الثورة في دير الزور... من قاد مرحلة الحراك السلمي؟

تاريخ النشر: 18.03.2018 | 17:03 دمشق

آخر تحديث: 25.04.2018 | 21:10 دمشق

تلفزيون سوريا- سامر العاني

لم تكن الإجابة على سؤالنا حول تاريخ أوّل مظاهرة في دير الزور صعبة على الثوّار الذين عاصروا تلك المرحلة، فبينما ظهرت أصوات تقول إنّ أوّل مظاهرة كانت في الثامن عشر من شهر آذار / مارس من عام 2011 بعد مباراة لكرة القدم بين فريقي الفتوّة وتشرين في ملعب دير الزور البلدي، أكد أغلب الثوار الأوائل أنّ ماجرى في الملعب لايتعدّى كونه شغب ملاعب كما كان يحدث في أغلب المحافظات السوريّة خلال الدوري السوري إذ لم تشهد الحادثة أي شعارات سياسية أو مطالب اجتماعية، وأنّ المظاهرة الأولى الموثقة بمقاطع مصوّرة وشعارات سياسية ومطالبة بالحرية كانت يوم الجمعة في الخامس والعشرين من الشهر ذاته والتي أطلق عليها في عموم سوريا اسم "جمعة العزّة".

وأياً كان تاريخ أوّل مظاهرة خرجت في دير الزور إلا أنّ الإجماع كان واضحاً حول أنّ الناشط "أكرم العسّاف" كان هو الشخصيّة الكارزميّة التي استطاعت التأثير بعد أيام قليلة من بداية انطلاق الثورة بدير الزور، وكان لها الظهور الأبرز في حراك دير الزور السلمي كما منشد حماة الذي أطلق عليه لاحقاً (القاشوش)، والساروت وخالد أبو صلاح في حمص، وغياث مطر في داريا، وغيرهم في جميع المناطق الثائرة آنذاك.

 

فروع الأمن قلقة

ضابط منشقّ ممّن عاصروا بداية الحراك في دير الزوروكان من أصحاب الشأن في أحد الفروع الأمنيّة قال لـ"تلفزيون سوريا" إنّ القلق الحقيقي بدأ لدى القيادات العليا في إدارات الأمن والمخابرات مع المراحل الأخيرة لثورة 25 كانون الثاني/يناير في مصر، حيث كانت تجري دورة قيادات عليا في دمشق  لبعض ضباط الأمن مدتها ستّة أشهر، إلا أن خوف النظام من انطلاق حراك شعبي في بعض المناطق، قرّر إلحاق الضبّاط المشاركين في الدورة بعملهم واعتبارهم ناجحين حتّى قبل نهاية الدورة، وهذا يفسّر القلق الشديد من تفجّر مظاهرات الغضب في سوريا".

وتابع "كانت ترد معلومات إلى فروع الأمن عبر مصادر ومخبرين عن احتمالية انطلاق مظاهرة في أماكن متفرّقة كبعض الكليّات أو المساجد أو حتّى المناطق السكنيّة، فكانت الفروع ترسل عناصرها لتقصي الأمر، فإمّا كان يكتشف أمر العناصر فلا تخرج المظاهرة، أو تكون المعلومة التي ترد غير دقيقة".

"لم يكن هتافي الأوّل في "جامع عثمان" مرتّباً مع أحد ولكني كنت قد اتّخذت قراري أن أحاول شحذ الهمم حتّى لو أدّى ذلك لاعتقالي، فما جرى في تونس وفي مصر كان مبشّراً بالنسبة لي"

وأكّد "أنّ ماحدث يوم 25 من شهر آذار/مارس من عام 2011 كان متوقّعا، فجميع الفروع الأمنية كانت تعلم أنّ مظاهرة في دير الزور ستخرج، إلا أنّ هذه المظاهرة بالذات تعدّ الأولى التي استطاعت الخروج من المسجد والوصول إلى منطقة "شوّاخ" دون أن تعلم فروع الأمن بها، ممّا يعني أنّه لم يكن مرتّباً لها، أو أنّ ترتيبها كان على درجة عالية من السريّة، حينها اعتقل 11 شخصاً ممّن شاركوا في هذه المظاهرة كان أغلبهم من طلبة الجامعة والمثقفين من أبناء مدينة موحسن، وحينها بدأ يتردّد اسم "أكرم العسّاف" بقوة في فروع الأمن الأربعة، وكان  اعتقاله مطلوباً بأي طريقة كانت".

