التطبيع العربي مع الأسد.. دوافعه ومآلاته

تاريخ النشر: 19.11.2021 | 04:07 دمشق

يتنامى الحديث في الأوساط السياسية المحلية والخارجية عن  خطوات متلاحقة للتطبيع العربي مع نظام الأسد، أو بتعبير أدق: إعادة العلاقات بطريقة تدريجية وصولاً إلى الحالة التي كانت قبل عام 2011، وذلك في سياق موجة إعلامية يحرص نظام الأسد ومؤيدوه على استثمارها وتوظيفها ضمن ما تبقى لهم من حاضنة في الداخل السوري قبل أي طرف آخر، ليؤكّد النظام لحاشيته وأتباعه أن المؤامرة الكونية التي يواجهها منذ أكثر من عشر سنوات بدأت بالتفكك، بل ربما بدأت تتلاشى أمام صمود الأسد. وفي حال أفلح الأسد في تعزيز هذه الرغبة الافتراضية لدى حاشيته، فما دور هذا النجاح الافتراضي على الواقع الفعلي للنظام ، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً؟

لا بد من التأكيد على أن الأسباب التي أوجبت عزلة النظام عربياً، ما تزال قائمة، ولم يستجد أي حدث أو موقف ميداني أو سياسي يوحي بأن الأسد قد غيّر نهجه الدموي في مواجهة السوريين، أو أنه أظهر رغبة جدّية بالتخلّي عن الخيارات الأمنية والتفاعل مع الطروحات السياسية التي تحيل إليها القرارات الأممية ذات الصلة بالقضية السورية، فما الذي يجعل بعض الأنظمة العربية تواجه تصلّب الموقف الأسدي واستمرار توحّشه حيال شعبه، بموقف فيه كثير من الهشاشة، بل والانزياح التدريجي نحو إعادة العلاقات مع دمشق؟ 

لعله من المفيد الإشارة إلى أن موقف الجامعة العربية الرافض لنهج العنف والتوحّش الأسدي عام 2012، كان مسبوقاً بموقف شبه عالمي، بل موقف أميركي على وجه التحديد، وكان يكفي لموقف واشنطن الصارم الذي ذهب إلى درجة إسقاط الأسد ونزع شرعيته (إعلامياً) أن يكون حافزاً للعديد من الدول العربية أن تتماهى مع موقف الولايات المتحدة، أضف إلى ذلك أن الموقف العربي، والخليجي حصراً، المنحاز إلى جانب ثورة السوريين إبان انطلاقتها، كان موقفاً (مركّباً)، لا ينحصر بالتماهي مع رغبة السوريين المتمثلة بالخلاص من الاستبداد والانتقال إلى التغيير الديمقراطي فحسب، بل برغبة خليحية عامة بإبعاد النفوذ الإيراني الضالع في سوريا أيضاً، إلّا أن الموقف الخليجي في مواجهة إيران ظل مقروناً على الدوام (من حيث التصعيد أو المهادنة) بالموقف الأميركي الذي كان يتغيّر بتغيّر الإدارات المتعاقبة في الولايات المتحدة الأميركية ذاتها، ويمكن لنا إدراك ذلك بوضوح من تتبّع سياق التقارب العربي مع نظام دمشق، من خلال الخطوة التي بادرت بها دولة الإمارات في أواخر العام 2018 ، والتي تمثلت بإعادة فتح قنصليتها في دمشق، وربما كانت تلك الخطوة الإماراتية حافزاً للعديد من الدول لأنْ تمضي في الطريق ذاته، بل يمكن القول إن القمة العربية التي انعقدت في تونس في آذار 2019، قد شهدت عدّة محادثات ومداولات بينية غير رسمية بين عدة دول عربية (مصر والعراق والأردن ولبنان) تهدف إلى طرح عودة النظام السوري إلى الجامعة العربية وإنهاء عزلته، ولكن ما أفشل تلك المبادرة هو رسالة الخارجية الأميركية إلى الخارجية المصرية، والتي تضمنت تحذيراً أميركياً صارماً حيال أي تقارب مع نظام دمشق.

حمل مجيء الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض استراتيجية أميركية حيال إيران تتميّز عن استراتيجية سلفه دونالد ترامب، إذ يرمي بايدن إلى تعزيز النهج الذي كان قد أسس له أوباما، والذي يتمثل بسياسة الاحتواء بدلاً من المصادمة، والتفاهم والحوار بغية تقنين النشاط النووي الإيراني والسيطرة عليه من خلال إبرام تفاهمات مع طهران من شأنها أن تفضي إلى نوع من المهادنة واستبعاد التوتر بين الطرفين، ولئن يرى كثيرون أن نهج الإدارة الأميركية الجديد حيال إيران من شأنه أن يشرْعن الطموح الإيراني نحو التمدّد والهيمنة في المنطقة العربية، إلّا أن البعض الآخر لا يرى بدّا من التماهي مع الخطاب الأميركي، والتعاطي مع الخطر الإيراني وفقاً لما تتبعه الإدارة الأميركية، ولعل ملك الأردن كان السبّاق إلى اغتنام فرصة اللقاء مع بايدن وإقناعه بفكرة مرور الغاز والكهرباء إلى لبنان عبر الأراضي السورية، وذلك في خطوة يرى فيها كثيرون ليونة أميركية واضحة في خرق أو تجاوز عقوبات قانون قيصر، الأمر الذي أحيا من جديد رغبة العديد من العواصم العربية بالانعطافة نحو نظام الأسد.

