"التطبير" الإسرائيلي الأمريكي في جبين إيران

تاريخ النشر: 02.06.2018 | 02:06 دمشق

آخر تحديث: 06.06.2018 | 00:37 دمشق

جاء  تحذير رئيس الوزراء الإسرائيلي  "بينامين  نتنياهو" خلال مؤتمر ميونخ للأمن في ألمانيا الذي انعقد  في شهر شباط 2018  شديد اللهجة  وصارماً ضد تهديدات طهران المتكرّرة لتل أبيب. وكان التحذير بمثابة خطوة جديدة تضاف إلى الخطوات التي تهدف إلى خلع أنياب "الحرس الثوري الإيراني"، إضافةً إلى إصرار إسرائيل على منع إيران من إقامة وجود عسكري دائم في سورية؛ فأغلب الظن أنّ الحرب الإيرانية الإسرائيلة قادمة  ضمن سيناريو  مجزّء  حسب المعطيات التي نراها على أرض الواقع، وما شاهدناه من مواجهات خطابية  وتصريحات وتهديدات بين الطرفين، قد تمّ  ترجمتها على الأرض من الجانب الإسرائيلي بحق الوجود الإيراني في سورية.  

إسرائيل تسعى جاهدة مع الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت الحالي لبدء المرحلة الثانية من قطف الثمار في الساحات التي تشهد أزمات  وكوارث وحروب، خاصةً في سورية، بعد أن تركت إيران تصول  وتجول  في العراق  واليمن والداخل السوري   مع  ميليشياتها  الطائفية، بهدف استنزافها وتوريطها بملفات إرهابية وغيرها من دلائل تضعها  في مواقف  محرجة أمام العالم ليتسنّى لإسرائيل  ضبط إيقاع المعركة  السياسية  والعسكرية بعدّة أذرع منها حليفتها العالمية المهيمنة "أمريكا"، وهذا ما نشهده الآن من خلال كميّة العقوبات الاقتصادية بحق طهران وشخصيات تابعة للحرس الثوري الإيراني التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية ضمن خطّة محاصرة إيران  وتحجيم  قدراتها  في العالم العربي بعد سيطرتها شبه الكاملة على أربع عواصم عربية " بيروت ــ بغداد ــ صنعاء ــ دمشق"  حسب قول النائب البرلماني الإيراني علي رضا زاكاني.

فالغارات الإسرائيلة التي استهدفت العمق السوري وقصفت منشآت عسكرية وأرتال ومقرات ومطارات تابعة للنظام السوري  ولحزب الله  وأماكن تواجد قوات إيرانية، تجاوزت الــ 20 غارة منذ عام 2013 حتى قصف مطار الضبعة العسكري  منذ أيام   والذي رجّح أنّه  استهداف   إسرائيلي  قريب  من تواجد  ميليشيا "حزب الله اللبناني" ؛ هنا، الأسئلة "التاريخيّة"  التي  تتوارد  كل حين: أين  الصواريخ الباليستية  طويلة المدى التي يتغنّى بها القادة الإيرانيون؟  وأين المضادّات  الجوية الخاصة  بالنظام  السوري  ذات التقنيّة الروسية الخارقة؟! وأين جَلجَلةُ وهيجان " كركدن " المقاومة في حزب الله؟ 

لاشكّ أن الجواب معروف لدى القاصي والداني من متابعي مسرحية المقاومة وحلف الممانعة الكرتوني! عدا عن ذلك، فأغلب القرارات العسكرية الخاصة  بالردود  الخارجية، في  قبضة الروس تقريباً، منذ دخولهم سورية،  ولن يسمح  الروس للنظام   والإيرانيين  بفتح معركة "خلط أوراق" مع تل أبيب إلا في حال توجيه رسائل "تنبيهيّة" للأمريكان كما حصل بتاريخ 9 /5 من الشهر الحالي حين قصفت مرتفعات الجولان بواسطة صواريخ إيرانية انطلقت من ريف مدينة القنيطرة السورية.

