التعزية الصعبة!

تاريخ النشر: 21.05.2018 | 00:05 دمشق

 كانت جلستنا قد شارفت على نهايتها. وكنا نتمطى، صديقي وأنا، تحت شمس أحد أيام أيار 2013، في مقهى «الكمال» الدمشقي، عندما انضم إلينا شاب مرح. طويل مع امتلاء محبب، يميل وجهه إلى البياض بلحية لطيفة. قدّمه صديقي باسمه الأول «أسامة»، ثم بدأ بينهما الحديث الذي فهمت منه أن ضيفنا يحاول الحصول على جواز سفر ومغادرة البلاد، لأنه مطلوب لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية، وبدا واضحاً أنه لا يريد الانخراط في المعارك الدموية الدائرة.

وفهمت أن الأمل في السفر النظامي ضعيف، رغم تجريب أكثر من طريقة لتجاوز العقبات الرسمية الصارمة والتحايل عليها، فتدخلت دون استئذان، ناصحاً الشاب بالسفر إلى المناطق المحرّرة والعبور إلى تركيا. كان الأمر يسيراً وقتها، وكنا مبتهجين بالقدر الذي أتيح من حرية الفوضى. لم يستجب الشاب لحماسي عندما عرضت عليه السفر إلى حلب والعبور بين شقّيها إلى بستان القصر وأحيائها الشرقية، ثم السفر إلى الرقة، وصولاً إلى بوابة تل أبيض الحدودية التي كان يمكن اجتيازها بسهولة وقتها. فكر قليلاً ثم قال وهو يبتسم: «بتضمن ما يدبحوني بالرقة؟»، فأجبت مندهشاً: «وليش ليدبحوك يا زلمة؟!!».

تبادل الرجلان النظرات وانتظرا كي أستوعب. كنت قد نسيت مجموعة أشياء في الحقيقة! فقد غاب عن بالي أن صديقي علوي، كما غفلت عن أنه يكنى «أبو أسامة»! لكن ذلك لم يكن دون مبرر تماماً، فقد كان يتعامل مع الجميع دون حساسيات طائفية أو قومية، كما كانت روحه الشابة قد دفعتنا دوماً إلى مناداته باسمه الأول، رغم فارق العمر، ناسين أن له ابناً صار في عمر الرجولة، كنا نسمع من أبيه أنه عاد إلى البلاد منذ سنوات بعد أن أتم دراسته في الإخراج المسرحي.

كانت المعلومتان؛ أن الشاب الجميل الذي يجالسنا ابن صديقي، وأنه علوي، بالتالي، دافعاً أكبر بالنسبة إليّ. ولعل النقطة الثانية أهم من الأولى. ففي أيام الانشقاق والتهريب تلك كان حماسنا، نحن أبناء الثورة، لتأمين أي علوي يفوق ما نبديه للسنّي. وذلك لنثبت لأنفسنا، أولاً، أن نار الطائفية المتصاعدة لم تصب عقولنا وقلوبنا. وفي ذلك الوقت أيضاً بدا المنشقون العلويون القلائل «كضيوف شرف» في الثورة، يحظى موقفهم بتقدير كبير، بعد أن يئسنا من استمالة شريحة وازنة من الطائفة. ومن جهة أخرى كنا نشعر أنها فرصة قليلة التكرار للعلويّ الذي يتطلب منه الأمر ثقة كبيرة كي يبوح برغبته تلك، فيما يستطيع السنّي العثور، بسهولة، على من يساعده بين الأقارب أو الأصدقاء أو حتى الزملاء.

وبما أن الفوضى المحدودة والمفيدة وقتها كانت قد وصلت إلى حد تزوير الثبوتيات، قبل أن يصبح هذا الأمر جائحة وطنية عامة في السنوات التالية، فقد عرضت على الشاب فكرة الحصول على بطاقة شخصية (هوية) وجواز سفر باسم آخر ومعطيات مناسبة، لا سيما أن لهجته كانت تتراوح بين الشامية والبيضاء، ومن السهل أن يخدع العناصر الواقفين على أي من الحواجز المتعددة.

