التَنَظُّم والتَّنْظيم

التَنَظُّم والتَّنْظيم

الصورة
11 آذار 2019

سلام الكواكبي

مدير المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات في ب

خلال سنوات الجمر التي امتدت عقوداً في أغلب المجتمعات العربية، والتي فشلت نخبها التي تصدّرت المشهد السياسي بعد الاستقلال من بناء الدولة الوطنية فيها، كما التي عجزت عن وضع عقد اجتماعي حقيقي يخرج من الحالة الجنينية التي يُراوح فيها منذ صياغته المنقوصة، تنظّم الناس في أُطرٍ مدنية غير واضحة المعالم وبعيدة عن الشفافية والفاعلية مهما تدرجت في مستوياتها. وتنافست الديكتاتوريات بأشكالها العسكرية أو الدينية أو الأمنية، في السيطرة على مصير من تحكمهم، فرضاً لا اختياراً، كدول استعمارية بديلة من خلال تطبيق، والنجاح غالباً في ذلك، نظرية المستعمر التقليدية في أنه "ما دمت تعمل على التفريق بين أبناء الوطن، فستدوم السيطرة والسيادة عليهم لك"، وفي لغة أخرى، فرّق تَسُدْ. وقد تكفّلت قوىً خارجية بتأمين "السلام" للأنظمة وساعدت في الغضّ عنها، وتعزيز قمعها للرعايا الذين لم يتحصّلوا على مرتبة المواطنين حتى إشعارٍ آخر.

من تجربة عمل مدني مخلخل ومراقب ومقموع في بلاد الأصل، ومن وضع سياسي واجتماعي تميّز بالفردانية والانعزالية في مختلف أوجه الحياة، وجد عدد كبيرٌ من العرب عموماً والسوريين خصوصاً أنفسهم أفراداً مشتتين في بلاد اللجوء إثر قيام أنظمتهم المستبدة ومجموعات متطرفة بالتحالف الموضوعي لحرمانهم من أوطانهم. وصار التطلّع إلى الاستمرار في الحياة والاستقرار المؤقت أو الدائم في بلاد اللجوء هو أولوية النشاط الفردي بعيداً عن أي تنظيم مدني.

وتقدم بلاد اللجوء، على نسب متفاوتة، مجالاً خصباً لتغيير هذه العادات "البالية" وخصوصاً بلاد اللجوء الأوروبية. فمن الطبيعي أن يُعاني اللاجئ في بلاد عربية شبيهة بتلك التي هرب منها، من نفس الأعراض والأمراض البنيوية التي قدم من لدنها والتي ستحرمه من أي شكل من أشكال تنظيم الفعل المدني ورصد الطاقات الإيجابية في سبيل تقديم رسالة مشتركة والمساهمة في عمل عام يضم مختلف الطبقات والمكونات. بالمقابل، يبقى لمن وصل إلى بلاد الغرب الحظ الأوفر حتماً في الاستفادة من خبرة طويلة وثرية في حقل العمل المدني وطرائق تنظيمه والاستفادة منه في تطوير المجتمعات وحماية حقوق الجماعات والاندماج على طرفيه، الاجتماعي والاقتصادي.

عندما يحطّ اللاجئون أو المهاجرون العرب في بلد غربي وغريب، ومع ما يحملونه من تراكم معقد

مسألة التأطير المدني للجاليات الجديدة من خلال الجمعيات والمبادرات الجماعية ضرورة وليست ترفاً

من ثقافة الخوف وجهل الثقافة وتقاليد بالية وعادات متخلفة لدى البعض، يُصبح من واجب من يعتبر أنه ينتمي إلى النخبة الثقافية أو الاقتصادية منهم أن يسعى إلى إطلاق ديناميكية تنظيمية تستفيد من رحابة القوانين في بلاد اللجوء أو الهجرة، كما من ثقافة عمل مدني متأصّلة في مجتمعاتها. لذلك تصير مسألة التأطير المدني للجاليات الجديدة من خلال الجمعيات والمبادرات الجماعية ضرورة وليست ترفاً. صلب عمل هذه الجمعيات من المفترض أن يسعى إلى تعزيز إمكانات وقدرات المنتمين إليها أو المعنيين بمجالاتها للبدء في حياة جديدة والتكيّف المهني والثقافي والاجتماعي. وإنجاز هذا الهدف السامي يحتاج إلى جرعات كبيرة من التوعية والإرشاد.

في جموع اللاجئين، نجد قلّة من المثقفين بالمعنى العضوي والكثير من المتعلمين بالمفهوم التقني. هؤلاء يختارون غالباً العزلة نتيجة تراكمات الزمن القاسي الذي خبروه في بلادهم، كما يلجأ البعض إلى حصر نشاطه في محيط اختصاصه أو في مجتمع شبيه به أو مُرحِّب. وينأون بأنفسهم عن أي انخراط في العمل العام لصالح العامة إن صح التعبير. أما الآخرون، وجزء منهم من غير المتعلمين، ولكن ليس حصراً، فيلجؤون إلى الجمعيات الدينية كثيرة الانتشار والسطوة المالية في بلاد الاغتراب واللجوء، التي، إن منحتهم بعض السلام الداخلي والمساعدات العينية أو المادية، فهي بالتأكيد لن تمنحهم وعياً ومعرفة بالمجتمع الجديد الذي يُحاولون

اللاجئ العربي عموماً والسوري خصوصاً لم يكن مواطناً في بلده في أية حقبة سياسية تلت استقلاله إلا لماماً

الاندماج فيه، كما أنها لن تكون بقادرة ولا راغبة في توعيتهم على أهم القوانين التي تحفظ حقوقهم وتوضح لهم واجباتهم، كما لن تنشر فيما بينهم وجوب احترام عادات وتقاليد مجتمع الاستضافة، بل على  العكس، فهي ستسعى لتعزيز التمييز الذاتي.

اللاجئ العربي عموماً والسوري خصوصاً لم يكن مواطناً في بلده في أية حقبة سياسية تلت استقلاله إلا لماماً. وقد أُبعد بإصرار عن أي نشاط مدني أو سياسي. وبالتالي، فإن مسألة الحقوق والواجبات بعيدة عن ممارسة العامة وإن كانت واضحة نظرياً على الأقل في مخيال النخبة. فالوقت قد حان إذاً للالتفات إلى العمل المدني في مجتمع اللجوء والاغتراب. الانخراط المنشود في هذا المجال ليس المراد منه أن يسعى إلى تحسين صورة اللاجئين في مجتمع الاستضافة، فهذا هدف قصير النظر، إنما يجب أن يستهدف بناء الإنسان الجديد بمعزل عن الإطار الجغرافي الحالي له. هذا الإنسان الذي، وإن مكث في المهجر واختار الاستقرار على العودة إلى بلده، فانخراطه في عمل عام ومنظم، كما تأطير جهوده وتنظيم صفوفه، كلها عوامل مساعدة بشكل مباشر أو غير مباشر في عملية إعادة بناء بلده. وإن اختار يوماً العودة، فإنه سيعود مكتسبا ليس معارف تقنية فحسب، بل وأيضاً، وهذا الأهم، معارف مدنية وحقوقية ومواطنية وقدرة على التَنَظُّم والتَنظيم.

شارك برأيك