التفكك أو الانضمام.. "تحرير الشام" تواصل حملتها على الجماعات الجهادية الأجنبية

تاريخ النشر: 29.06.2021 | 12:43 دمشق

آخر تحديث: 29.06.2021 | 17:11 دمشق

حلب - خالد الخطيب

لا مكان للسلفيين المستقلين ولا للجماعات الجهادية الصغيرة، هكذا يبدو العنوان المفترض للحملة الجديدة التي بدأتها "هيئة تحرير الشام" في إدلب مؤخراً، والتي تهدف على ما يبدو إلى ترسيخ هيمنتها ونفوذها وتحكمها بكامل مفاصل المشهد العسكري، كما أن الحملة المفترضة تأتي في سياق سلسلة من التحولات التي توفر لتحرير الشام استمرار نهجها البراغماتي واستمرار تدفق رسائلها إلى الخارج، والترويج لمشروعها "الإسلامي المحلي" الذي تزعم بأنه لن يشكل أي تهديد خارج الجغرافيا السورية.

خصوم الهيئة: تحرير الشام طلبت من "الشيشاني" مغادرة إدلب

قال الصحفي بلال عبد الكريم المقرب من التنظيمات السلفية في سوريا، إن تحرير الشام طلبت من زعيم تنظيم "جنود الشام" مسلم الشيشاني الانضمام إلى صفوفها أو مغادرة مناطق سيطرتها في إدلب خلال فترة زمنية محددة. وأضاف عبد الكريم في تسجيل مرئي نشره في 27 حزيران/يونيو عبر قناة OGN TV في موقع يوتيوب أن "مسلم الشيشاني رفض عرض تحرير الشام". المعلومات أكدتها أيضا أوساط السلفيين المناهضين لتحرير الشام في إدلب.

وفي حين لم يصدر عن هيئة تحرير الشام أي تصريح رسمي حول الموضوع، إلا أن أحد أعضاء مكتبها للعلاقات الإعلامية قال لناشطين إن "جنود الشام" متهم بالدلائل بتشكيل "خلايا أمنية وسرقات بينها خلايا نشطت في تلعادة وكفرتخاريم".

وأشار إلى أن "أجناد الشام ليس له فاعلية عسكرية كما يروج خصوم الهيئة".

وأكد في حديثه للناشطين أن مسلم الشيشاني لم يطلب منه مغادرة المنطقة رغم أنه يستطيع الدخول إلى تركيا.

ما هو تنظيم "جنود الشام"؟

أُسس تنظيم "جنود الشام" في العام 2012، وينحدر مقاتلوه من دول القوقاز التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي سابقاً، ووصلت أعداد مقاتلي التنظيم في أحسن حالاته إلى 300 مقاتل بقي منهم النصف على الأقل بعد موجة الانشقاقات التي عصفت بالتنظيم لصالح عمر الشيشاني الذي بايع تنظيم "الدولة" مع مجموعته، وفي العام 2014 كان لمقاتلي "جنود الشام" الدور الأبرز في "معركة الأنفال" في جبال الساحل بريف اللاذقية والتي تمكنت خلالها المعارضة من السيطرة المؤقتة على أهم معاقل قوات النظام في قمة المرصد 45 في جبل التركمان، وفي حين بعد بقيت المنطقة (جبلي التركمان والأكراد) في ريف اللاذقية الشمالي المعقل الرئيسي لجنود الشام وتنظيمات سلفية صغيرة أخرى، والتي كان لها جميعاً دور في إفشال العمليات البرية لقوات النظام وحلفائها في كبانة وغيرها من التلال والمرتفعات الحاكمة هناك.

 

عمر الشيشاني الذي بايع داعش والتحق به عدد من مقاتلي القوقاز التابعين لمسلم الشيشاني.jpeg
عمر الشيشاني الذي بايع داعش والتحق به عدد من مقاتلي القوقاز التابعين لمسلم الشيشاني

 

يتزعم مراد مارجوشفيلي "جنود الشام"، ويطلق عليه لقب (مسلم الشيشاني/أبو الوليد)، ولد في وادي بانكسي جورج شمال شرقي جورجيا أثناء حكم الاتحاد السوفييتي وتشكلت خبرته العسكرية في صفوف الجيش الأحمر في منغوليا، وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي عاد إلى الشيشان وانضم إلى كتيبة خطاب الشيشاني وعاصر خليفته "أبو الوليد الغامدي"، وبعد مسيرة طويلة من قتال الروس في الحرب الداغستانية توجه إلى سوريا في العام 2012 وأسس فيها تنظيمه الذي ما يزال مستمراً إلى الآن.

