الثابت والمتحول في القضية السورية

الثابت والمتحول في القضية السورية

الصورة
24 كانون الأول 2018

"ليس هناك من ثوابت في القضية السورية إلا أمران: الأول أنه ما مِن ثابت فيها، والثاني أنه إذا كان هناك أمر دائم ومستمر أو ثابت في القضية السورية، فهو العذاب والمواجع، واستمرار المأساة". هذا اقتباس من إحدى إحاطات ستيفان ديمستورا الأخيرة. إذا كان ديمستورا قد أبدع بمسألة أو نجح ببراعة في أمر بتلك المهمة التي كُلِّف بها في سوريا فهي بتدبيج الكلام وتنميقه؛ والاقتباس أعلاه أحد أهم إبداعاته، ويمكن أن يدخل في سجل "إنجازاته". حقيقة لم يكن هناك ما هو أكثر ديمومة وثباتاً في سوريا وما يمكن تسميته بـ "ثابت/constant" في القضية السورية إلا الألم والعذاب وديمومتهما.

كانت هناك جملة من الثوابت لدى النظام، وعلى رأسها أن يحكم البلد أو يدمرها؛ وظهر أنه بعد أن دمّرها لم يتمكن من البقاء في حكمها؛ فكان المتحول أن يأتي بقوة روسية مدعّمة بإيران وميليشياتها ليكونوا الحاكم الفعلي، ولكن بفعل قوتهما وسحقهما لمن يعارضه يبقى حاكماً ولو شكلياً.

الثابت الآخر الذي حرص النظام عليه هو محاولة نسف أي حل سياسي. فجأة يهتز هذا الثابت، ونرى النظام يقع بغرام /مؤتمر سوتشي الوطني/ ويهتم اهتماماً كبيرا بـ "اللجنة الدستورية"؛ ويعتبر ذلك التزاماً بالعملية السياسية. يعود الثابت ليصبح متغيراً بعد أن يكتشف أن "اللجنة الدستورية" ستدخله بعملية سياسية، فيعمل على نسفها برفقة روسيا وإيران من خلال وضع شروط مستحيلة.

الثابت الآخر الذي حرص النظام عليه هو محاولة نسف أي حل سياسي. فجأة يهتز هذا الثابت، ونرى النظام يقع بغرام /مؤتمر سوتشي الوطني/ ويهتم اهتماماً كبيرا بـ "اللجنة الدستورية"

على الأقل إعلامياً، تشكل "العروبة" ثابتاً آخرَ في سياسة النظام يطول شرحه. ذلك "الثابت" يتحول إلى متغيّر أو /متحوّل/   في الأزمة السورية حتى زيارة الرئيس السوداني؛ فيعود ليصبح ثابتاً.

إنّ تَحَوُل "ثوابت" نظام الأسد إلى متحولات، ومتحولاته إلى ثوابت، مسألة لا تنتهي؛ وكلها تصب في ثابت لا يتزحزح، هو فعلاً الوحيد في حياة هذا النظام ويتمثل بـ /البقاء، ولو فني كل شيء/؛ ومن هنا قول ديمستورا بأن الثابت الوحيد في الحياة السورية هو المعاناة واستمرار المأساة؛ ولكن ما لم يقله ديمستورا هو أن ثابت النظام الأوحد هذا: (البقاء) مرتبط مع ثابت الحياة السورية الأوحد: (المأساة). ديمستورا للأسف لم يمتلك الجرأة حتى في آخر إحاطة له- على الأقل كتبرئة ذمة- أن يسمي الأمور بمسمياتها ويقول إن هذا النظام هو المسؤول عن المأساة السورية؛ وهو من وُجد الإرهاب وداعش والاحتلالات بسببه.

نعم، كل شيء متحول في القضية السورية؛ يمكن لمتعصب أو متطرف فهم الدين وتطويعه وعجنه وخبزه كما تشاء أو ترسم سياسة الاستبداد والدكتاتورية؛ وأن يتحول معتقل في سجن صيدنايا إلى أمير في داعش أو النصرة في الصباح يمارس "تشريعاته" وممارسة القتل، وفي الظهيرة يكون في مطار "الشدادة" بلباسه العسكري ليستقل طائرة هيلوكبتر لحضور اجتماع في فرع مخابرات في دمشق.

بفضل ديمستورا وغيره، دامت وازدادت الثوابت ديمومةً وثباتاً؛ وازدادت المتحولات والمتغيرات وصارت أكثر تحولاً وتغيراً؛ فتماهي الروس مع الحل العسكري، الذي نهجه النظام بدعم إيران وميليشياتها، زاد من تعنّت النظام وجعل من شعاره العدمي التدميري /الأسد أو نحرق البلد/ ثابتاً جمّد كل استراتيجية روسية محتملة لإيجاد حل سياسي حقيقي للقضية السورية وحوّلها إلى رزمة من التكتيكات ساهمت أيضاً بتحويل المتحولات إلى ثوابت والثوابت إلى متحولات.

متحولات وثوابت اللاعب الأساسي الآخر "أميركا" في القضية السورية أكثر غرابة؛ وربما الأكثر مساهمة بامتداد المأساة السورية

متحولات وثوابت اللاعب الأساسي الآخر "أميركا" في القضية السورية أكثر غرابة؛ وربما الأكثر مساهمة بامتداد المأساة السورية. فمن ثابت "أوباما" المتمثل بسياسة النأي بالنفس والسياقة من الخلف- والتي اعتبرها البعض ثابتاً- والتي ساهمت بخنق وتكبيل وتشويه المعارضة، ويسرت الدعم للنظام وإعطائه الفسح والسماح والتملص من الاستحقاقات والنجاة من أية محاسبة عبر قارب النجاة الروسي.. من كل ذلك.. إلى ثابت "ترامب" الذي يعمل علنا عكس سياسة أوباما كيفما كانت.

في عهد ترامب دخل حابل الثوابت بنابل المتحولات والمتغيرات؛ وترى المقاربة الأميركية للقضية السورية تتأرجح بين إدارة الظهر إلى رسم وبلورة استراتيجية ثابتة ركائزها إنهاء داعش واقتلاع الخطر الإيراني والولوج بعملية سياسية حقيقية. فجأة ثابت الاستراتيجية الأميركية المتبلورة حديثاً يصيبه الجمود بتغريدة يطلقها ترامب تربك الحلفاء والأصدقاء والأعداء وتعيد القضية السورية إلى ثابتها الأساس في ديمومة وثبات المأساة واستمرارها.

ما يمكن أن يخرج القضية السورية من هذا الثابت المأساوي الذي التصق بها خلال السنوات الثماني الماضية لا بد أن يستند إلى ثابت جديد يأخذ جملة من الحقائق بعين الاعتبار وينطلق إلى مشروع مبني على ثابت العودة إلى سكة الحياة مهما كلف الأمر. وإذا كان هذا النظام المجرم لا يهتم إلا ببقائه؛ فليكن ذلك البقاء مكلفاً جدا، بحيث لا يحتمله أو يتحمله أحد. حياة حرة كريمة وهذا النظام أمران لا يلتقيان.

شارك برأيك