التعفيش يطول الذاكرة.. المدرسة القليجية في دمشق تصبح مطعماً

تاريخ النشر: 11.05.2021 | 06:57 دمشق

تقع المدرسة القليجية الحنفية داخل أسوار مدينة دمشق القديمة، خلف قصر العظم مباشرة وإلى الجنوب الشرقي منه، في الحارة الموصِّلة من سوق البزورية إلى جادة معاوية الصغير، والواقعة بين القصر وبين حمام نور الدين الشهيد، وتقابلها إلى اليمين قليلاً المدرسة الكاملية، وبما أنها داخل سور دمشق التاريخي، فهي ضمن ما يعرف بمنطقة دمشق القديمة، وقد أدرجتها اليونيسكو ضمن مواقع التراث العالمي.

كانت المدرسة في الأصل داراً، يسكنها الأمير سيف الدين علي بن تميم قليج النوري المعروف بـ "الناصري"، وهو أحد أكبر أمراء السلطان نور الدين محمود زنكي الملقب بـ "الشهيد"، وأوصى الأمير بأن توقف داره (تصبح ملكاً للوقف الإسلامي)، وتُحَوّلْ إلى مدرسة بعد وفاته، وأن يُخصصَ له مدفن فيها، وعندما توفي سنة 643 للهجرة الموافق 1253 للميلاد، دفن فيها، ثم بوشر بعمارة المدرسة سنة 645 للهجرة الموافق 1247 للميلاد، أي بعد وفاته بسنتين، وتم إنجازها سنة 651 للهجرة الموافق 1253 للميلاد.

هناك كتب كثيرة، ومراجع أثرية وتاريخية تتحدث عن المدرسة، وعن تفاصيل بنائها، وتاريخها، ولعل من أهم الوثائق المتعلّقة بالمدرسة، هو ما كتبه عنها المستشرقان الألمانيان / كارل واتزنغر، وكارل وولزينغر، (Carl Watzinger & Karl Wulzinger)  حيث استفاضا في كتابة  تفاصيل هذه المدرسة العظيمة، في كتابهما "الآثار الإسلامية في مدينة دمشق"، والذي كتباه أثناء المسح الميداني الشامل لأبنية دمشق الأثرية والإسلامية، وطُبع في ألمانيا 1924م، وقد ذكرا تفاصيل لرسوم البوابة، وقُبة الضريح، تحت عنوان: (تربة سيف الدين القليجية)، وذكرا وجود المدرسة بجوار هذه التربة، وقالا: إنّ هذا البناء لم يكن كما هو عليه الآن، أي أنّه كان مختلفاً عن وضعه الراهن حين المسح، إذ أشارا إلى وجود قبتين اثنتين، تفصل بينهما بوابة مجوّفة، بيد أنه لم يبق شيء من القبة الغربية، لكن إطار جدارها يدلٌّ على تشييد دارٍ

للسكن حديثة مكانها.

يبلغ عرض البوابة المجوفة نحو 3.36 أمتار، ولكن هناك بابان يخترقانها في الوقت الحاضر، وتتألف طاسة البوابة نفسها من أربعة حقول، كما هو الحال في بوابة المدرسة العادلية، لكن طاسة واجهة المدرسة القليجية منخفضة جداً، فهي محصورة بين قوسين مدببين، كما أنّها تأخذ هيئة الدوالي، يقع مدخل التربة الشرقية في الجانب الشرقي، كما أن الفتحة المواجهة للدهليز، مكوّنة من نافذة ذات شبك حديدي.

يقع حرم الجامع تحت سماء طليقة، وكان السقف بالأصل محمولاً على عمودين وقوس، ويتصل بالجامع من ناحية الشمال

أكّد المستشرقان الألمانيان أن التربة تضم ستة قبور، وأنَّ طريقة الانتقال من المكعب إلى القبة غريبة، فمثلثات الزوايا تنتقل من المربع إلى الاثنى عشر ضلعاً، كما تنشأ من منتصف كل ضلع، ومن كل زاوية محاريب مدببة الأقواس، تُشكّل في مجموعها نجمة مؤلفة من 24 رأساً.

يقع حرم الجامع تحت سماء طليقة، وكان السقف بالأصل محمولاً على عمودين وقوس، ويتصل بالجامع من ناحية الشمال، مع شادروان مستطيل، وكان الجامع على اتصال مباشر بتربة القاضي جمال الدين المصري، لكنّه تحول الآن إلى دور سكنية.

يبدو أن المدرسة قد أُهملت، وتحوّل قسم منها إلى أماكن سكن، وكما أشار المصدر الألماني، فهناك تعديلات طرأت عليها، وفي قسم منها يوجد دار سكن تشغل (ربع مساحتها تقريبا) لعائلة دمشقية، بينما بقيت ثلاثة أرباع مساحتها ملكا للوقف الإسلامي.