 

مسلم الشيشاني.jpg
مراد مارجوشفيلي "جنود الشام"، ويطلق عليه لقب (مسلم الشيشاني/أبو الوليد)

 

لماذا جنود الشام؟

أثارت مطالب "تحرير الشام" من مسلم الشيشاني جدلاً واسعاً في الأوساط السلفية المناهضة والموالية لها، واستطرد السلفيون في سرد الفرضيات التي تفسر استهداف تنظيم "جنود الشام" في هذا التوقيت، والمكاسب التي ستتحقق للهيئة في حال نجحت في تفكيك وطرد التنظيم أو ضمه إلى صفوفها، وربط فريق من السلفيين المناهضين للهيئة بين الحملة على تنظيم الشيشاني بالاتصال الذي جرى بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان، والروسي فلاديمير بوتين، قبل أيام قليلة والذي بحثا خلاله الملف السوري والتصعيد في محافظة إدلب، حيث أكد الجانبان بحسب ما ذكرت الرئاسة الروسية في بيان لها، على "الأهمية الكبيرة للعمل المشترك للعسكريين الروس والأتراك الهادف إلى منع تصعيد التوتر في إدلب، ومكافحة التشكيلات الإرهابية المتبقية في المنطقة"، وهو تلميح مباشر إلى أن الهيئة تنفذ مهمة مفترضة من خلال ضرب أكثر الجماعات الجهادية التي تسعى روسيا للقضاء عليها في إدلب.

زعيم تنسيقية الجهاد والمنشق السابق عن "تحرير الشام"، أبو العبد أشداء، قال في قناته على تلغرام "كل من في الساحة يعلم جهود مسلم الشيشاني وفصيله في المعارك والبطولات التي قدموها والانتصارات التي حققوها في صمت وسكينة بعيداً عن الإعلام، وأن كثيرا من الفتوحات والبطولات التي تبنتها فصائل كانت لمسلم الشيشاني ومجموعاته يد بيضاء فيها".

وأضاف: "إن تزامن هذه الخطوة مع التصعيد الروسي جنوب طريق الام فور ومع الإعلان الروسي قبل أيام عن خطوات جديدة في مكافحة الإرهاب في إدلب يؤكد استمرار سرطان الثورة في هدم حصون الأمة وتفكيك قدراتها الدفاعية والعمل المتدرج على التخلص من المهاجرين".

صالح الحموي المنشق عن الهيئة قال أيضاَ "ظننا أن تحرير الشام أداة فقط بيد الولايات المتحدة الأميركية لتفكيك حراس الدين لكنها تفاجأنا اليوم بتلبيتها طلبا روسيا بتوجيه إنذار إلى مقاتلي القوقاز بزعامة مسلم الشيشاني بتسليم سلاحهم لها ومغادرة إدلب".

عصام الخطيب العضو السابق في الهيئة قال أيضا "يهاجم الجولاني أنصار الإسلام الذين يضمون في صفوفهم مهاجرين إيرانيين ثم يطالب مسلم الشيشاني بتفكيك كتيبته التي تضم مهاجرين روسا، يبدو أن الجولاني لا يبيض صفحته عند أميركا فقط ولكن عند إيران وروسيا كذلك".

يلخص السلفيون المناهضون للهيئة أهداف الحملة على "جنود الشام" في عدة بنود، أهمها: تسليم جبال الساحل في ريف اللاذقية الشمالي للنظام، واستمرار سياسة التقرب من الغرب، والجديد محاولة إرضاء روسيا عبر التضييق على المقاتلين القوقازيين، والانتقام من الجماعات الجهادية الصغيرة بسبب رفضها الدائم الانضمام الى صفوف الهيئة، والتخوف من ردة فعل هذه الجماعات في حال تكاتفت فيما بينها ضد الهيئة.

فريق من السلفيين كان وسطاً في رأيه بين الموالين والمناهضين للهيئة، ودعوا مسلم الشيشاني للتعامل بعقلانية مع الواقع الميداني المستجد، وطالبوه بالاعتراف بحالة الضعف والخلل التنظيمي التي اجتاحت معظم الجماعات الجهادية الصغيرة في إدلب، أدهم عبد الرحمن قال في قناته على تلغرام "أعتقد أمام مسلم الشيشاني خيارات عديدة، الانضمام مثلاً إلى صفوف الجبهة الوطنية ففيها أحرار الشام، ما أعرفه أنه يوجد مهاجرون، وكذلك أمامه ربما الخروج إلى أفغانستان، والخروج إلى هناك ممكن ولي بعض الأصدقاء بالفعل خرج، ولو أني أظن أن مسلم لا يرغب بالخروج، وربما الأفضل له اللحاق بفصائل أكبر، هذه الرسالة الواضحة من الفصائل الأكبر منطقية في الوقت الراهن".

