الثورة والهوية العلمانية للدولة المعاصرة

تاريخ النشر: 20.05.2018 | 02:05 دمشق

آخر تحديث: 29.09.2018 | 05:20 دمشق

 

في الجدل العربي عموماً، وفي الجدل السوري خصوصاً، والذي تزامن مع انطلاقة الثورة السورية، ثمة اختزال فاضح للعلمانية، بحيث بات تعريفها الاختزالي الأشهر هو "فصل الدين عن الدولة"، وهذا الاختزال للعلمانية في الجدل العربي هو اختزال سابق بعقود للثورات العربية، فقد تبنّته حركات إسلامية وبعض الدول من أجل رجم العلمانية، ووضعها في تناقض كلّي مع الإسلام، لخدمة مصالح سياسية محددة، ودعم أنظمة بعينها.

الحركات اليسارية في العالم العربي وسوريا لم تستطع إحداث اختراق في هذه المسألة المفصلية، بل أن مسألة هوّية الدولة لم تكن، في حقيقة الأمر، في مقدمة أولوياتها، فقد طغى الهدف الاشتراكي، وما يتضمنه من مترادفات، مثل العدالة الاجتماعية، على معظم الحركات اليسارية، وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي، مضت بعض الأحزاب اليسارية خطوات أوسع نحو تبني الديمقراطية، لكن النضال من أجل تأكيد علمانية الدولة لم يصبح همّاً رئيساً، ولا يتعلق الأمر فقط بنقص في وعي النخب اليسارية، وإنما أيضاً بمحاولة الهروب من طرح قضية إشكالية على مجتمعات تعاني من أزمة فوات تاريخي وحضاري، وتعدد كبير في مكوناتها الطائفية.

إن الوقوف ضد مبدأ علمانية الدولة هو وقوف ضد القيم الأساسية المؤسسة للعلمانية

عموم ثورات الربيع العربي، ومن بينها الثورة السورية، حملت في انطلاقتها شعاري الحرية والعدالة، وطالبت بإسقاط النظم السياسية القائمة، وقد أفضى انزلاق معظم تلك الثورات إلى حالة صراع مسلح إلى تعقيدات كبيرة، فتحت الباب واسعاً أمام قضايا أخرى، لا تقل أهمية عن الحرية والعدالة، مثل علمانية الدولة، بالطبع من دون أن ننسى قضايا أخرى خلافية، مثل شكل الدولة (مركزي أو غير مركزي أو فيدرالي).

ومع بروز الفصائل المسلحة على ساحة الصراع الوطني السوري، بعد تراجع الحراك المدني، لأسباب عدة، أصبحت معروفة، ظهر ميل جارف نحو أسلمة الحراك المسلح، ما لبث أن اتخذ صيغاً مختلفة، بعضها تبنى الإرهاب كشكل واضح، من حيث المرجعية والبنية، وقد ترافق هذا الميل لدى الفصائل المسلحة نحو الأسلمة مع ظهور أزمة  لا تقل خطورة في الحراك السياسي، فقد كشف مؤتمر توحيد المعارضة الذي عقد في القاهرة بتاريخ 2و3 يوليو/ تموز 2012، بعد يومين من صدور بيان جنيف 1 في 30 يونيو/ حزيران 2012، وحضره طيف واسع من المعارضة السورية، وبلغ عدد أعضائه حوالي 250 عضواً، وبحضور دولي وعربي، وازن عن أزمة كبيرة حول مصطلح العلمانية، جاء حلها عبر اللجوء إلى صيغة توافق تلفيقي حول مصطلح المدنية، كبديل عن مصطلح العلمانية، والتفاف على قضايا ذات صلة بما يترّتب على علمانية الدولة من التزامات تجاه بناتها وأبنائها.

 ظهر ميل جارف نحو أسلمة الحراك المسلح ما لبث أن اتخذ صيغاً مختلفة بعضها تبنى الإرهاب كشكل واضح من حيث المرجعية والبنية

وقد تكرّر الصراع بين قوى المعارضة السورية حول تثبيت هوية الدولة في وثائق مؤتمراتها في مختلف المؤتمرات التي شهدت وجود قوى متنافرة فكرياً وأيديولوجياً، لكن ما يجمعها هو همّ إسقاط النظام، وإحداث انتقال سياسي، وكما كان التوافق على "مدنية الدولة السورية" مخرجاً للاستعصاء في مؤتمر القاهرة، حدث التوافق ذاته في مختلف مؤتمرات المعارضة، فقد رضخت الكثير من القوى العلمانية واليسارية والليبرالية لمبدأ التوافق، شكلياً من مبدأ حرصها على عدم إحداث شرخ في صفّ المعارضة السورية، لكن العامل الحاسم في رضوخها هو ضعف ثقلها العام، وعدم وجود أي تأثير لها على الفصائل المسلحة، التي أصبحت اللاعب الرئيس في ساحة الصراع مع النظام.

وبعيداً عن الأسباب السورية الصرفة أو العربية والدولية في وصول الثورة السورية والوطن السوري إلى المصير الكارثي، ثمة سؤال جوهري يتم الهروب منه والالتفاف عليه، وهو: هل يمكن لثورة معاصرة ألا تكون مع علمانية الدولة؟ ليس فقط لأنها قامت في بلد محكوم بموزاييك اجتماعي متعدد الأديان والأعراق، بل لأسباب تتصل بجوهر الثورة على الاستبداد نفسه، وعلى الديكتاتورية، وفي ظل نزعة حقوقية عالمية نحو حقوق الإنسان، وتبني قيم المواطنة المتساوية، والتي أصبحت عامل استقرار راسخ في مجتمعات الدول المتقدمة.

إن الوقوف ضد مبدأ علمانية الدولة هو وقوف ضد القيم الأساسية المؤسسة للعلمانية، وهي العقلانية والحداثة والكونية، وهذه المبادئ الثلاثة هي جوهر مسار التقدم، وهي مبادئ حاكمة في السياسة أيضاً، فالسلطات الاستبدادية هي سلطات غير عقلانية، كما أنها سلطات غير حداثية، أي أنها تنتمي إلى ماضي السياسة، وليس إلى حاضرها ومستقبلها، وهي بالضرورة غير كونية، لأنها مضادة للانفتاح على تجربة الآخرين في التقدم والازدهار السياسي، ومن بينها المنتج الديمقراطي.

وبناءً عليه، فإن الثورة المعاصرة، أي ثورة، تتنكّر لمبادىء العقلانية والحداثة والكونية فهي ثورة مضادة لأهدافها الأساسية، إذ كيف لها أن تتبنى قيم الحرية والعدالة والديمقراطية وهي تنطلق من مرجعيات غير وضعية، خاضعة لاجتهادات وتأويلات متنافرة من التاريخ، وهي ترى أن سبب تردي الحاضر وأحواله السياسية والاجتماعية هو الابتعاد عن الماضي الذهبي، وليس نتيجة لممارسات بشرية، غير قادرة على الأخذ بأسباب التقدم، والبناء عليها، معرفياً وعلمياً.