التغيير من الأعلى.. حول الشرائح الاجتماعية الجديدة في سوريا

تاريخ النشر: 15.01.2022 | 06:11 دمشق

آخر تحديث: 15.01.2022 | 06:12 دمشق

أفرزت مرحلة الصراع في العقد الأخير، في سوريا، شرائح اجتماعية جديدة، يعود تكوّنها إلى سببين رئيسيّين هما: مدى السلطة الممنوحة لها، أو حصلت عليها، والدور الذي قامت به إبان الصراع في سوريا أولاً، والأموال التي تملكها، أو حصلت عليها بطريقة أو بأخرى ثانياً.

نجد في مناطق قسد مثلاً على مستوى المال: العاملين في قسد، والعاملين في المنظمات الدولية من جهة، والعاملين في النفط، وغير العاملين، وكذلك نجد المرتبطين بقسد أو المورّدين لها، وعدم المرتبطين بها بشكل مباشر. وعلى مستوى السلطة نجد ثنائية الكرد القنديليّين والكرد العاديين، وكذلك نجد ثنائية العرب والكرد العاديين. وفي مناطق النظام نجد شرائح الشبّيحة والعسكر والمخابرات والمرتبطين بهم وكبار المسؤولين والمهربين والسماسرة من جهة. وعامة الشعب الذي يتضور جوعاً وحاجة. وفي مناطق "الجيش الوطني" نجد كذلك شريحة العسكر والأشخاص المرتبطين بهم، وشريحة المواطنين العاديين سواء أكانوا مهجَّرين إليها، أو من أهلها الأصليين. والأمر عينه نجده كذلك في مناطق الجماعات السلفية، مهما حاولت أن تعطي نفسها مظاهر مدنية، وهو ما يدركه المواطنون الذين يعيشون في تلك المناطق ويعانون منه.

لو حاولنا أن نستذكر مرحلة داعش بما أنها صارت جزءاً من التاريخ السوري المعاصر، فإننا سنستذكر أنها قسَّمت المجتمع في مناطق سيطرتها إلى عدة شرائح، فالمنتسبون إلى صفوفها من السوريين حملوا اسم الأنصار وكانوا نحو 10 في المئة من سكان المناطق التي سيطر عليها، أما غير السوريين من العرب والأجانب فأشارت إليهم بـتسمية "المهاجرين" وهم نحو 1 في المئة. وأطلق على بقية أفراد المجتمع المسلمين نحو 90 في المئة ممن لم يبايعوها تسمية "عوام المسلمين" وهم يشكلون الشريحة الأكبر من المجتمع، ولم يدخر التنظيم وسيلة لحملهم على الانخراط في صفوف قواته، أو حثهم على السفر إلى بلاد أخرى/ بلاد الكفر والفسوق؛ ليتسنى له السيطرة على أملاكهم بسبب رحيلهم إلى تلك البلاد مثلما فعل مع سابقيهم. مرت تلك الشرائح بمراحل مختلفة خلال فترة حكمه حتى تبلورت في هذه الصيغة، أما أهل "الذمة" وفقاً للمصطلح الذي استعملته فإن لم ينخرطوا في القتال ضده، فغالباً يترك لهم الطريق مفتوحاً للهجرة.

حرصت وسائل الإعلام والجهات المستفيدة من داعش في العالم على المزاوجة بين داعش وعامة المسلمين هناك، في تلك الجغرافية التي تسيطر عليها داعش

وانعكس التهميش والإقصاء؛ الذي تقوم به طبقة المهاجرين بصفتها طبقة "مهيمِنة" على طبقة الأنصار بصفتها طبقة "مُهَيْمَن" عليها؛ على تصرفات الطبقة الأخيرة تجاه الطبقة الأضعف في المجتمع "عوام المسلمين" الذين لم يدركوا "خيرات" الدولة الإسلامية فلم يبايعوها، ولم يستطيعوا الفكاك من ماضيهم، أي إن الصراع ها هنا ليس بين طبقة قوية وطبقة ضعيفة فحسب، بل هو في أحد جوانبه صراع ولاء، إذ من المألوف في مثل هذه الظروف أن يصبح تخوف طبقة "عوام المسلمين" من الطبقة الأقوى أي "طبقة المهاجرين"، وبذلك يتمّ تقويض القوة المتحصلة عليها "طبقة الأنصار" بصفتهم أبناء المجتمع والخبراء على الأرض والأخبر بدهاليزه، ولئن كان "أهل مكة أدرى بشعابها"، إلا أنهم حين ذهبوا إلى "يثرب" ورغم مناصرة أهل "المدينة" لهم لم يمنعهم ذلك من التنبه إلى أن تبقى مفاصل القيادة الحربية بأيديهم!

حرصت وسائل الإعلام والجهات المستفيدة من داعش في العالم على المزاوجة بين داعش وعامة المسلمين هناك، في تلك الجغرافية التي تسيطر عليها داعش، لكون تلك الرؤية تصب في سياق عالمي تستفيد منه الأطراف الإقليمية والعالمية، ولحرص أولئك "العامة" على تأكيد أنهم مختلفون مع داعش، وأنه لو أتيحت لهم فرصة التسليح الذي يمكنهم من طرد ذلك الاحتلال الداعشي سيقومون به بكل ما يستطيعون، غير أن داعش، من جهتها، لا يزعجها مثل ذلك الربط ما دامت كثرة العدد المحسوب عليها أرهب للعدو/الآخر، الذي جعل طبقة المهاجرين تتوجه إلى عامة المسلمين هناك لإقناعهم بضرورة مبايعتهم لها، لأنه لا حل أمامهم سوى ذلك، بخطاب مفاده: إذا كانت عدوتنا أميركا تقول إن محاربتنا تحتاج إلى 30 عاماً وفقاً لتصريحات سابقة فماذا نقول نحن الذين نمتلك العقيدة والقدرة والإرادة والهدف؟ في المآل، لم تعتمد الجهات الدولية لاحقاً على أولئك "العامة" بل استجلبت لهم قسد، فدفعوا الثمن لأن معظم المهاجرين والأنصار رحلوا، أو استعادتهم مخابرات الدول التي وظفتهم عبر إنزالات جوية دولية أو سوى ذلك، وهكذا كان أولئك العامة/المواطنون السوريون قد دفعوا ثمناً مضاعفاً في مرحلة داعش وفي مرحلة قسد.

