الثورة والدولة وما بينهما

الثورة والدولة وما بينهما

الصورة
علم الثورة السورية(إنترنت)
24 تشرين الأول 2018

ثمّة اعتقاد شائع عند نسبة كبيرة من الناس بأنّ الثورة أحد أمرين، فإمّا التظاهر في الشوارع والساحات وإمّا حمل السلاح ومحاربة قوات النظام الحاكم. لكنّ الأمر حقيقة مختلف عن ذلك، فأدوات الثورة السلميّة كثيرة ومتنوّعة، تتدرّج من التظاهر إلى الاعتصام في الساحات والميادين إلى الإضرابات المؤقتة ثم الإضرابات المفتوحة، إلى أن تصل إلى العصيان المدني الشامل. كأمثلة تاريخية يمكننا الحديث عن "حملة العدالة والحرية" التي قادها غاندي في الهند، وعن حركة "التحرر من العبودية" التي قام بها الأمريكيّون الأفارقة، وعن "انتفاضة الحجارة" في فلسطين بين عامي 1987 و1993، وعن حملات مقاومة نظام الفصل العنصري "الأبارتايد Apartheid" التي قادها نيلسون مانديلا في جنوب إفريقيا، وعن "ثورة الأرز" في لبنان.

الثورة كحدث مجتمعيّ، أكبر من مجرّد الرفض، وإن كان جوهرها الأساسي يقوم على ذلك. الثورة عمليّة بناء مستمرّة لبدائل عن العلاقات القديمة التي قامت ضدّها القوى المجتمعيّة المطالبة بالتغيير.

التظاهر والاعتصام وأساليب الاحتجاج السلمي الأخرى، حمل السلاح واستخدامه لمقارعة القوّات الأمنية والعسكرية للأنظمة التي تقوم في وجهها الثورات، ليست سوى مظاهر أو أشكال للصراع المجتمعي، وليست هي جوهره الحقيقي. مع ذلك يمكننا من خلال هذه المظاهر قياس درجة الاستعداد المجتمعي أو الحالة المزاجيّة الشعبيّة أو حتّى مقدار القوى التي تمتلكها قوى التغيير المتمثّلة بالقوى التي تطرح نفسها كقيادة فعليّة أو سياسيّة للثورة.

التظاهر والاعتصام وأساليب الاحتجاج السلمي الأخرى حمل السلاح واستخدامه لمقارعة القوّات الأمنية والعسكرية للأنظمة التي تقوم في وجهها الثورات ليست سوى مظاهر أو أشكال للصراع المجتمعي

يكمن الجوهر الحقيقي للثورة في تغيير المفاهيم، يكمن في هدم القديم منها الذي لم يعد يتناسب ومستوى التطوّرات المجتمعيّة، وبناء الجديد منها الذي يسعى لتسيّد مرحلة جديدة من مراحل التطوّر.

تُنجز الشعوب حركات التغيير هذه بأشكال مختلفة، وقد تُسعفنا شواهد التاريخ بأمثلة كثيرة تختلف في التفاصيل لكنّها تتفق في الجوهر. فإمّا حركات عنفيّة مسلّحة تحوّلت إلى حروب طاحنة أو إلى حروب أهليّة، أو انقلابات عسكريّة تتوّج خلاصة ومحصّلة قوى مجتمعيّة واقتصادية وسياسيّة في لحظة تاريخيّة معيّنة، وإمّا عمليّة تحول تدريجي تقودها هذه القوى عبر مؤسسات الدولة وأجهزتها الوظيفيّة وعبر أدواتها وآلياتها المخصّصة أساساً لاستيعاب هذا التطوّر.

فعندما تكون أجهزة الدولة ومؤسساتها ذات طبيعة حياديّة بين القوى المتصارعة في مجتمع ما، يتمّ إنجاز هذا التغيير بطرقٍ سلسة ضمن قنوات متعارف عليها بين الأحزاب السياسية والحركات المجتمعيّة التي تمثلها منظمات المُجتمَع المدني المختلفة. أمّا عندما تكون أجهزة الدولة غير حياديّة ويتمّ استخدامها في هذا الصراع من قبل طرف ما، فإن التحوّل غالباً ما يأخذ أشكالاً عنيفة قد تصل إلى استخدام السلاح لإنجاز عمليّة الانتقال.

لقدّ تطوّر مفهوم الدولة أساساً عبر التاريخ البشري إلى أن وصل أخيراً إلى الشكل الأكثر تقدّماً في الممارسة العمليّة المتمثّل في دول الديمقراطيّات الغربيّة. الدولة جهاز حيادّي عن القوى السياسية والأحزاب وعن القوى الاقتصاديّة والمجتمعيّة المختلفة، وهي في خدمتها جميعاً بنفس الوقت. هي الجهاز الذي ينفّذ محصّلة التوافقات في مجتمع ما والمتمثّلة بالدستور كعقد اجتماعي وبالقوانين كأدوات تفصيليّة تشرح وتنفّذ هذه التوافقات. تستخدم الدولة أدوات مختلفة للتسيير، تعارف البشر على تسميتها بالسلطات التقليديّة المُقسّمة أدوارها ووظائفها بين تشريعية وتنفيذية وقضائية، كما تستخدم الدولة آليات للتسيير مثل الانتخابات والاستفتاءات والتعيين المباشر في الوظائف كما تستخدم المناقصات لتنفيذ الأشغال العامّة والتعاقد مع الأفراد والشركات والأوامر المباشرة.... إلخ.