 

تحالف أمير النفط مع الــ "كاوبوي"

إن الجولات  التي قام  بها الأمير محمد بن سلمان  بين أمريكا وبريطانيا  وفرنسا بداعي الاستثمار وجذب مشاريع جديدة إلى السعودية، لها وجهٌ آخر من حيث النظرة الصحيحة؛ فبعد أن خبا المشروع الجهادي في الشرق الأوسط " تنظيم داعش"  وغيره من حركات أصولية، وكاد أن  ينطفئ،  خرجت الخلافات الإقليمية منها قضية استقلال الأكراد وملف إيران النووي التي كانت رابضةً في قعر القضايا الكبرى لتتّقد من جديد وتستحيل إلى موضع اهتمام من قبل أمريكا  وإسرائيل والدول المجاورة لها. فالكره المتبادل بين السعودية وإيران الذي صار عداءً جليّاً منذ انطلاق "الربيع العربي " وخاصةً  في الملف السوري، أصبح الآن  حلفاً  من جهةِ السعودية مع أمريكا  وإسرائيل  ضد  إيران (الشيعيّة) لكسر  عمودها الفقري  في المنطقة العربية، وتقويض حجمها   وتقليم  أظافر الحرس الثوري الإيراني  ودفعه  إلى الانسحاب مع  مليشياته من سورية  واليمن  نحو الداخل الإيراني؛ أما عن تواجدها في المشهد العراقي، بات من القضايا  الثانوية  المُهْملة أمام ثقلها العسكري في سورية حالياً واليمن.

فاللغم الذي فجّره "ترامب " في وجه الإيرانيين _أكتوبر / تشرين الثاني 2017 _حينما هدّدَ بإلغاء الاتفاق النووي بين إيران والدول الست الكبرى " بريطانيا وفرنسا وروسيا  والصين وألمانيا وأمريكا"، يعتبر المسمار الأول في نعش "ولاية الفقيه"، وها هو الآن يدعو أي _ترامب_ دول الغرب للالتفاف حول القرارات التي اتخذها بحق إيران  ويسعى  لكسب تأييد  واسع داخل إدارته لتطبيق العقوبات بأسرع  وقت  ممكن  إذا  رفضت  طهران تنفيذ 12مطلباً  (شرطاً ) بعضها عربية _خليجية_  أبرزها   وقف تمويل  الإرهاب  والتدخّل  بشؤون الدول  والانسحاب الكامل من سورية، مع صياغة جديدة للاتفاق النووي يرضي إسرائيل بشكل مبدئي.

صحيفة "لوموند الفرنسية" وعلى لسان رئيس قسم الشؤون الدولية "كريستوف عياد" قبل أن تعلن أمريكا خطواتها  الأخيرة  بشهور تجاه  إيران   صرّح  " إن ما يرتسم  الآن  ضمن  إعادة  تشكيل الشرق الأوسط الجديد هو محور لم يسبق له مثيل يجمع بين السعودية وإسرائيل والولايات المتحدة" .

فهذا الحلف الأمريكي الإسرائيلي الخليجي  "المُبارك" من بعض دول الغرب، سيكون خليطاً من الترسانة العسكرية الضخمة وموارد الطاقة إضافةً إلى التكنولوجيا المتقدّمة؛ وقتها،  لن  يجرؤ  المعسّكر المقابل المتمثّل بــ" روسيا وإيران وتركيا " على لعب أوراق أخرى إلا ضمن كسب المصالح والاصطفاف إلى الواقع والعقلانية،  وبالأخص الروس  الذين  دخلوا  المستنقع السوري  من أبوابه الواسعة   وتورّطوا  بحرب  ظالمة ضد الشعب السوري  مع  الطاغية الأسد؛ علاوةً  على ذلك، ذهاب الرهان  الروسي على الصين الشيوعية وكوريا الشمالية أدراج الرياح،  بعد  لقاء زعيم كوريا  الشمالية "كيم جونغ أون"  رئيس كوريا الجنوبية  "مون جاي إن" في قرية "نانمنجوم"   الحدودية   بين البلدين،  الذي   تمّ   الاتفاق  خلاله   على إخلاء  شبه  الجزيرة الكورية  من  الترسانة النوويّة، وتركيز الجهود وبذلها نحو تمكين العلاقات . الصين هنا، التي تعتبر حليفاً قديماً للروس، سيزداد  تخوّفها  من  هذا الاتفاق، وخاصةً  إذا ما تمّ إعادة  تنظيم  القوات الأمريكية المتواجدة على حدود "بيونج يانج" وضبطها بعد نزع السلاح النووي.  