 

انقسام اللجنة الأمنية

وأشار الضابط إلى أنّ في هذه المرحلة كانت اللجنة الأمنية تنقسم إلى قسمين، أو على الأقل يُنظر إليها هكذا، فالقسم الأوّل يؤيّد استعمال العنف لكبح المظاهرات ويمثله رئيس فرع الأمن العسكري "جامع جامع" ورئيس فرع أمن الدولة "دعّاس أحمد" والقسم الثاني ممن لا يؤيّدون استعمال العنف ويميلون إلى الحوار وتحقيق مطالب المتظاهرين وهم أمين فرع الحزب "طه الخليفة" ومحافظ دير الزور "حسين عرنوس" ورئيس فرع الأمن السياسي الذي انشقّ لاحقاً "العميد محيي الدين هرموش" ورئيس فرع المخابرات الجويّة "محمّد طيّارة" وهؤلاء كان ينظر إليهم  على أنّهم من الطائفة السنيّة.

من جهته قال الناشط أكرم العساف لـ"تلفزيون سوريا"، لم يكن هتافي الأوّل في "جامع عثمان" مرتّباً مع أحد ولكني كنت قد اتّخذت قراري أن أحاول شحذ الهمم حتّى لو أدّى ذلك لاعتقالي، فما جرى في تونس وفي مصر كان مبشراً بالنسبة لي، وما جرى في درعا يوم 18 من شهر آذار كان محفزاً لأقوم بتلك الخطوة، فوجد هتافي بعد نهاية صلاة الجمعة في جامع عثمان يوم 25 من شهر آذار عام 2011 آذاناً مصغية، وكانت المظاهرة التي أشعلت فتيل الثورة في دير الزور واستطاعت السير حتّى منطقة "شوّاخ".

وتابع، "عند وصولنا إلى منطقة شوّاخ كانت حشود من البعثيين واتّحاد الطلبة بانتظارنا ليقوموا بالهجوم علينا وتفريق المظاهرة باستخدام العصي والهراوات، حينها تم اعتقال عدد من المتظاهرين لعدّة أيّام." وأضاف بعد انتهاء المظاهرة بدأ عدد من نشطاء المحافظة بالتواصل معه لتجهيز مظاهرة أخرى في الجمعة التالية، و هنا كان لابدّ من التفكير في جذب أكبر عدد من الثوّار عبر كسر حاجز الخوف.

 

تدخل جامع جامع

واستمرّ تضخّم الحراك الثوري بحسب "العسّاف"، الذي تابع قائلاً: "ولعلّ الحدث الأهم كان يوم الجمعة العظيمة بتاريخ 22 نيسان من عام 2011  حيث كنت حينها الشاهد على عنف نظام الأسد وعلى إصرار الثوّار على استمرار حراكهم السلمي، فقد التقت جميع المظاهرات في ساحة الحريّة ووصل العدد إلى الحد الذي لا يمكن أن يسمح به النظام، فكان قرار رئيس فرع الأمن العسكري "جامع جامع" تفريق المظاهرات بالمياه ثم زج قوّات حفظ النظام واستخدام المصفّحات والغازات المسيلة للدموع، إلا أنّ رد الثوّار كان الصمود وإسقاط تمثال باسل الأسد الذي كان موجوداً في الساحة".

ويرى العساف أنّ هذا الفعل العنيف من قبل جامع جامع شكّل ردة فعل لدى من لم يشارك في المظاهرات لتكون الجمعة التي تلتها أكبر عدداً وأكثر من حيث عدد نقاط انطلاق المظاهرات، واستمرّ العدد بالتزايد جمعة تلو الأخرى حتّى اعتقل العساف في حي المطار القديم عن طريق إرسال قوّة كبيرة من الشبّيحة وقوى الأمن بتاريخ 6 أيّار. 2011.

