإعلام الهولندي لأثارت مشكلة كبيرة، في مجتمع بات يتذمر من اللجوء السوري فيه، نتيجة كثرة اللاجئين وحدوث عدد من السلوكيات الاستفزازية من شريحة منهم، ودون الدخول في فكرة حرية اللباس وأحكام القيمة، ونحن في مجتمع جديد وصل إلى التمييز جيداً بين الحرية الفردية والحرية الاجتماعية، وما هي الأمور التي يحق للمجتمع أن يتدخل فيها ويضبطها؟ عدتُ شخصياً إلى القوانين العامة الناظمة للموضوع على مستوى المدرسين في هولندا، ووجدتُ أن من حق  المدْرسة أن تفرض أسساً معينة للباس على الطلاب والمدرسين معاً!

تفهمتْ المدرّسة الشابة وما أردات إيصاله إليها سريعاً، بل أعلنت أنها ستلتزم بنمط من اللباس وفق ما تنص عليه تعليمات اللباس بالنسبة للمدرسين، خاصة بعد أن تم تزويدها بمعلومات حول (مفهوم المدرس) شرقياً وأن لباسه وتصرفاته لها حمولة رمزية، خاصة أن المدرس عامة يدخل في باب من أبواب القدوة.

ليس الرجل هو الموضوع الرئيسي، لكنه الفاعل في أحد جوانب هذا السياق، الذي يحاول أن يحدّد الدلالة

تمّ التحاور مع الطالبة والطالبات الأخريات حول مفهوم اللباس في المجتمع الجديد، وأن التقصير والتطويل فيه لا يحمل دلالة تشبه الدلالة الشرقية سواء كونه حرية شخصية، أو إشارة إغرائية، وأن اللباس في المجتمع الجديد شأن شخصي، ومفهوم الجسد كله مفهوم مختلف! وأصبحت فكرة الصورة النمطية عن الآخر لا تغيب عن مثل هذه الحوارات، فقد كان من الصعب إقناع الطالبات في الصف بأن اللباس في المجتمع الأوروبي، على الأقل في سياقنا هذا، مختلف، وكان مردّ تلك الصعوبة، في أحد جوانبها، إلى عدم وجود تعليم كاف وتجربة مترافقين مع زاوية ضيقة في القراءة وتقدّم بالعمر، عند الطالبات تسمح بسرعة تغيير المفاهيم.

إن من الصعوبة تغيير دلالات مزروعة في أذهان الطلاب في مفهوم اللباس القصير للمرأة، في مجتمع قراءته للجسد وعلاقة الرجل بالمرأة علاقة تنظمها مفاهيم أخرى، وكيف يمكن إبعاد مفهوم التفاضل في الموضوع، وتحييد حكم القيمة والاستعاضة عنه بمحاولة قراءة الآخر، وفهم سياقات فعله/ أو لباسه في هذا الموضع، لثقافة يقوم جوهرها على الأبيض والأسود والصح والخطأ والمقدس والمدنّس!

ليس الرجل هو الموضوع الرئيسي، لكنه الفاعل في أحد جوانب هذ السياق، الذي يحاول أن يحدّد الدلالة، فالمدرّسة في أحد تفاصيل النقاش معها أرجعت الأمر إلى أن السبب في موقف الطالبة من لباسها هو كون زوج المرأة يدرس معها، في حين أن نساء أخريات أزواجهن ليسوا معهن فعلوا فعلاً آخر، والأمر عينه فيمن وضعت جاكيتها الطويل جانباً، إبان الدرس.

وفي الوقت ذاته حاولت الطالبة، كما قالت في تفاصيل النقاش معها أن تحمي زواجها، علاقتها مع زوجها ليس بمنعه من النظر، أو محاولة إقناعه بأن هذا شأن شخصي، وهذا المفهوم لم تقتنع به الطالبة نفسها به، لم يتم التفكير فيه كذات محرومة أو لديها رغبات زائدة، أو متسلطة تبحث عما يشبعها ربما، تلك ثنائية شرقية من الصعب إيجاد حلول لها في الشرق لكونها ترتبط ببنى اجتماعية وفكرية عدة، أما في الغرب فقد ضبطها القانون جيداً وأشبعها بطرق عدة، وأدخل جوانب منها في ثقافة الاعتياد والإشباع وتلبية الحاجات الأساسية للإنسان ليكون متوازناً، ولا تزال شرقية تصاغ في إطار سؤال: هل المشكلة في رغبات الرجل التي لا يستطيع أن يحميها بالتعفف أم في جسد المرأة الذي يثيره؟

صراع السلطات هو جانب من جوانب النقاش، وشعور عال للأنا المكتفية بذاتها، القادرة على تحديد مسار الصح والخطأ! فهناك نسقان ثقافيان أجبرتهما الظروف على التعايش والدخول في حوار معمق مع الآخر للوصول إلى تصورات صحيحة عن محركاته في السلوك والتصرف.

حاولت تلك السردية أن تفكك مفاهيم السردية الأخرى، عبر مفاهيمها الفردية ذاتها كمرحلة أولى وعبر تفهّم خصوصية الآخر ومفاهيمه كمرحلة ثانية، بعد أن كانت مطمئنة إلى صحة مسار تصوراتها الناظمة لتفكيرها، وخياراتها. وقد أخذ التخلي عن المرجعيات المسبقة في التصور عن الآخر وقتاً طويلاً من الحوار للوصول إلى حالة بحثية معرفية كي لا نصل إلى القطيعة، بل إلى ضرورة التفكير في مرجعيات الآخر، وتفهم قراءاته، مع التأكيد على أن ذلك إنْ بقي دون حوار ربما سيقود إلى شيء من عزلة الأصولية المكتفية بذاتها، أو إلى شيء من فوقية الصراع الحضاري غير المكتفي، الذي يرى في خياراته على أنها "الصح" الذي يجب أن يقتدي به القادم إلى المجتمع الجديد، بصفته جزءاً من شروط الاندماج مع قيم المجتمع المستضيف!