التعذيب حتى الموت بين الحلال والحرام

التعذيب حتى الموت بين الحلال والحرام

الصورة
31 كانون الثاني 2019

خالد المطلق

كاتب في الشؤون العسكرية والأمنية.

في هذه الظلمة الحالكة من تاريخ سوريا والشعب السوري يمكن أن نقول بأن الجرائم المرتكبة بحق السوريين على مختلف مشاربهم فاقت الوصف والذي كان مجرد خيال أصبح حقيقة، فرائحة الموت القادمة من سجون الطاغية لم تؤثر بمن خرج ليوقف هذا الموت!، بل ثبت من خلال ما جرى ويجري أن البعض يبدو أنهم لم يتعلموا من الدرس شيئا، ويمكن أن يكون أحد أهم أسباب هذا الفشل هو طبيعة العقل المتحكم في هؤلاء وخلفيته الإجرامية، وتعطشه للسلطة التي لم يحصل عليها، فما المانع من أن يمارس جزءا منها وهذا الجزء متوفر وبين يديه أدواته ليثبت أنه صاحب السلطة وقائد يحق له ما لا يحق لغيره، وبالتالي ليرضي طموحه وحلمه الذي طالما راوده بأن يكون هو الآمر الناهي القائد الأوحد.

وبشار وأبوه ليس أذكى منه أو أشطر منه!، ولِما لا وقد سُخرت له كل الإمكانيات ليمارس نفس الدور الذي مارسه الأسد الأب ومن بعده الابن، وهنا يجب أن نتذكر دائما وأبدا أبناءنا وإخوتنا وحرائرنا في سجون الطاغية من قضى منهم تحت التعذيب أو من بقي حتى الآن يذوق مرارة العذاب من فئة اعتبرت أن الشعب السوري هو عدوها، ويجب القضاء عليه أو تربيته ليعود إلى بيت الطاعة، ومن حيث المنطق لا أعتقد أن أحدًا يمكن أن يعتب على عدوه في كل ما يفعل، فهو بالنتيجة عدو ويحاول أن يكسب المعركة بأي طريقة، وإن كانت في ارتكاب

هذه الظاهرة الخطيرة التي رافقت ثورتنا منذ ظهور الفصائل الراديكالية ابتداء من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والنصرة وجيش الإسلام وأحرار الشام وفيلق الرحمن، وليس انتهاء بفيلق الشام

جرائم ضد الإنسانية وتصنف حسب القوانين الدولية بجرائم حرب، وهذا سمعنا عنه عبر التاريخ القديم والحديث في كثير من الحروب الأهلية لكننا لم نسمع يوما بأن أبناء شعب ثار ضد قياداته الظالمة مارسوا القتل والتنكيل والإرهاب المنظم ضد أهلهم وأبناء جلدهم الذين خرجوا معهم، وقدموا التضحيات في سبيل تحقيق أهدافهم النبيلة التي تخلصهم وشعبهم من الاستبداد.

وهذه الظاهرة الخطيرة التي رافقت ثورتنا منذ ظهور الفصائل الراديكالية ابتداء من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) والنصرة وجيش الإسلام وأحرار الشام وفيلق الرحمن، وليس انتهاء بفيلق الشام الذي يطرح ممثلوه السياسيون أنفسهم أمام العالم على أنهم يمثلون الإسلام المعتدل الذي يؤمن بالديموقراطية، وليس سرًا إن قُلنا بأن القيادة السياسية لفصيل فيلق الشام على رأس هرم الائتلاف المعارض، وهؤلاء هم من مثلوا الثورة السورية في كل جولات المفاوضات الذي من المفروض أن يكونوا حريصين على أبنائها وحقوقهم، لكن يبدو أن هؤلاء آخر همهم الشعب السوري ومصالحه فمن لا يحافظ على مصالح شعب مكلوم سهل جدًا عليه أن ينكل بأبناء هذا الشعب المسكين، والدليل على ذلك تفريطهم في حقوق الشعب السوري في كافة المفاوضات التي جرت وهذا ما أوصل ثورتنا وشعبنا إلى هذه الحالة المزرية، وهذا التقهقر المرعب الذي نعيشه الآن!!، فإذا كانت هذه هي ديموقراطيتهم فبئس تلك الديموقراطية ومن يحمل لواءها.

ولعل الملفت للنظر أن كثرة هذه الجرائم بحق أبناء شعبنا من قبل هؤلاء فاق الوصف والحوادث التي كشف عنها مؤخرًا ليس إلا جزءا يسيرًا من جرائم كثيرة طالما كانت تُنفذ تحت جُنح الظلام، ولا يسمع بها أحد وإذا حدث وتم كشفها صدفة يتم تعليق سببها أكثر الأحيان على شماعة العمالة للنظام أو أنها عمل فردي ويتم محاسبة مرتكب هذه الجريمة صوريا.