تبدأ العلاقات عادة بين هذه الطبقات/الشرائح، بعد مرحلة توقف النزاع، بالتآكل، وتكثر مناطق صدامها الحدودية فيما بينها، مما يجعل ممثليها يحاولون إطالة أمد الصراع كي لا يصطدموا ببعضهم، خاصة أنها عاشت وترعرعت في ظل غياب مفهوم الدولة، وتآكل المجتمع المدني، وعدم احترام القانون، وتشظي القيم التقليدية والنظام القضائي، ونشوب أزمات إنسانية خطيرة من مثل: عدم وجود كميات كافية من الغذاء، والخدمات الصحية، والمياه والتعليم والمدارس، والبنية التحتية والتدفئة والسكن.

يتبدى فرق أساسي في التعاطي مع الشرائح الاجتماعية في المجتمعات الأخرى والمجتمع الذي قادته الجماعات السلفية، هو من خلال إفساح تلك السلطات نافذة صغيرة أو كبيرة لتعبير المتضررين من خلال الإضرابات أو المظاهرات أو الاحتجاجات، أو السوشال ميديا وهو ما لا تقبل به الجماعات السلفية، وهذا يذكرنا بالقانون السائد في المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري، حيث استعمل لفترة طويلة مصطلح "إضعاف الشعور القومي والإقلال من هيبة الدولة" الذي يمكن جرّ أي مواطن إليه في حال خرج عن التفكير داخل الصندوق!

لا يبدو أن تغير مفهوم الطبقة/ الشريحة الاجتماعية قد أحدث أثراً قوياً في معادلات القوي والضعيف سورياً وعالمياً، فبعد أن كان مالك الأراضي هو السيد / الإقطاعي، صار مالك المصانع، إلى أن ولدت طبقة رأسماليي "المعلومات والإنترنت والتقنيات الحديثة" فالضخّ الإعلامي أضاع الحقيقة وشوَّش الرؤية، بحسب تعبير جويل رونيه في كتابه ثورة البروليتاريا".

إنَّ إطالة تغييب مفهوم الدولة في سوريا، وفي الوقت نفسه ترسيخ مفهوم الميليشيا/ الحزب/ الشبيحة سيقود إلى مزيد من نموّ العنف المعمَّق، وترسيخ مفاهيم أراضي النفي

على المستوى السوري، أصبح لدينا طبقة مالكي الحقيقة والسلطة، المؤتمنين عليها، و"مالكي المال" طبعاً (الشبيحة والقنديليين وقادة الفصائل والأخوة والمهاجرون) وطبقة "المواطنين العاديين، والمنفِّذين أو الخدم أو العامة"، تلك شرائح لم يفرزها المجتمع عبر تحولات وتغيرات عادية، بل منتجات مرحلة النزاع وما بعدها، وبالتالي فإنَّ هذه الشرائح قد تعلمت من تجربة داعش، ومآلها، لذلك فإن أحد أبسط الحلول هو قذف الكرة إلى الأمام، من خلال إطالة أمد الصراع، من هنا فإنها تقوم بتفجير هنا أو هناك أو تهدد بوجود داعش أو سوى ذلك، لأن فرصتها الأهم بحياة أطول تكمن عبر الخراب والتفجير والتدمير.

إنَّ إطالة تغييب مفهوم الدولة في سوريا، وفي الوقت نفسه ترسيخ مفهوم الميليشيا/ الحزب/ الشبيحة سيقود إلى مزيد من نموّ العنف المعمَّق، وترسيخ مفاهيم أراضي النفي، وأن لا يغدو الوضع في سوريا "احتلالاً لأرض، من جهة، واستقلالاً لأشخاص من جهة أخرى. بل ستصبح البلاد بكاملها، تاريخها، نبضها، هي موضع الصراع، ومعرضة للتشويه، على أمل تدميرها النهائي" بحسب تعبير فانون في ظل تجربته الفرنسية الجزائرية.

وهناك معطيات كثيرة تشير إلى حدوث ذلك، سوريّاً، مما يقود إلى ضرورة إعادة النظر بفكرة (نرجع ولا ما نرجع) إلى أين سنرجع؟ وقد قطعت حِبال العودة، وبنيت ذكريات من فراغ، ذلك أن الجغرافيا غدت، مثل التاريخ، متحولة الدلالات، ولم تعد تلك الجغرافيا التي نحنُّ إليها نحن المنفيين السوريين موجودة إلا في أذهاننا، وربما استذكار التجربة العراقية الماثلة أمام أعيننا في هذا السياق مفيدة، في ظل الشروخ التي تتكشف يومياً في بنية المجتمع السوري وتشظياته. فهل لدينا القدرة على بناء جغرافيا جديدة فيما بيننا عابرة للحدود التقليدية، نبني عليها تاريخاً مشتركاً من حلم ووجع وأمل وذكريات وتشظيات!