التمثال الذي حطمته صرخة حرية للأبد!

تاريخ النشر: 22.08.2018 | 10:08 دمشق

آخر تحديث: 28.01.2020 | 18:25 دمشق

أعلن النظام أمس عن إعادة تشييد تمثال لحافظ الأسد في مدينة حمص، بلغت كلفته خمسين مليون ليرة سورية.

ومدينة حمص كانت سباقة في التحاقها بركب الثورة وفي تحطيمها للتماثيل وتمزيقها للصور التي طالما أراد النظام من خلالها السيطرة على الذاكرة البصرية للسوريين، وتكريس عبادة الفرد، ولهذا السبب بالذات تفنّن السوريون في تصوير عمليات تحطيم التماثيل إيذاناً منهم ببدء عصر الحرية الذي أرادوا من خلاله أن يحكم الشعب نفسه بنفسه، وألا يقدس فردا ولا يركن إلى فكرة رئاسته ورئاسة ابنه من بعده، وحفيده بعد ابنه.

ولبناء التمثال رمزيته في التوقيت والمكان، ففي التوقيت يأتي الإعلان عن تشييد هذا التمثال بعد أسابيع قليلة على إعلان النظام قوائم بآلاف الشهداء توزعت ألمها كل المدن السورية، وكأنما يراد بذلك تكريس إعادة زمن ضحى هؤلاء بحياتهم من أجل تغييره، ومن أجل صناعة مستقبل أفضل لهم ولشعبهم.

يراد لنا الآن أن نستسلم لفكرة أن النظام قد قمع ثورة شعب استمرت سبع سنوات، ونكّل بقادة ثورتها السلمية، وعذبهم حتى الموت، الآن وقد استتب الأمر بواسطة الذراع العسكري الروسي الممتد في سوريا، والدعم الإيراني، ومجيء كل ميليشيات الأرض الطائفية، وقد فات من بنى التمثال أنه فقد كثيرا من قيمته ومعناه، بعد أن حطمه السوريون في داخلهم قبل أن يحطموا حجارته.

وقد فات من بنى التمثال أنه فقد كثيرا من قيمته ومعناه، بعد أن حطمه السوريون في داخلهم قبل أن يحطموا حجارته

يحلم صانعو التمثال باستعادة زمن عبادة الفرد وتركيع الشعب السوري، فيما قاموا هم أنفسهم باستباحة الوطن مرات، بقوى الاحتلال التي جلبوها، قوى الاحتلال التي لا تقيم وزنا لهذا التمثال ولا حتى لرئيس هذه البلاد المستباحة شخصيا.

وأما في المكان، والمكان هنا حمص العدية، صاحبة اعتصام الساعة، عاصمة الثورة، والمدينة التي تعد بحق قلب البلاد الذي قاوم الحقد المزروع بين طوائفها، وواجه كل العقاب الذي أنزل بها، فيراد لها عقاب من نوع آخر، بعد القصف الوحشي بالبراميل، والحصار والتجويع، والتهجير القسري، يراد لها أن تعاقب بتمثال كلفته خمسون مليون ليرة سورية، هي التي قدمت دم أبنائها ثمنا لوطن حر!

المفارقة حقاً هي أن تتم إعادة ميت للحياة ولتقديسه تمثالا صنما، بينما آلاف العائلات تُحرم من حقها في دفن أبنائها الذين لم يكن لهم من ذنب سوى أنهم أرادوا لعصر العبودية هذا أن ينتهي، وترسل لهم شهادات وفاة مزورة دون أن تحظى أم شهيد منهن بالبكاء على قبر ولدها!

المفارقة حقاً هي أن تتم إعادة ميت للحياة ولتقديسه تمثالا صنما، بينما آلاف العائلات تُحرم من حقها في دفن أبنائها

الكارثة هي أيضا أن تدمر ملايين المنازل ويهجر عشرات ملايين البشر، وأن يقتل تعذيبا حتى الموت مليون إنسان ويموت جوعا مواطنوها، بينما يفخر نظامها بتشييد تمثال لمن ساهم بكل هذا الدمار بقيمة تصل إلى عشرات الملايين!

يريد هذا النظام لنا أن نيأس وأن نفقد الأمل ونحن نرى حلمنا ببلاد حرة يتكسر، والأصنام تعود لتشيد من جديد، لكنه ينسى ما كتبته مي سكاف، مع حفظ الألقاب، ينسى أنها سوريا العظيمة، وينسى أننا شعب لا ينسى، وشعب يكرر الثورة ضده كل يوم، لأنه نظام عفن غير قابل للاستمرار ولو قتل السوريين جميعا، فهو لن يستطيع أبدا أن يقتل ذاكرتنا، وستبقى ساعة حمص وساحاتها تشهد بالاعتصامات، وسيبقى قادة أجهزته الأمنية في مكاتبهم المغلقة يرتعدون لصوت المظاهرات الصارخ منذ ٢٠١١ حرية حرية.

وإذا كانوا قد بنوا اليوم تمثالا، فهم يعلمون أن غالبية من يمر قربه يتمنى تحطيمه، وينتظر اللحظة المناسبة، ويكفيهم رعبا أنهم قد بنوا ما يخشون تحطيمه من قبل الناس كل لحظة.

لكن المشكلة أن كل الديكتاتوريات تكرر تاريخها ومسيرتها ونهاياتها، ولا تتعلم من دروس التاريخ وعبره، وهي تكرر بناء التماثيل التي حطمناها في دواخلنا وإلى الأبد.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار
انخفاض سعر صرف الليرة التركية أمام الدولار إلى 15.65
لماذا ترفض تركيا انضمام فنلندا والسويد إلى حلف الناتو؟
الأمن التركي يعتقل 16 شخصاً يشتبه بانتمائهم إلى "داعش" في إسطنبول
مرسوم العفو.. النظام يفرج عن 476 شخصاً من أصل 132 ألف معتقل
اعتقالات تطول المنتظرين تحت "جسر الرئيس" بدمشق
كم بلغ عدد المعتقلين المفرج عنهم من سجن صيدنايا بمرسوم "العفو"؟