بعد انفجار الثورة السورية في 2011م، كثّف الإيرانيون من عمليات استملاكهم لعقارات في مدينة دمشق القديمة، وفي مناطق أخرى كثيرة من دمشق وريفها، منطقة الست زينب، وطريق المطار، وداريا وغيرها، ورغم أن شراء العقارات في هذه المناطق بدأ قبل الثورة بزمن طويل، إلا أنه اتخذ بعدها وتيرة أسرع بكثير واختلفت أساليبه، إذ أضيف لإغراء المال، والضغوط الخفيفة والمتمثلة بتعقيدات إدارية ترغم المالك على البيع قبل الثورة، التهديد المباشر والمعلن والخطف والسجن وغير ذلك، خصوصاً وأن الحرس الثوري شكّل مع ضباط سوريين متنفذين القيادة الفعلية لسوريا بعد 2011م.

منذ سنة تقريباً، أصبحت المدرسة القليجية بكاملها ملكاً لضابط سوري متنفذ، يحمل رتبة لواء اسمه "بسام الحسن"، فمن هو بسام الحسن؟

يحدث دائماً التباس لدى السوريين بين ضابطين يحملان الاسم والرتبة نفسهما، وكلاهما من محافظة حمص، ويعملان في القصر الجمهوري، هما: (بسام أحمد الحسن، وبسام مرهج الحسن).

إثر اغتيال العميد "محمد سليمان" مدير المكتب الأمني والعسكري في القصر الجمهوري، والمستشار العسكري الإستراتيجي الخاص ببشار الأسد عام 2008م؛ تم تعيين اللواء "بسام أحمد الحسن" بدلاً عنه، واستلم كامل المهام التي كان منوطة به، وأهم هذه المهام هي العلاقة مع إيران وحزب الله.

إذاً من امتلك المدرسة القليجية، هو الضابط الأكثر نفوذاً وسلطة اللواء "بسام أحمد الحسن" والمعروف بـ"الخال" أو "أبو عمار".

بعد انفجار الثورة السورية في عام م2011م، أصبح "الخال" رجل إيران وحزب الله الأول في سوريا، وتمت إدارة معظم العمليات في سوريا من مقرّه في دمشق، وهو بناء يقع ضمن المنطقة الأمنية للقصر الجمهوري، ومن هذا المقر أدار "قاسم سليماني" و"مصطفى بدر الدين"، وغيرهم من رجالات إيران، وبمشاركة ضباط سوريين عمليات تدمير سوريا، وقتل شعبها وتهجيره، وعندما اقترح "قاسم سليماني" نقل تجربة الباسيج الإيرانية إلى سوريا، والبدء بتشكيل ميليشيا شبيهة بالحرس الثوري الإيراني، تم اختيار ابن أخت اللواء "بسام حسن" المدعو "صقر رستم"، والذي شكل بإشراف إيران وحزب الله، ما عرف باسم (كتائب الدفاع الوطني).

اليوم يتم العمل في المدرسة القليجية، لتصبح مطعماً وفندقاً سياحياً، تعود ملكيته لمن أجرم بحق سوريا والسوريين

لم يكن تنازل الأوقاف الإسلامية عن حصتها في المدرسة القليجية صعباً، فوزير الأوقاف "محمد عبد الستار السيد"، لن يُمانع في تقديم الجامع الأموي لو تطلب الأمر، لكن رجل أعمال دمشقياً يملك ربع العقار حاول أن يتمسك بحصته، فكانت رسالة "بسام الحسن" له، والتي نقلها ابن أخته "صقر رستم"، شديدة الوضوح والحسم:

(دير بالك ع أولادك).

 كانت كافية لكي يتحسس الرجل حجم الخطر المحدق به، وبعائلته فيما لو رفض، وهكذا تنازل مكرهاً عن حصته، ليصبح كامل العقار ملكاً "للخال" بسام الحسن، بطل تدمير سوريا مع صديقه الحميم جداً "قاسم سليماني".

اليوم يتم العمل في المدرسة القليجية، لتصبح مطعماً وفندقاً سياحياً، تعود ملكيته لمن أجرم بحق سوريا والسوريين.

من يحكمون سوريا لا يقيمون أي وزن للتاريخ، ولا لمعنى الدولة، ولا لذاكرة وإرث الشعب السوري، إنهم مجرد عصابة تتقاسم نهب سوريا، فيأخذ الكبار ثرواتها ونفطها وآثارها، ويتركون للصغار تعفيش بيوت السوريين ونهبهم، وإذلالهم.

ملاحظة: المعلومات التاريخية مأخوذة من بحث عن المدرسة القليجية للباحث عماد الأرمشي.