تحمّس الشاب هنا، ووعدته أن أزوده بوسيلة تواصل مع من يمكن أن يساعده. وهذا ما حصل بعد مدة، عندما اتصلت به واستفسر مني عن التفاصيل ثم شكرني بتهذيب، دون أن يفصح عن خطته.

مرت خمس سنوات كاملة، بسرعة، ونسيت الأمر. حتى جاء صباح كسول آخر ليطالعني اسم الشاب على فيسبوك، مع صورة لا تشبه تلك التي عرفتها. كان بياض وجهه قد استحال إلى سمرة برونزية من أثر الشمس، وكانت اللحية الناعمة قد اختفت لصالح شعيرات قصيرة قاسية نابتة. كانت على رأسه خوذة، ويرتدي سترة واقيةً من الرصاص وبنطالاً عسكرياً. وكانت الصفحة الموالية تنعيه بوصفه «الشهيد البطل الملازم أول»!

استغرق الأمر بعض الوقت كي أبدأ بتجميع مشاهد الصورة. كان ابن صديقي مؤيداً للنظام منذ البداية، ولكنه لم يكن يريد أن يموت من أجله، وأجزم أنه لم يكن يريد أن يقتل أحداً. ويبدو أنه حاول، طوال سنة بعد لقائنا بالصدفة، أن يغادر إلى روسيا حيث درس. ولما أخفق في ذلك قاده مزيج من الملل والعبثية والإحباط والتسليم و«الوطنية» إلى الالتحاق بجيش النظام، أو أوقفه حاجز وساقه مرغماً. وفي غضون ذلك تزوج وأنجب طفلة جميلة لن تتذكر أباها ولكنها ستعتقد دوماً أننا قتلناه!!!

لن يتذكر محبّو أسامة... ابنته تالا وزوجته وأمه التي أكلنا من خبزها وملحها، إخوته الذين لاعبناهم صغاراً، أصدقاؤه العديدون، زملاؤه في المسرح المدرسي، والكثيرون غيرهم؛ لن يتذكروا أنه قاتل لسنوات لا بد أنه قتل فيها أحداً، فإن لم يحدث فبفعل الصدفة فقط. ولا سروره البالغ عندما أصبح مترجماً لأحد قادة العمليات الروس، وأصبح الباص الأخضر الدال على تهجير المناطق الثائرة أيقونته. وقد أبانت التسجيلات  التي سرّبت مؤخراً عن عمليات التفاوض الروسية، سواء في حيّ الوعر أم في ريف حمص الشمالي، عن مدى الغطرسة والإذلال اللذين ينقلهما هؤلاء المترجمون لأبناء بلدهم ببرود، وعلى الأرجح بتشفٍّ. بل سينسى جميع هؤلاء أنه قتل على يد داعش أصلاً، قرب تدمر، لا على يد قوى الثورة.وعلى كل حال... فليحتكر من شاء الرواية المميتة، أما أنا فلا أخلع صاحبي!

صديقي...

كتب الكثير من معارفنا المشتركين، وممن لا أعرف، يعزّونك في «الشهيد». وحيّتك صفحات موالية لأنك «قدّمت بكرك على مذبح الوطن». أنا أعلم أنك لم تقدّم أضحية على أي مذبح، ولا أعتقد أن أحداً يريد تغذية طاحونة اللحم هذه بولده...

اعذرني لأنني لم أشارك... لا أستطيع تعزيتك في «الملازم أول»... ولكني أعزيك، بقلب مفطور، في ذلك الطفل الذي تركته يحبو وغبت عنه أحد عشر عاماً وهو يعاني اليتم المفروض بينما كنت في سجون الأسد...