لن نغفل طبعاً دور الإمارات العربية المتحدة في هذا التحالف أيضاً، المتضرّرة من إيران منذ 1971 بتدخلها بشؤون دول الخليج واحتلالها لجزرها الثلاث _ طنب الكبرى _ طنب الصغرى _ أبو موسى _  التي تُعدّ من أهمّ المواقع المائية في الخليج العربي، إضافةً إلى مواردها الطبيعية مثل البترول، وأكسيد الحديد الأحمر، وكبريتات الحديد، والكبريت.

 

فصول الحرب على إيران

إن 55  ألف  صفحة  من (الأدلة)  و55 ألف (ملف) على 183 (إسطوانة) عرضها نتنياهو  تتعلق  بمشروع "عماد" النووي الذي بدأ في عام 2003 بأوامر من القيادات العليا في طهران  و يرأسه "محسن فخري زاده " مؤسس برنامج إيران النووي، كانت كفيلة بإقناع الأمريكان للانسحاب من الاتفاق النووي و أنّ الإيرانيين مازالوا يواصلون تخصيب اليورانيوم  لتطوير قنبلة نوويّة تهدّد المنطقة وخاصةً "تل أبيب"، واصفاً أن المشروع  يهدف لإنتاج  خمس رؤوس نووية، تبلغ قوة كل منها 10 كيلوطن من مادة تي إن تي شديدة الانفجار. إذن، انتهى "السيران" وشهر العسل الإيراني المقام على جثث مئات الألوف من العراقيين والسوريين واليمنيين، المدعوم سابقاً بالصمت من قبل أمريكا والغرب ! انتهى  مع التحرّكات الجدّية للولايات المتحدة الأمريكية  وإسرائيل ضدّ التغوّل  الإيراني  الذي حان  دور اجتثاثهِ  بعد  أن خدمَ  أجنداتهما   بشكل مباشر وغير مباشر في المنطقة؛ فبداية المرحلة الأولى من الحرب على إيران تجلّت بطابع اقتصادي حيث بدأت بالانسحاب  16 شركة أوروبية إلى الآن من العقود التجارية مع إيران وهي :