يبقى السؤال الأهم حول الجدوى الفعلية التي سيحصدها المطبعون مع الأسد من جهة، وماذا سيحصد الأسد من هذا التطبيع من جهة أخرى؟

انعطافة عدد من العواصم العربية إلى نظام الأسد ستكون مُحفّزاً آخر لبشار الأسد للاستمرار في تحدّيه إرادة السوريين، فضلاً عن كونها تجسد دعماً معنوياً أو رمزياً لنظام الحكم، وخاصة أمام حاضنته ومؤيديه.

لعله غير بعيد عن الصواب، الذهاب إلى أن مجمل دوافع الأنظمة العربية الزاحفة تجاه الأسد إنما تحكمها المصالح السلطوية والهواجس الأمنية بالدرجة الأولى، ولم تكن تلك الدوافع منبثقة من مصالح الشعوب المحكومة من تلك الأنظمة، ولئن كان الأردن مسكوناً بمخاوفه من عبور النفوذ الإيراني إلى أراضيه عبر الجنوب السوري، فلربما ظن أن السبيل المتاح لدرء تلك المخاوف هو الاقتراب من دمشق لإرضاء إيران، وبالتالي تحاشى خطرها الميليشياوي الذي بات مقلقاً للمنطقة برمتها، أما مسألة تصدير الغاز والكهرباء من الأردن إلى لبنان عبر سوريا، فلا تبدو أنها ستكون الثمن الوحيد الذي تتوخّاه عمان من خلال انفتاحها على دمشق، في حين ما تزال مصر منهمكة بالتنافس الإقليمي مع تركيا، لأسباب عديدة، ليس أقلّها الموقف التركي الرافض لانقلاب السيسي، والمؤيد للإخوان المسلمين في مصر، ودون تسوية فعلية للخلافات التركية المصرية، ستبقى مصر تتحدث عن توغل تركي في سوريا، وربما اعتقدت أن التقارب مع دمشق إنما يندرج في مواجهة نفوذ أنقرة في الشأن السوري. أمّا لبنان والعراق فإن تبعيتهما المطلقة لقرار طهران ووقوع هذين البلدين تحت الهيمنة الأمنية الإيرانية، يجعل من سعيهما للتطبيع مع الأسد تحصيل حاصل، إذ هما – بالأصل – منحازان لآلة القتل الأسدية في مواجهة ثورة السوريين، ولا يحتاجان إلى تطبيع جديد.

مما لا شك فيه، أن انعطافة عدد من العواصم العربية إلى نظام الأسد ستكون مُحفّزاً آخر لبشار الأسد للاستمرار في تحدّيه إرادة السوريين، فضلاً عن كونها تجسد دعماً معنوياً أو رمزياً لنظام الحكم، وخاصة أمام حاضنته ومؤيديه، كما يمكن لها أيضاً أن تساهم في تعزيز المسعى الروسي الهادف إلى تعويم الأسد عربياً ودولياً، بغية إعادة إنتاجه بما ينسجم مع المصالح الروسية، ولكن مما لا شك فيه أيضاً، أن تلك الانعطافة السالفة الذكر لن يكون بمقدورها – على المستوى الفعلي – أن تنتشل نظام دمشق مما هو فيه، سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية، بل لعلها من المفارقات التي تبعث على السخرية حين يتساءل المرء: إن نظام الحكم في العراق الذي يقف عاجزاً عن تأمين مياه الشرب والكهرباء لمواطنيه، فضلاً عن استشراء الفساد واللصوصية في أنساقه السلطوية جميعها، ما الذي يمكن أن يقدمه نظام كهذا لبشار الأسد الذي لا يقل عنه تردّياً؟ ثم ما الذي يمكن أن ينتظره الأسد من لبنان المحكوم من جانب حزب الله  الذي لم يبق أمامه سوى تصدير المخدرات كمصدر لتمويل نشاط ميليشياته الطائفية؟ فضلاً عن القول: إن قدرة بعض الأطراف على اختراق أو تجاوز قانون قيصر، لا ينفي الخناق الاقتصادي الذي سيبقى مضروباً على عنق الدولة الأسدية.

لعل الأمر الذي لم يكن موضع اهتمام مجمل من انعطفوا إلى نظام التوحّش الأسدي من العرب، هو أن إعادة تأهيل الأسد اقتصادياً وأمنياً لن تنقذه من السقوط الأخلاقي والإنساني والحقوقي، ذلك أن تداعيات الإجرام الأسدي بحق السوريين لم تعد مجرّد أخبار تتناقلها وسائل الإعلام، أو حكايات تُروى، بل باتت حقائق موثقة لدى كل الجهات الحقوقية الدولية والمحلية، ولئن استطاع الأسد أن يكون بمنأى عن أن تطوله العدالة في الحالة الراهنة، فذلك بفضل حصانة القوّة التي لا بدّ وأن تقوّضها قوّة الحق في يوم ما.

ولعلّه من الضرورة الملحّة، ألّا يغيب عن أذهان الجميع، بما فيهم الزاحفون إلى الأسد، أن الشعب السوري حين انتفض بوجه الطغيان الأسدي في آذار 2011، كان نظام الأسد يقيم أفضل العلاقات مع كل الأنظمة العربية، كما كان يحظى بالتأييد السياسي والمادي من جانب أكثر الدول العربية غنًى وثراء، إلّا أن ذلك كلّه لم يكن حائلاً دون إرادة السوريين ونزوعهم نحو التحرر وإطلاق ثورتهم المباركة.