"الثقافة هي ما يبقى بعد أن تنسى كل ما تعلمته في المدرسة"
— ألبرت آينشتاين
كم مرة وقفتُ أمام رفوف الكتب في مكتبتي الصغيرة، أُقلب صفحاتٍ قرأتها منذ سنوات، فأكتشف أني نسيتُ تفاصيلها، لكن بقيت في فكرة، شعور، ربما مبدأ. كم من المعلمين مروا علينا، وكم من الحصص استهلكت وقتنا وتركيزنا، لكن ما الذي بقي فعلاً؟ ما الذي تبقى حين يتبخر المنهاج، وتتقادم دفاتر الطفولة؟
عندما كتب آينشتاين جملته الشهيرة: "الثقافة هي ما يبقى بعد أن تنسى كل ما تعلمته في المدرسة"، لم يكن يهاجم المدرسة كمنظومة، بل كان يسلط الضوء على الفارق بين التعلم والتثقف، بين حشو المعلومات وبناء الإنسان.
المدرسة.. تعليم أم تلقين؟
لنتحدث بصراحة؛ كثير من مدارسنا، خصوصًا في العالم العربي، لا تزال تسير وفق نموذج قائم على الحفظ والاستظهار. الطالب المثالي هو من يكرر ما قيل له، وليس من يسأل "لماذا؟". المعلمة المثالية تنهي المنهج في الوقت المحدد، لا التي تفتح النقاش حول موضوع واحد حتى ينضج تمامًا.
لكن هل هذا تعليم فعلاً؟ هل المدرسة التي تقاس نجاحاتها بنسبة التحصيل فقط، قادرة على تخريج جيل مثقف، حر التفكير، صاحب رأي وشخصية مستقلة؟ يبدو أن أينشتاين كان يعرف الجواب منذ زمن.
ما تبقى بعد المدرسة
الثقافة إذًا ليست في تذكر تواريخ المعارك أو حفظ أسماء العناصر الكيميائية، بل في القيم التي نحتفظ بها بعد أن ننسى التفاصيل. إنها الطريقة التي نحلل بها الأخبار، وكيف نفهم الآخر، وكيف نقف أمام المواقف الأخلاقية الحاسمة.
هل تعلمتم يوماً في المدرسة كيف تتعاملون مع الخسارة؟
هل ناقش أحدهم معكم كيف تحترمون من يختلف معكم فكريًا؟
هل أُتيحت لكم الفرصة يوماً لتعبروا عن رأيكم بحرية دون خوف من عقوبة أو سخرية؟
ما يبقى بعد المدرسة، هو ما علمه لنا الأدب، والمسرح، والسينما، والحوارات الطويلة مع الأمهات والجدات، والسفر، والقراءة الحرة، وحتى الأخطاء التي ارتكبناها بأنفسنا وتعلمنا منها.
أما الثقافة فهي وعي متجدد لا شهادة جامعية
الثقافة، كما أفهمها، ليست مرتبطة بالمستوى الأكاديمي. أعرف الكثير لم يدخلوا الجامعة، لكنهم مثقفين بمعنى الكلمة. يحاوروا في السياسة والاقتصاد وتاريخ العالم، ونفاجئ بقدرتهم على التحليل، على الربط بين ما يحدث في الأخبار وما حدث قبل قرن. بينما أعرف خريجين بدرجات علمية عالية، لكنهم يكرروا ما يُقال لهم دون مساءلة.
الثقافة ليست عدد الكتب التي نقرؤها، بل عدد الأسئلة التي تثيرها تلك الكتب فينا. ليست في عدد اللغات التي نتحدثها، بل في الكيفية التي ننظر بها للعالم من خلالها. الثقافة هي ما يتبقى حين تسقط الأقنعة، وتبقى فقط رؤيتك الخاصة لما هو حق، وما هو مهم.
عندما تصبح الحياة مدرسة
أذكر جيدًا أول مرة سافرت فيها إلى بلد مختلف كليًا عن بيئتي. شعرتُ أني في حصة جغرافيا، لكن حية، تنبض بالبشر، بالروائح، بالصوت واللون. كل لقاء مع إنسان مختلف كان درسًا. كل خطأ ارتكبته في محاولة التأقلم كان تدريبًا على النضج. لم أكن في صف دراسي، لكنني تعلمت أكثر مما تعلمته في فصل دراسي بأكمله.
الحياة، بتنوعها وثرائها، هي المدرسة الحقيقية. كل تجربة نعيشها، كل فقد، كل حب، كل فشل، هو مادة ثقافية تضاف إلى رصيدنا الإنساني.
هل نعيد تعريف "المتعلم"؟
ربما آن الأوان أن نعيد تعريف كلمة "متعلم". المتعلم ليس فقط من يحمل شهادة جامعية، بل من يحمل حسًا نقديًا، من يسأل ويبحث ويقرأ ويستمع. من يغير رأيه إذا وجد أن هناك منطقًا في وجهة النظر الأخرى.
والمتعلمة الحقيقية، هي التي لا تكتفي بالمعرفة السطحية، بل تغوص أعمق. لا تقبل الأشياء كما قدمت لها، بل تفككها وتعيد بناءها من منظورها الخاص.
وهنا يستحضرني هذا السؤال: كيف نصنع الثقافة التي تبقى؟ والجواب يكمن في:
- القراءة الحرة: خارجة عن المنهج، خارج المدرسة، حيث نختار نحن الكتب لا تفرض علينا. نقرأ الأدب، الفكر، السير الذاتية، وحتى الروايات الخيالية.
- الحوار: كم نحن بحاجة لحوارات حقيقية، بدون أحكام مسبقة، حيث نستمع لنتعلم لا لنتفوق.
- الفن: المسرح، الموسيقى، السينما، الرسم... كلها أدوات تعلم. كم من فيلم غير فينا أكثر مما فعلته محاضرة جامعية طويلة.
- وايضا السفر (حتى داخل الوطن): الاحتكاك بثقافات أخرى، له تأثير لا يقدّر بثمن.
- السؤال: أن نسأل بلا خوف، بلا خجل، بلا شعور بالجهل. السؤال هو بداية المعرفة.
وللمرأة صوت في الثقافة
بصوت أنثى، أقول: نحن النساء لسنا فقط مستهلكات للثقافة، بل صانعات لها. عندما نكتب، نربي، نعلم، نختار، نحكي قصصنا، نغني، نرسم، نحلم... نحن ننتج ثقافة.
والثقافة التي تنتجها النساء هي ثقافة تشبه الحياة: فيها الرقة والقوة، العاطفة والمنطق، الخصوصية والكونية.
لسنوات، حُصرت المرأة في أدوار تعليمية شكلية: الحفظ، التلقين، التكرار. لكننا اليوم نطالب بأكثر: بحقنا في طرح الأسئلة، في إنتاج المعرفة، في مناقشة الفلسفة، في فهم السياسة، وفي التأثير الثقافي بشكل جذري.
الثقافة بصمة
الثقافة، في نهاية الأمر، ليست شيئًا نحمله في حقائبنا ولا في شهاداتنا. إنها ما نتركه من أثر. هي البصمة التي نخلفها في العقول والقلوب. هي الموقف الذي نقفه عندما يصمت الجميع، هي الكلمة التي نقولها في الوقت المناسب، هي الفكرة التي تحرّك ساكنًا.
ولذلك، فإن ما نتعلمه في المدرسة قد يكون البداية فقط. لكن الثقافة هي الرحلة، وهي البوصلة، وهي ما يتبقى حين تنتهي الدروس وتغلق الأبواب.