لقدّ تطوّر مفهوم الدولة أساساً عبر التاريخ البشري إلى أن وصل أخيراً إلى الشكل الأكثر تقدّماً في الممارسة العمليّة المتمثّلة في دول الديمقراطيّات الغربيّة

يمكننا المقارنة بين دور الدولة في عمليّة التحوّل التي خاضتها وتخوضها شعوب أوروبا، وبين دورها في المشرق. لقد كانت الدولة في الغرب رافعة للتطوّر، بينما كانت في الشرق رافعة للاستبداد.

يعتبر الدستور ببساطة العقد الاجتماعي الذي تقوم عليه توافقات أبناء الأمّة التي تشكّلُ الدولةُ وعاءها الحاوي وجهازها المُشغّل، الدستور هو عماد الدولة وحامل قيم الأمّة، وبالتالي فهو - كمفهوم - في مرتبة عليا تترتّب على احترامها نتائج هائلة لأية أمّة.

تقول مقدّمة الدستور الأمريكي:

"نحن شعب الولايات المتحدة رغبة منا في إنشاء اتحاد أكثر كمالاً، وفي إقامة العدالة، وضمان الاستقرار الداخلي، وتوفير سبل الدفاع المشترك، وتعزيز الخير العام وتأمين نِعَمِ الحرية لنا ولأجيالنا القادمة، نرسم ونضع هذا الدستور للولايات المتحدة الأمريكية."

ما يميّز الدساتير أنها تمثّل حالة التوازن المجتمعي في مرحلة ما، كما تمثّل الرؤية البعيدة لمستقبل أمّة ما في مرحلة تاريخّية معيّنة. لذلك نرى أنّ الدساتير في البلدان التي قطعت أشواطاً بعيدة في التجربة الديمقراطية وفي التداول السلمي للسلطة، شبه ثابتة ولا يجري عليها التعديل إلّا ضمن آليات شديدة التعقيد.

كمثال على ذلك يمكن النظر إلى الدستور الأمريكي الذي تمّ إقراره من قبل مندوبي الولايات في العام 1784 والذي نصّت مادّته الخامسة على كيفيّة تعديله.

المادّة الخامسة من الدستور الأمريكي:

"يقترح الكونغرس، كلما رأى ثلثا أعضاء المجلسين ضرورة لذلك، تعديلات لهذا الدستور، أو يدعو، بناء على طلب الهيئات التشريعية لثلثي مختلف الولايات، إلى عقد مؤتمر لاقتراح تعديلات، تصبح في كلتا الحالتين، قانونية من حيث جميع المقاصد والغايات، كجزء من هذا الدستور، عندما تصادق عليها الهيئات التشريعية لثلاثة أرباع مختلف الولايات، أو مؤتمرات تعقد في ثلاثة أرباع الولايات أيا كانت وسيلة المصادقة التي يقترحها الكونغرس من بين هاتين، شرط (ألا يؤثر أي تعديل يتم ويقر قبل سنة ألف وثمانمائة وثمانية 1808 في أية صورة كانت على العبارتين الأولى والرابعة من الفقرة التاسعة من المادة الأولى، و) ألا تحرم أية ولاية، دون رضاها، من حق تساوي الأصوات في مجلس الشيوخ."(1)

إن ما تبقّى من قوى الثورة المدنيّة في سوريا باتت شبه عاجزة عن إحداث التغيير المنشود مع توحّش وتغوّل القوى العسكريّة المحسوبة اسميّاً على الثورة والمصنّفة فعلياً من أعدائها

هي عمليّة إجرائيّة معقّدة أراد لها واضعو الدستور الأمريكي خلق حالة من التوازن بين القوى الاقتصاديّة والمجتمعيّة في عموم الولايات المتحدة مع إبراز وتقديم حقوق كلّ ولاية على قدم المساواة مع غيرها من الولايات بغضّ النظر عن حجم كلّ ولاية أو قوّتها أو مساحة أراضيها أو عدد سكّانها.

لقد كان الهدف من تعقيد عمليّات تعديل الدستور، لضمان أن يكون ذلك سبيلاً وحيداً لمقاربة التطوّرات المجتمعيّة التي تكون حركتها بطيئة جدّاً وتمتدّ عبر فترات طويلة من الزمن.

بينما نرى أنّ الدساتير في الدول المحكومة بأنظمة شموليّة يتمّ تغييرها بطرق بسيطة تصل أحياناً حدّ المهزلة، كما حصل في سوريا عام 2000 لتوريث الدولة من الأب للابن، وكما حصل في مصر بعد انقلاب 3 يوليو تمّوز عام 2013.