مصادر متطابقة قالت لموقع "تلفزيون سوريا" إن "تحرير الشام نجحت إلى حد كبير في إخضاع تنظيم أنصار الإسلام الذي بدأت حملتها به بداية شهر حزيران الجاري، وذلك بمساعدة عدد من الشخصيات السلفية الكردية الموالية للهيئة، من أبرزهم أبو صفية الكردي زعيم حركة مهاجري أهل سنة إيران، وهذا ما شجعها على مواصلة جهودها للقضاء على الجماعات السلفية الصغيرة، ولا أستبعد أن تستعين الهيئة في إخضاع جنود الشام بعدد من الشخصيات السلفية القوقازية المقربة منها في تنظيمي أجناد القوقاز وملحمة تاكتيكال".

وأضافت المصادر أن "المزاج العام في أوساط التنظيمات والجماعات السلفية المستقلة يميل إلى السلم مع تحرير الشام، فجميعها تعاني من مشكلات تمويل ومشكلات تنظيمية، وليس لديها القدرة على اتخاذ قرار المواجهة، لذا فمن المرجح أن ينصاع جنود الشام لأوامر زعيم الهيئة أبو محمد الجولاني، أو على الأقل رضوخها للعمل تحت مظلة الهيئة وبما يخدم مشروعها في إدلب، وسيأتي الدور لاحقاً على جماعات جهادية أخرى".

 

أجناد القوقاز.jpeg
أجناد القوقاز

 

عصا الطاعة

تتهم الهيئة السلفيين المناهضين لها بالاستثمار في كل حدث لضرب مشروعها في إدلب، حسابات مقربة من الهيئة في تلغرام لمحت إلى بعض تفاصيل المرحلة الجديدة من التحولات البراغماتية، الذهبي قال "كل أشكال الإدارة تتفق على عدم تضارب القرارات ووجوب خروجها من مكان واحد، إلا أصحاب الاستراتيجيات التي تعتمد على استغلال كل حدث للوصول إلى الهدف يريدون، عدة رؤوس وتضارب قرارات وجعل من يحمل الهم الأكبر كالمجموعات الصغيرة في أحقية المنافسة على الإدارة وهذا كله لا يقوله عاقل".

وأضاف "هناك جسد كبير على الجميع دعمه وعدم جعل الكيانات الصغيرة حملا عليه ولا سببا في تعطيله عن أهدافه التي يعلم الجميع نجاحها واستمرارها، هذا كله دون الخوض في التفاصيل التي لن تفيد وإظهار معرفة المتحدث بها وتعمقه فيها"، مشيراً إلى أن "الحالة الفصائلية انتهت منذ فترة طويلة وهذه المعارك تحتاج إلى كيانات متوحدة القرار والجسد، وصدقني أخلاق مسلم وشخصيته لن تسمح لأحدهم باستخدامه، وهذا ظني به".

يبدو أن حملة تحرير الشام لن تستثني الشخصيات السلفية المستقلة في إدلب، قد يأتي دورها لاحقاً بعد الانتهاء من الحملة على الجماعات المستقلة، وهذا توجه عبّر عنه الجهادي المقرب من الهيئة، أبو محمود الفلسطيني بقوله: "لم أقتنع يوما بشيء يقال له "مستقلين"، ولم أفهم ما هو مشروع المستقلين أو غايتهم، فهم مستقلون عن ماذا ولماذا، إن كان مشروعهم دعم الجهاد، فلا بد من العمل مع النسق العام، وإن كان لهم مشروع مستقل عن أهل الشام، فهم ليسوا مستقلين بل مشاريعهم ذاتية لا غير، مهما تم سترها بشعارات، فالشرع يأمر بالاجتماع والوحدة وليس بالاستقلالية"

أبو محمود الفلسطيني فند بشكل مفصل آليات الحملة على الجماعات الجهادية المستقلة ومبررات الحملة وأهدافها.

ومن أبرز المبررات: تحول مقار الجماعات المستقلة لوكر يتخفى فيه المطلوبون للجهاز الأمني وملاذاً أمناً للسراق وقطاع الطرق والمتشددين المطاردين، والمقصود هنا كما يبدو الملاحقون من التنظيمات المتشددة وعلى رأسها "حراس الدين" التابع للقاعدة.

وأضاف: "الجماعات الصغيرة أصبحت تستغل بطريقة غير سديدة، المقصود منها الإضرار بالساحة، وإدخال الساحة في تجاذبات لا جدوى منها، واستخدام هذه الجماعات لضرب المشروع الموجود وإسقاطه وإفشاله". ويوضح الفلسطيني بأن "القضاء على هذه الجماعات المستقلة له تأثير إيجابي على حالة التقدم والرقي التي تعيشها إدلب في الوقت الراهن، والإبقاء على حالة التشتت سيعرقل جهود تطوير المنطقة".

تريد تحرير الشام استنساخ تجربة طالبان أفغانستان من ناحية القضاء على المنافسين والتفرد في القرار ومنع أي تشكيلات أخرى من الظهور، حلم يبدو كبيراً وبعيد المنال في الوقت الحالي، لكنها قد بدأت للتو بالجماعات الصغيرة التي يسهل عليها تطويعها بأقل الخسائر.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار