كشفت مصادر مطلعة في منطقة جبل الزاوية بريف إدلب الجنوبي لموقع تلفزيون سوريا أن الظروف المناخية القاسية تسببت في تراجع حاد في إنتاج بساتين الكرز، إذ لم تتجاوز الكميات المحصودة هذا العام 20% مقارنة بالمواسم السابقة. وقد أدى هذا الانخفاض إلى ارتفاع كبير في الأسعار، فقد بلغ سعر الكيلو الواحد 70 ألف ليرة سورية، ما أثّر على استهلاك العائلات التي اعتادت إدخال الكرز ضمن مؤنتها السنوية.
وأوضحت المصادر، اليوم السبت، أن زراعة الكرز في إدلب تواجه عدة تحديات، أبرزها موجات النزوح التي دفعت كثيراً من المزارعين إلى إهمال بساتينهم خلال سنوات القصف بين عامي 2019 و2024، إلى جانب أعمال القطع والتخريب التي طالت مساحات واسعة. أما في الموسم الحالي، فكان التأثير الأكبر للعوامل المناخية التي أضعفت الإنتاج وأثرت سلباً في حالة الأشجار.
تبلغ مساحة الأراضي المزروعة بأشجار الكرز في محافظة إدلب نحو 160 هكتاراً، وتتركز هذه الزراعة في منطقتي أريحا وجبل الزاوية، حيث تُعدّ المصدر الثاني لدخل المزارعين بعد الزيتون. وتحتاج أشجار الكرز إلى ظروف جوية خاصة، ويفضّل نموها في المناطق المرتفعة ذات الطقس البارد، وهو ما يتوفر في بلدات مثل عين لاروز وجوزف وأرنبة، المعروفة بإنتاجها الوفير من الكرز.
يقول محمود مصطفى، وهو مالك بستان في جبل الزاوية، لموقع تلفزيون سوريا إن انخفاض الإنتاج هذا العام لم يكن نتيجة للمناخ فقط، بل بسبب تراكم مشكلات مستمرة، منها الظروف الأمنية وغياب الدعم الزراعي وموجات الصقيع، ونقص الأمطار وتراجع عدد الأيام الباردة شتاءً، وهي ضرورية لتثمير أشجار الكرز.
كما أشار إلى تفشي آفات زراعية مثل حفّار الساق وارتفاع تكاليف الزراعة من أسمدة ومبيدات ومحروقات وأجور يد عاملة.
ورغم ارتفاع الأسعار، أكد مصطفى أن المزارعين تكبدوا خسائر كبيرة هذا العام، إذ إن الكميات المنتجة لا تغطي تكاليف الإنتاج. وطالب بتقديم دعم مباشر يشمل الأسمدة والمبيدات والمحروقات، إضافة إلى تحسين آليات التسويق والنقل والتخزين، وتوفير الدعم الفني والإرشادي.
مورد أساسي
ولا يُعد موسم قطاف الكرز في أريحا وجبل الزاوية مناسبة عادية للمزارعين، بل يمثل لهم مورداً أساسياً للدخل ومصدر رزق لعائلاتهم. تقع أريحا بين جبل الأربعين من الغرب وجبل الزاوية من الجنوب، وتشتهر بتربتها الخصبة ومناخها المعتدل، ما جعلها مركزاً تاريخياً لإنتاج الكرز، حتى صار يُطلق على المنطقة لقب "جبل الكرز".
وخلال جولة لفريق تلفزيون سوريا في المنطقة، لوحظ تراجع الإنتاج بوضوح. ففي بعض البساتين التي تضم أكثر من 80 شجرة، لم يتجاوز المحصول 100 كيلوغرام، في حين في بساتين أقل تضرراً، بلغ إنتاج الشجرة نحو 5 كيلوغرامات فقط، مقارنة بإنتاج مضاعف في المواسم السابقة. ووصل سعر الكيلو الواحد من الكرز في بداية الموسم إلى نحو 6 دولارات، ثم تراجع إلى 3 دولارات، وهو رقم لا يزال مرتفعاً بالنسبة لغالبية السكان.