بالعودة إلى التحوّلات المجتمعيّة العنيفة التي شهدتها دول الربيع العربي، نجد أن جزءًاً من قوى الثورة اضطُرّت أو دُفعت دفعاً إلى استخدام العنف والسلاح كما حصل في ليبيا وفي سوريا، وقد تنامى دور حملة السلاح في هاتين الثورتين بينما تقلّص بل كاد يندثر دور الثوّار المدنيين المعوّل عليهم في بناء البديل، وفي الحالات التي لم تتمكن فيها قوى الثورة من ذلك انحسرت وانكفأت عن ساحة الفعل بسرعة كبيرة، بسبب العنف المفرط الذي مارسته الأنظمة الحاكمة أو الأنظمة التي انقلبت على الثورة كما حصل في مصر واليمن

لذلك نجد أنّ التغيير المطلوب لم يتمّ إنجازه ولأسباب عديدة لا مجال لتعدادها، لكن يمكن القول ببساطة إن تحالف القوى المتضررة من التغيير داخلياً وخارجيّاً كان أكبر من تحالف القوى صاحبة المصلحة به. لقد كانت الدولة – كمفهوم وكجهاز- إحدى وسائل القمع التي استعملتها الأنظمة الحاكمة في بلدان الربيع العربي ضدّ شعوبها.

لونظرنا بعين الناقد الخارجيّ المحلل لا بعين الثائر المتعاطف، يمكننا القول: إن ما تبقّى من قوى الثورة المدنيّة في سوريا باتت شبه عاجزة عن إحداث التغيير المنشود مع توحّش وتغوّل القوى العسكريّة المحسوبة اسميّاً على الثورة والمصنّفة فعلياً من أعدائها، فيما لو نظرنا إليها من حيث الآليات والأساليب المتّبعة ومن حيث الأهداف النهائية التي تسعى لتحقيقها كلّ منها.

لقد كانت المظاهرات الأخيرة في إدلب أكثر ما يمكن أن تصل إليه فاعليّة هذه القوى للأسف الشديد فقد شهدنا ونشهد يوميّاً حالات التنكيل التي تمارسها القوى الظلاميّة بحق النشطاء المدنيين

لقد كانت المظاهرات الأخيرة في إدلب أكثر ما يمكن أن تصل إليه فاعليّة هذه القوى للأسف الشديد، فقد شهدنا ونشهد يوميّاً حالات التنكيل التي تمارسها القوى الظلاميّة بحق النشطاء المدنيين، واعتقال المحامي ياسر السليم من قبل قوّات هيئة تحرير الشام "هتش" أكبر دليل على ذلك.

ورغم أنّ هذه الفعالية هي الوحيدة التي يتميّز بها مجتمع الثورة عن بقيّة أقسام المجتمع السوري الخاضعة لسيطرة قوّات النظام و قوّات سوريا الديمقراطيّة "قسد"، إلّا أن المسألة تختلف فقط بطريقة التعبير عن الغضب والرفض، ولا تتعداها إلى مستوى مختلف من التأثير بالنتائج على الأرض. يمكن للأهالي وللثوار المدنيين فيما تبقّى من مناطق الثورة في شمال غرب سوريا التظاهر، بينما يحتجّ ويرفض بقيّة السوريين ممارسات قوات النظام وقوّات "قسد" باللجوء إلى الصمت، مجرّد الصمت.

بالتأكيد يمكن المحاججة بأن تأثير المظاهرات كان كبيراً، ويمكن الاستشهاد بحالة الاستنفار التي كانت عليها شخصيات بارزة من هيئة التفاوض ومن الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، ويمكن القول بأنّه كان من نتائجها استقالة نائب رئيس هيئة التفاوض، لكن بكلّ تأكيد تبقى هذه الحجج واهية وغير مقنعة، إلّا إذا كان من نتائج هذه المظاهرات المباشرة، تغيير آليات عمل هاتين المؤسستين المحسوبتين على الثورة، بحيث تصبح أكثر شفافية واستقلالاً والتزاماً بالثوابت الوطنية السورية، لا بأجندات ومصالح الدول المشغّلة لها ولأعضائها.

مع ذلك، وكي لا ندخل في أطوار التشاؤم والجحود وإنكار الحقائق، يجب أن نؤكّد أنّ الآثار الهائلة التي أحدثتها الثورات في هذه المجتمعات لم تكن في حسبان أحد، بل لن يكون في مقدور أحدٍ أن يحسب أو يعرف حجمها الحقيقي إلّا بعد فترات طويلة من الزمن، وبعد أن تؤتي أُكُلها وبعد أن تنضج ثمارُها. الأهم في كلّ ذلك أنّ حالة الرفض باتت منهجاً، وحالة التغيير تسير بشكل بطيء لكنه ثابت وقويّ وراسخ. هي السيرورة الطبيعيّة لحركة التاريخ وإن أوقفت عجلتها أحياناً عصيُّ المصالح المتقاطعة ما بين حرّاس السلطة وحرّاس المال.

 

المراجع:

  1. جامعة منيسوتا- مكتبة حقوق الإنسان.

 

 

شارك برأيك