شكّل اعتقال "أكرم العسّاف" نقطة فارقة في تاريخ دير الزور –بحسب نشطاء - فتحوّلت المظاهرات من مرّة واحدة كلّ يوم جمعة، إلى اعتصام دام ثلاثة أيام في حي المطار القديم، ومن هنا بداً الحراك يأخذ شكلاً آخر، وبدأت تتطور أدواته، وأصبح النشطاء يطوّرون أدواتهم السلميّة، فمن الهتاف إلى اللافتات ثمّ مكبّرات الصوت والشموع والأهازيج والأغاني.

 

مرحلة التنسيقيات

"عامر العاني" أحد أعضاء أوّل تنسيقيّة في دير الزور آنذاك شرح لموقع تلفزيون سوريا أنّ ثورة الربيع العربي في تونس ومصر كانت ملهمة لثورة سوريا عموماً ودير الزور خصوصاً، وحسمت الأخبار التي تواردت من درعا موعد انطلاقة ثورة دير الزور، إذ كانت الترتيبات تجري للتظاهر في دير الزور منذ إعلان موعد انطلاق الثورة في 15 آذار، وما سبقه من إرهاصات إلا أنّ التظاهر كان حتمياً يوم الجمعة 25 من شهر آذار/ مارس من عام 2011، كانت عيون العشرات تتلاقى بعد صلاة الجمعة لأسبوعين متتاليين قبل ذلك، وفي أغلب مساجد المدينة، لكن لم تكن تخرج الصرخة الأولى التي كان ينتظرها الجميع فينفضّون، ولعل هذا لقلة ثقة متبادلة مع غرباء لا تعرفهم أو لاحتمال وجود عيون أمنية تتربص بأول هاتف أو صارخ، وهذا ما حدث حقيقة حيث اعتقل الشباب الذين خططوا لإطلاق مظاهرة من جامع الصفا، بينما نجحت تلك الانطلاقة في الجمعة نفسها من مسجد عثمان في حي المطار القديم ومسجد التوبة في حي الجورة.

ولعلّ سبب نجاح تلك المظاهرتين هو الامتداد الريفي لمناطق انطلاقها في حيين يقعان في طرفي المدينة، حيث إنّ حي المطار القديم يمتد سكانياً للريف الشرقي وحي الجورة يمتد للريف الغربي وهنا تكون العلاقات أمتن بين أبناء الحي والثقة أكبر، وعزز ذلك كله جهوزية الكثير من أبناء المدينة للانخراط في أيّ تظاهرة تنطلق، وهذا ما حصل.

كان التنسيق لهذه المظاهرات مختلفاً من منطقة لأخرى، ففي الوقت الذي ثبت فيه مكان خروج مظاهرتي حي الجورة والمطار القديم كل جمعة، بقي شباب الثورة في وسط المدينة يعملون بشكل سري للغاية لاختيار مكان انطلاق المظاهرة كل جمعة وقد يحدث أن يتبدل المكان المقرر في وقت متأخر من الليل ويُعلم بذلك المتظاهرون عبر شبكات مؤلفة من مجموعات صغيرة لا يعرف كثير منها الآخر، إلا أن هناك اجتماعات شبه يومية تجمع كل مجموعة على حدة وتجمع ممثلين عن هذه المجموعات في مكان عام لا يلفت النظر وغالباً ما كان في مقهى.

 

ثلاثة أمور أججت الحراك

ويتابع العاني مفصلاً "إنّ ثلاثة أمور كانت من أهمّ ما أثر في تطور الأحداث في بداية الثورة بدير الزور، وهي وصول أخبار استشهاد المهندس مرفق سليمان ابن دير الزور في حي برزة بدمشق وانتظار تشييعه في دير الزور، واعتقال الناشط أكرم العسّاف مما أدى لكسر نمطية يوم الجمعة واعتصام أبناء دير الزور لأول مرة لليال

"كانت فكرة التنسيقيّات مأخوذة عن تجربة المصريين في ثورتهم، وفي البداية لم يكن لها فعل حقيقي على الأرض، كانت عبارة عن صفحات على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" تهتم بالتوثيق بالدرجة الأولى"

متتالية أمام بيته، واستشهاد الشاب "معاذ الركّاض" في الثالث من حزيران 2011 أول شهيد في مدينة دير الزور، وهو الحدث الأهم الذي جعل التظاهرات تعم دير الزور ليخرج مئات آلاف المتظاهرين وتسيطر الحالة الثورية على المدينة والمحافظة جميعها لأكثر من شهرين، أكثر ما استطاع أن يفعله النظام خلالها هو جمع ما بقي من مؤيديه في خيمة عزاء عند تمثال حافظ الأسد، يعبرون فيها عن تأييدهم للنظام ورئيسه ولعدة أيام، ما لبثت أن انتهت بإزالة التمثال قبل أن يصل إليه المتظاهرون".