إن ما قامت به هذه الفصائل من تجاوزات تصل إلى مستوى جرائم الحرب بحق أهلنا وشباب ثورتنا يصب أولًا وأخيرًا في مصلحة الأسد وعصابته، وهذا يبدو ليس صدفًة عابرًة أو حادثًة فرديًة كما يدّعي البعض بل أسلوب ممنهج استخدمته كثير من الفصائل وعلى رأسها الفصائل التي تدعي الإسلام، وهذا ما أثبتته الأحداث إذا ما عدنا إلى بداية بروز هذه الظاهرة والتي كانت في بداية عام 2014 عندما بدأت داعش في ملاحقة عناصر الجيش الحر واعتقالهم والتنكيل بهم وقتلهم في عمليات إعدام جماعية، وتبع ذلك ما قام به جيش الإسلام في الريف الدمشقي، والذي نفذ نفس الطريقة والأسلوب وقام في ابتلاع فصائل الجيش الحر وقام بملاحقة واعتقال الكثير من قادته والناشطين الإعلاميين والسياسيين.

وسمعنا من خلال الكثير ممن أطلق سراحهم من سجون هذا الفصيل بأساليب وطرق تعذيب فاقت أساليب عصابات الأسد ومخابراته، بل تم إعدام البعض منهم بطرق وحشية أمام أهاليهم وفي الساحات العامة، واستمر هذا الأمر على المساحة الجغرافية للمناطق المحررة حتى تم تصفية وحل أغلب فصائل الجيش الحر، وحتى عند انضمام بعض عناصر الجيش الحر إلى هذه التنظيمات لم يشفع لهم هذا فاستُخدموا أدوات لا ثقة بهم ويتم معاملتهم وكأنهم غرباء كاستخدامهم في أعمال الرباط على الجبهات وبعض الأعمال البعيدة عن دائرة الأمن واتخاذ القرار في هذه الفصائل، وإن حدث وأخطأ أي من هؤلاء يكون العقاب شديدًا وقاسيًا وغير مبرر وبنفس الوقت من يقع بنفس هذه الأخطاء ممن يحملون فكر هذا الفصيل لا يتم محاسبتهم بنفس الطريقة والأسلوب ويمكن التغاضي عن أخطائهم وتبريرها وبالتالي لا يتم محاسبتهم أبدًا.

ومن هنا يتبادر إلى أذهان الكثير من الشعب السوري لماذا يقوم هؤلاء من يدعون أنهم مسلمون ومن المفروض أنهم حريصون على حماية الإسلام والمسلمين من هذه الجرائم، والتي ينهى عنها الإسلام ويحرم استخدامها حتى على أعداء المسلمين فكيف إذا استخدمت على المسلمين؟ وهذه إحدى المفارقات التي تدل وبشكل واضح بأن هذه الفصائل ومن يمثلها ليس لهم علاقة بالفكر الإسلامي والمسلمين وجل اهتمامهم

إن عدم وجود مؤسسات فاعلة في الثورة وعلى رأسها مؤسسة قضائية وأدوات تنفيذية لهذه المؤسسة هو من سمح ويسمح لهؤلاء في تجاوز كل الخطوط الحمر القانونية والأخلاقية وحتى الإنسانية

يتركز حول حصولهم على مكاسب دنيوية مادية لا علاقة لها بأي شريعة من شرائع الله  "وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا" (سورة الاسراء) (33).

هذا هو قرآننا وهذا هو ديننا الذي حرم قتل النفس بغير حق ولا اجتهاد في القرآن إلا عند من حرفوا كل شيء، ومن يحرف القرآن ويخرج عنه وينكل ويقتل أبناء شعبه يسهل عليه أن يبيع دم هذا الشعب في سوق البازارات السياسية.

إن عدم وجود مؤسسات فاعلة في الثورة وعلى رأسها مؤسسة قضائية وأدوات تنفيذية لهذه المؤسسة هو من سمح ويسمح لهؤلاء في تجاوز كل الخطوط الحمر القانونية والأخلاقية وحتى الإنسانية، وهذه ليست معضلة جديدة في الثورة بل رافقها معضلات كثيرة من بداية الثورة أهمها عدم وجود مؤسسة أمنية وعسكرية منظمة أدى ذلك إلى الكثير من الاختراقات الأمنية الأفقية والعامودية في أجسام الثورة، ولا ننسى الضياع المقصود لإعلام الثورة في ظل عدم وجود مؤسسة إعلامية موحدة للثورة تحترم نفسها وتعمل لصالح الثورة وتتبنى فكرها وتروجه بطرق حضارية، وهذا سبب في الكثير من الكوارث الإعلامية التي استفاد منها إعلام الأسد من خلال بثه كافة أنواع الدعاية والدعاية المضادة ولم يجد من يعالجها أو يرد عليها إلا من خلال بعض الجهود الفردية أو من بعض المؤسسات الإعلامية المحسوبة على الثورة.

ملخص القول إن الممارسات التي قام بها من يدعي أنه يمثل الثورة عسكريا وسياسيا يجب أن تُقابل بإجراءاتٍ حاسمةٍ على كافة المستويات، ويجب محاكمة القتلة في محاكم محايدة بعيدة عن قادتهم لنستطيع تحديد المسؤولية ومحاسبة الجناة، ولو أنني أعتبر أن القائد هو المسؤول الأول والأخير عن أي عمل يقع ضمن منطقة عمله سواء من قام بهذا العمل من داخل الفصيل أو من خارجه، وإذا لم يتم محاسبة هؤلاء وقادتهم السياسيين والعسكريين ستتطور الأمور إلى أخطر من ذلك يمكن أن تؤدي إلى نتائج كارثية في مجتمعنا من حيث الأخذ بالثأر والانتقام لهذه الضحية أو تلك. 

      

شارك برأيك