كم من عمل أو فرصة مرت معنا في الحياة ثم طارت من بين أيدينا؛ لأننا لم نتبع قاعدة (واستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان) إذ نجد أن أقرب الناس إلينا قد عمل على إفشال ما كنا ننوي القيام به، أو أن يأخذها هو ذاته، أو يُدْخِل أطرافاً أخرى...أو يحسدنا..
إذاً؛ لم نلتزم بوصية الوالدين في الكتمان والسرية والخوف من الحاسدين! وهاهنا يأتي التفسير التخفيفي لمعالجة الجرح "قدّر الله وما شاء فعل" "نصيبك حيصيبك حتى لو كان في فم الطير"!
يبدو أن بقاء مثل هذه القاعدة في إدارة شؤون الفرد لم تعد ممكنة في زمان الإنترنت والديمقراطية الشفافة وتكافؤ الفرص ووسائل التواصل الاجتماعي.
التعمية الإيجابية والتمويه أحد أدوات إدارة الدولة، وفق المفهوم الستاليني، وهنا من المهم أن نفرق بين مرحلتين ومجالين: الدولة في مرحلة استعادة حقوقها أو إعادة الاستقرار أو التغلب على بقايا حكم استبدادي، بخاصة في الجانب العسكري حيث يبدو أن التمويه والتعمية ضروريان وجزء من خطة العمل.
أما في المرحلة الأخرى فقد تؤدي التعمية مفعولاً عكسياً، تجاه الجماهير وتقود إلى فقدان الثقة بين السلطة وجمهورها.
يفرق الباحثون بين نوعين من التعمية وفقاً لنتائجها هما: التعمية الإيجابية والتعمية السلبية، وقد تتمثل التعمية الإيجابية باستعمال مفردات مخففة للتعبير عن أزمات محددة اقتصادية أو سياسية بهدف عدم إثارة هلع الجماهير، وكذلك تقديم وعود بإطار زماني مفتوح كجزء من الإبقاء على هيبة الدولة وإعطاء إشارات بأن الأمور تحت السيطرة.
في المشهد السورية المرتبك صار من السهل على السوريين مقارنة بلدهم الخارج من مرحلة نزاع طويلة تشبيهه بألمانيا أو فرنسا أو هولندا... لماذا لا نصبح مثلهم؟ هناك حتى المراسلات بين الوزراء والبرلمان تنشر عبر الإنترنت؟ نحن لسنا أقل منهم! حقاً لماذا لا نصبح مثلهم؟
شعور السوريين أن بلدهم ليس أقل من تلك البلدان شعور إيجابي، ينم عن مشاعر فياضة ورغبة بأن تصبح بلدهم مثلها مثل البلدان الأخرى، خاصة أن كثيرين منهم قد عاشوا في تلك البلدان ووجدوا أن الطاقة السورية البشرية لا ينقصها شيء، ما تحتاجه سورية اليوم بنية تحتية كافية، وإرادة دولية إيجابية، وقائد ملهم يضع نصب عينيه بناء الدولة لتكون جزءاً من العالم!
ما فات كثير من السوريين أن بين تلك البلدان وما وصلت إليه والحرب العالمية الثانية ثمانون عاماً فقط!
فهل يصح مقارنة بلد خارج من مرحلة نزاع مع بلاد هي في رأس القائمة عالمياً من حيث التنمية وجودة الحياة؟
المطالبة بالشفافية والابتعاد عن التعمية مطالبة محقة وقد لا نصل إليها بين يوم وليلة بل نحتاج وقتأ طويلاً، وقد تحمل في طياتها شيئاً من عدم الثقة، بين الدولة والمواطن، قد نتفهم جوانب عدة منها من قبل مجموعات سورية جاءت من عالم عسكري يتعمد جوهر نجاحها وانتصاراتها على السرية والكتمان والتعمية، إلا أن الخشية كبيرة أن يصبح ذلك منهج إدارة دولة فنفقد كثيراً من عناصر الشفافية بوجود التعمية.
لا يمكن أن تكون التعمية الإيجابية منهج دولة دائم، بل قد تكون حالة مرحلية تفرضها ظروف محددة، وربما كانت ملائمة لمراحل تاريخية ماضوية في مرحلة ما قبل مفهوم الدولة المعاصرة (الإمبراطورية مثلاً)، وارتبط وجودها بعد تشكل مفهوم الدولة بالأنظمة الشمولية حيث كانت تهدف التغطية على الانهيار والقمع.