وفيما يخص التنسيقيات بدير الزور، يقول "العاني" كانت فكرة التنسيقيّات مأخوذة عن تجربة المصريين في ثورتهم، وفي البداية لم يكن لها فعل حقيقي على الأرض، كانت عبارة عن صفحات على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" تهتم بالتوثيق بالدرجة الأولى وإظهار جرائم النظام وفضح كذبه بالتقليل من شأن الثورة أو أعداد المتظاهرين أو نقاط التظاهر، حيث أنشئ أولها من الجزائر ثم تلتها أخرى من الخليج وثالثة كذلك، أدارها أبناء دير الزور المغتربون خارج سوريا بداية ثم أصبحت تعمل من الأرض مباشرة وبشكل كامل بعد أن تهيأت الظروف الأمنية لذلك، حيث انتقل أغلب القائمين عليها للعمل على الأرض مباشرة، ثم توسّع كادرها ليشمل الثوّار على الأرض، ويكون لها مكاتب إعلامية وتصبح أكثر احترافية، وتنضم للعمل بشكل جماعي مع تنسيقيات المحافظات والمدن السورية عبر انضمامها لتجمعين كبيرين لتنسيقيات سوريا "اتحاد التنسيقيات" و "لجان  التنسيق المحلية"، وأصبحت التنسيقيات في دير الزور في مرحلة متقدمة بحيث تعلن عن الإضرابات وأماكن التظاهرات وفعاليات الاعتصامات وتنقل الكثير من الرؤى والمستجدات السياسية والعالمية بما يخص الثورة السورية وتؤثر فيها.

 

نهاية الحراك السلمي

ويرى العاني أنّ الحراك السلمي كان أكثر ما يرعب نظام الأسد بعد تضاعف الأعداد وتطوّر أدوات المتظاهرين وتحوله إلى اعتصام دائم في دوار "المدلجي" سيطر على المدينة، ولم يكن ليسكت النظام عن خروج المدينة عن سيطرته، و قرر اعتقال كل الناشطين من الصف الأول بأي وسيلة وأي ثمن ممن عدّهم قياديين ومحرضين، وزاد إصراره بعد تطبيق الثوار لفكرة الحواجز في مداخل الشوارع التي تمنع قوات الأمن وسياراتهم من دخول الأحياء، ما جعله يسعى لاستفزاز الثوار، وإرهابهم بجموع الدبابات التي أحاطت المدينة في بداية آب 2011.

 فكرة مواجهة القوات العسكرية أو عدمها جعلت الثوار يعقدون اجتماعاً كبيراً يكاد يجمع كل المؤثرين في الثورة  بدير الزور أو ممثلين عنهم، وبعد تأكيد من لديهم السلاح البدائي (بنادق الصيد، ديناميت الصيد، قنابل المولوتوف اليدوية) أن ما يتوفر لديهم قد ينفد في أقل من نصف ساعة من المواجهة، قرر المجتمعون الاستمرار في الحراك سلمياً وإزالة الحواجز، وتعميم ذلك عن طريق خطباء المساجد، إلا أن شيئاً ما قد حدث-بحسب العاني-  بعد أن انفض الاجتماع، واتُّخذ قرار بمواجهة الدبابات التي دخلت المدينة في 7 آب 2011.لتصبح التهم الموجّهة للثوار منقسمة بين مسلّح وغير مسلح، وتشهد الجمعة التالية انخفاضاً كبيراً بأعداد المتظاهرين، إذ قمعت بالسلاح الثقيل، لتدخل الثورة في دير الزور مرحلة جديدة.

مقالات مقترحة
فتاة ملثمة استغلت إجراءات كورونا وطعنت طالبة في جامعة تشرين
مجلس الأمن يصوّت على مشروع هدنة عالمية لـ توزيع لقاحات كورونا
وزير الصحة التركي: الحظر سيبقى في بعض الولايات بسبب كورونا