يقول محمد المرعي، وهو مزارع في بلدة أرنبة بجبل الزاوية، إن موجات الصقيع التي تزامنت مع تفتح أزهار الكرز تسببت بأضرار كبيرة، مضيفاً: "بين عامي 2011 و2016 كانت مواسم الكرز مزدهرة، وفي إحدى السنوات بلغ إنتاج بستاني 12 طناً. أما هذا العام، فلا أتوقع أن يتجاوز 500 كيلوغرام، وهي كمية لا تغطي أجور العمال".
أما في قرية بزابور، المعروفة بإنتاجها من الكرز، فيقف المزارع علي العاصي أمام أشجار بستانه التي خذلته هذا العام. وقال لموقعنا: "رغم كل الجهود والخدمة الزراعية، لم أحقق ما كنت أتوقعه (..) البرد ضرب الزهر والإنتاج تراجع كثيراً في الماضي، كانت كل شجرة تنتج نحو 60 كيلوغرام، أما الآن، فإنتاج أربع شجرات لا يملأ صندوقاً واحداً".
من جهته، يرى محمد الأشقر من بلدة سرجة، وهو مزارع متخصص في الكرز، أن هذه الزراعة تتطلب شتاءً بارداً لا يقل عن 600 ساعة من البرد للقضاء على آفات التربة. وأضاف: "بسبب التغيرات المناخية، لم تعد زراعة الكرز مجدية اقتصادياً، ولذلك بدأ بعض المزارعين بالتفكير في زراعات بديلة مثل التين، نظراً لتحمّله الحرارة والجفاف ومردوده الأفضل".
أصناف أكثر تحمّلاً
وخلال الجولة، لاحظ الفريق انتشاراً متزايداً لأشجار "كرز الوشنة" و"المحلب"، وهما صنفان تقليديان في المنطقة الجبلية. كرز الوشنة يُستخدم في صناعة المربى، وهو أكثر تحملاً للجفاف والحرارة، أما المحلب، فيُعد من الكرزيات ذات القيمة الاقتصادية العالية رغم انخفاض إنتاجه، وتُستخدم نواته المجففة في الصناعات الدوائية والعطور والحلويات الشرقية، ما جعله خياراً مفضلاً لدى المزارعين في ظل الظروف الحالية.
قال مصطفى حجاري من بلدة مرعيان إن سعر طن المحلب بلغ نحو 1300 دولار، وهو ما يجعله محصولاً مربحاً رغم صعوبة العناية به. أما كرز الوشنة، فيُستخدم في الصناعات الغذائية بسبب نكهته الحامضة القوية، وله مستقبل واعد في حال توفرت قنوات للتصنيع أو التصدير. وأكد المزارع علي العاصي أهمية هذا الصنف لصناعة المربيات، قائلاً: "نكهته مميزة وتعطي طعماً غنياً لا يضاهيه أي صنف آخر".
تراجع الزراعة في عهد النظام المخلوع
يُعتبر القطاع الزراعي في سوريا أحد الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني، إذ يوفر فرص عمل لشريحة كبيرة من السكان، خاصة في المناطق الريفية. ويعتمد الإنتاج الزراعي في سوريا على الزراعة المروية والبعلية، ويشمل محاصيل رئيسة مثل القمح والشعير والقطن، لكنه تعرض لأضرار كبيرة خلال السنوات الماضية، بما في ذلك نقص الموارد وتراجع الإنتاج.
ولم يحرك النظام المخلوع ساكناً تجاه الأزمات المتتالية التي أضرت بالقطاع الزراعي، بل كانت سياساته القمعية سبباً في تفاقم المشكلات الاقتصادية. كما تغيب الكهرباء عن معظم مناطق سيطرته، وسط غلاء المحروقات وعدم توافرها، مما دفع المزارعين إلى اللجوء إلى حلول بدائية مثل استخدام الحمير والبغال للتنقل وحراثة الأرض.