لم تتخل الدولة المعاصرة عن التعمية الإيجابية غير أن مفهومها قد تحول من إخفاء المعلومة أو تجميلها والمبالغة فيها إلى القوة الناعمة والعلاقات العامة، أي من المنع إلى التجميل الذي يغطي على الخوف أو اليأس.
يعد منتقدون للسلطة الجديدة في سوريا أن الاهتمام بالمؤثرين و التيكتوكرز هو نوع من التعمية الإيجابية الجديدة في سوريا الجديدة، كون وجودهم يعطي صورة إيجابية عن أوضاع البلد بخاصة أن متابعي أولئك النجوم يهمهم إظهار الإيجابيات في سوريا مما يدخل في عالم الاستهلاك: المطاعم والملاهي وسواها. وربما استعاضت الدولة بهم عن الفنانين والمثقفين كجزء من الهوية الجديدة لسوريا، خاصة أن كلفتهم أقل على الدولة: فندق وتنقل ودعم لوجستي في التنقل والتصوير، وأثرهم أكبر في الجماهير، ولا يوجعون الرأس بأفكارهم أو انتقاداتهم إذا ما قارناهم بمعشر المثقفين مثلاً.
أكثر ما يتحدث عنه السوريون اليوم في إطار الحديث عن التعمية (بغض النظر عن كونها إيجابية أو سلبية) جوانب عدة يعتقدون أن التعمية ضارة بها:
- إدارة الملف الاقتصادي
- العدالة الانتقالية
- توزيع المناصب
- كيفية إدارة الأمن العام
- المفاوضات مع إسرائيل
- محاسبة المجرمين ومرتكبي الانتهاكات.
وفي إطار التأويل والشرح والتفسير يستحضر السوريون الحديث عن صفقات وتفكير فصائلي وأسرار لا يلائم بناء الدولة بل يتحدثون عن تمويه إعلامي واستراتيجي وخطابي وقانوني بهدف كسب الوقت أو التهدئة وبالتالي الحفاظ على صورة الدولة كما تريدها السلطة الحالية.
المنظمات الدولية وكثير من الدول تربط دعمها للدول في مراحل ما بعد النزاع بالشفافية والحوكمة، ويعتقدون أن استعمال اللثام للأفراد واللثام في المناقصات يضر بالثقة في البلد ويؤخر الانفتاح.
الدول الناشئة التي اعتادت على الاعتماد على الثقة بدلاً من المسابقة، والالتزام الأخلاقي والحلال والحرام بدلاً من وضوح شروط المناقصات والمزايدات وتفاصيلها ستتعذب كثيراً حتى تصل إلى مفاهيم الشفافية والقوننة وبالتالي تجاوز مرحلة التأسيس والتمكين نحو المأسسة والحوكمة والفرص المتكافئة للجميع بدلاً من الاعتماد على من نعرفه! وهذا لا يتوقف على الصفقات الصغيرة بل على منهج الدولة عامة!
التعمية الإيجابية والتمويه والسرية واللثامية لا يمكن أن تبني دولة ذات استدامة، ولئن قبل بها السوريون فترة قصيرة من الزمن فذلك بحكم كونها مرحلة جسرية بين زمنين، من هنا فإن الوضع السوري على مستوى المفاوضات مع إسرائيل أو الاستثمار أو استراتيجيات بناء الدولة يتطلب المزيد من الوضوح كي نبني مزيداً من الثقة بين المواطن السوري والسلطة التي تدير البلد وآآآآه يا بلد كم عذبتنا وكم نحبك وكم نريدك أن تركض إلى الأمام لنركض خلفك أو معك أو قبلك!
الثورة السورية واللغة؟ ما الذي تغير وما الذي بقي؟
كيف يستعيد السوريون العمل السياسي الفاعل بعيداً عن البروبوغاندا السياسية؟
عملية ردع اليأس السوري
اتحاد الكتاب العرب في سوريا هل هو نقابة أم مؤسسة ثقافية؟
سوريا الجديدة والحاجة إلى التفكير خارج الصندوق