  • شركة النفط والغاز البولندية PGNiG
  • الشركة الدنماركية لتأمين القافلات النفطية  TORM
  • شركة "دانيلي" لتقنيات صناعة الحديد والصلب  DANIELI
  • الشركة الفرنسية للطاقة TOTAL
  •  أكبر شركة لحجز الفنادق في العالم ENGIE
  • شركة حجز الفنادق العالمية  Booking
  • شركة النقل البحري العالمية Maersk _ LINE
  • شركة نقل الحاويات العالمية MSC
  • شركة "إيني" النفطية الإيطالية Eni
  • إلغاء صفقة شركة إيرباص" Airbus
  • أكبر شركة لتقديم الخدمات المصرفية في العالم Allianz
  • شركة "سمينس" Siemens
  • الشركة النرويجية للطاقة الشمسية وشؤون التنمية  Contact Us
  • إلغاء صفقة شركة "بوينغ" Boeing
  • انسحاب المصرف النمساوي Oberbank
  • تعليق المعاملات المصرفية للبنك الألماني DZ Bank، مع هذه الخطوات القاسية اقتصادياً تجاه إيران التي سبقتها بعض الضربات العسكرية الجراحية ضد قواتها المتواجدة في سورية، سنشهد تصعيداً  غير مسبوق  في الأسابيع  والأشهر القادمة  من الطرف  الأمريكي وحلفائه، بغض النظر عن عدم ارتياح الجانب الأوروبي ورفض بعض دوله  للتفرّد الأمريكي بملف الاتفاق النووي، علاوةً على ذلك، تصاعد التوترات الداخلية في إيران أخذ منحى جديداً وجريئاً، فلقد  بدأت مظاهر  تململ الشارع  الإيراني تخرج  بوتيرة  سريعة  وعالية جرّاء هذه الصفعة القاسية  للحكومة الإيرانية ، أوّلها إطلاق  "هاشتاغ #تغيير النظام الإيراني _ #IranRegimeChange  ما  يدعو  لقراءة  عدّة  سيناريوهات  قادمة في الداخل الإيراني من حيث الحراك الشعبي الذي سوف يتماشى مع الضغوطات الأمريكية، ولربما ينتج عنه انتفاضة  عارمة  تواجَه  بدمويّة من  قبل السلطات  الإيرانية  كعادتها   بالقمع  الوحشي،  هذا   ما يدفع  الأمريكان  وحلفاءهم   لاتخاذ   إجراءات سريعة    قد تتحوّل  إلى   مواجهة  عسكرية (ضربة وقائية ) ضمن  نطاق ضيّق، أطرافها الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية ضد إيران (محور الممانعة) الذي سوف يحاول العمل على خلخلة المشهد في بعض المدن العربية لنقل الحرب وتوسيع رقعة المواجهة وتوريط دول أخرى لاعبة في الملف السوري.

 

نهايةً.. بعد الاتفاق الروسي الإسرائيلي على اعتبار الجنوب السوري منطقة خالية من التواجد الإيراني والميليشيات التابعة لها، والسماح للنظام السوري بالانتشار مع الحدود السورية الأردنية الإسرائيلة  لدرأ أي خطر "محتمل" من قبل إيران، نرى أنّ إعادة التموضع "الأسدي" تحت غطاء إسرائيلي وموافقة أمريكية في الجنوب السوري يعتبر هديّة "ثمينة" للأخير، وينظر له بعين الرضا من قبل "اللاعبين الكبار". فالمنطقة الجنوبية _درعا، السويداء، القنيطرة_ التي  هي في حيز "خفض  التصعيد " بالمنظور الروسي،  والمنطقة  الآمنة  كما يصفها الأمريكان، ذات حساسية كبيرة من الناحية الجغرافيّة لقربها من العاصمة دمشق معقل رأس النظام السوري، إضافةً إلى ذلك، إصرار إسرائيل على تفريغها من "الراديكالية الشيعيّة" بالدرجة الأولى، وعناد الدب الروسي لكسب فصل جديد لاجتثاث كل الفصائل العسكرية أو طردها ضمن تسويات / مصالحة /  وتهجير نحو مصير مجهول..

حيث إن الجنوب السوري له  أهمية  استراتيجية  كبيرة  لإسرائيل،  و ثقل _اقتصادي _ هام  للأردن حليفة الغرب من خلال "معبر نصيب" الذي يعدّ من أهم المعابر الحدودية في الوطن العربي.

أما عن فصائل المعارضة العسكرية  المتواجدة في الجنوب السوري، لم يبقَ أمامها سوى خيار واحد لا مفرّ منه، ألا وهو الاندماج  ضمن جسم  واحد بعيد كل البعد عن الوصاية  والأوامر من هنا  وهناك، وإلا فإنها سوف تشهد  ذات المصير  الذي شهده "جيش  الإسلام"  في  الغوطة الشرقية،   وغيره   من  فصائل  خضعت للمال للسياسي  والأوامر الإقليمية، متجاهلةً  معاناة الشعب السوري الرازح تحت نَير الأشقاء قبل الأعداء !