التصويت الأوروبي

التصويت الأوروبي

الصورة
28 أيار 2019

سلام الكواكبي

مدير المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات في ب

خرجت ليلة الأمس نتائج الانتخابات التي جرت في 28 دولة أوروبية لانتقاء ممثلي هذه الدول إلى البرلمان الأوروبي والبالغ عدد أعضاؤه 732 نائبة ونائب. ومع أن عدد الدول الأوروبية العضوة في المؤسسات التمثيلية والإدارية للقارة العجوز هو 27 بعد انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوربي نتيجة استفتاء شعبي، إلا أن هذا الانسحاب لم يكتمل، وبالتالي شارك البريطانيون في الاقتراع ليوصلوا إلى البرلمان الأوروبي أغلبية من كارهي المشروع الأوروبي ممثلين برئيس حزب "خروج بريطانيا" اليميني المتطرف نيغل فاراج الذي حصل على أكثر من 30 في المائة من الأصوات.

انهمكت الصحافة الأوروبية، كما تلك المهتمة بالشأن الأوروبي لانعكاسات السياسات الأوروبية المباشرة على أوضاع بلدانها، ومنها دول المشرق العربي كما دول شمال إفريقيا، إلى تحليل النتائج وقراءة الارتفاع المثير لنسب الأصوات التي حصدتها الأحزاب اليمنية المتطرفة كما الأحزاب الشعبوية ذات اليمين وذات اليسار. ومع أن هذا الصعود كان متوقعاً ومُشاراً له في مختلف الاستطلاعات التي سبقت العملية الانتخابية وإعلان النتائج، إلا أن عامل الصدمة لم يتأثر بهذا التمهيد السابق وبدا بأن الشعور بفداحة الأمر قد أيقظ النفسيات الخاملة.

وبعد أن "راحت السكرة وأتت الفكرة" يمكن للمراقب الذي يسعى إلى دراسة الحيثيات التي يمكن أن تمنح الحدث بعض الجوانب الإيجابية، بما أن الشعور هو سلبي في المطلق، أن يتوقف عند بعض التفاصيل التي من الهام التسلح بها للمحافظة على أمل حماية المسألة الديمقراطية في أوروبا عموماً وفي فرنسا خصوصاً. فمقابل صعود اليمين المتطرف، والذي كان هو نفسه

بدا واضحاً بأن الانتخابات الأخيرة قد حظيت، وعلى غير العادة، باهتمام نسبة كبيرة نسبياً من الناخبين في الدول الأوروبية

في فرنسا في انتخابات 2014، ومقابل هيمنة معادي الاتحاد الأوروبي بريطانيا على الأصوات، ومقابل تعزيز اليمين المتطرف الهنغاري والبولندي من مواقعهما، إلا أننا يجب ألا نغبن عملية التصويت جوانبها الإيجابية لجهة تعزيز التجربة الديمقراطية الأوروبية والتي يتعزز في هامشها دور البرلمان الأوروبي منذ توقيع معاهدة لشبونة سنة 2007 والتي أعادت تنظيم الهيكل المؤسساتي للاتحاد الأوروبي.

فقد بدا واضحاً بأن الانتخابات الأخيرة قد حظيت، وعلى غير العادة، باهتمام نسبة كبيرة نسبياً من الناخبين في الدول الأوروبية. فبعد سنوات من إهمال الناخبين هذه الانتخابات، يبدو أن هناك شعوراً متنامياً لدى المواطنين الأوروبيين بأهمية هذه المؤسسة ودورها في رسم السياسات التشريعية للاتحاد. ويمكن الحديث عن نسبة 50% وسطيا كنسبة إقبال على صناديق الاقتراع وهو رقم هائل الدلالة بعد أن كانت الانتخابات السابقة لا تتخطى الـ 30% من الإقبال. وعلى الرغم من أن ارتفاع نسبة الإقبال مرتبط بالالتزام شبه الستاليني لمنتمي الأحزاب المتطرفة على التصويت في سبيل إنجاح ممثليهم مقابل اعتكاف اليسار والوسط عن الذهاب إلى الاقتراع لنوع من الاستسلام أو الابتعاد عن الاهتمام أو ضعف في التنظيم، إلا أن النسبة المرتفعة هذه السنة حملت أعداداً كبيرة من أصوات الشباب القلق على مستقبله في ظل الأزمات الاقتصادية المتعاقبة والمترافقة مع استغلال يميني متطرف مُحمّل بكره الأجانب والعداء للإسلام.

نسبة الشباب أثرت بشكل كبير في ارتفاع حظوظ أحزاب الدفاع عن البيئة المهددة بشكل جدي. وتبين للمراكز البحثية أن أصوات الشباب قد لعبت دوراً هاماً في التقدم الكبير الذي حصل عليه حزب الخضر الألمان بحيث أضحى الكتلة السياسية الثانية بعد حزب الديمقراطيين المسيحيين المحافظ في المشهد السياسي الألماني. كما أنها منحت أكثر من 13 في المئة لحزب أوروبا ـ البيئة ـ الخضر في فرنسا والذي كانت

ستحافظ القوى السياسية التقليدية، اليمين المعتدل واليسار المعتدل كما الليبراليين، على تصدر البرلمان الأوروبي المقبل، ومع ذلك، ستحتاج هذه القوى، في ظل تراجعها النسبي، إلى عقد تحالفات دقيقة ومعقدة مع الخضر أو اليمين المتطرف

أفضل الاستطلاعات لا تمنحه أكثر من 8 في المائة. وأحزاب الخضر في أوروبا عموماً، وفي فرنسا وفي ألمانيا خصوصاً، إضافة إلى اصطفافها إلى جانب مسألة العدالة الاجتماعية وحماية البيئة والمحافظة على حظوظ أجيال المستقبل بكرة أرضية قابلة للحياة، فأعضاؤها هم أصحاب مواقف إنسانية وسياسية مشرفة بخصوص ما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان الجارية في الدول التي يدعمها الاتحاد الأوروبي كالسعودية والإمارات ومصر. وكما أنها تدعم بشكل مناقض تماماً لبافلوفية اليسار الأوروبي المتخشب، مجمل الثورات العربية وتقف بالمرصاد لأصحاب الثورات المضادة وداعميهم إدانة وتصريحا وتحركات.

عموماً، ستحافظ القوى السياسية التقليدية، اليمين المعتدل واليسار المعتدل كما الليبراليين، على تصدر البرلمان الأوروبي المقبل، ومع ذلك، ستحتاج هذه القوى، في ظل تراجعها النسبي، إلى عقد تحالفات دقيقة ومعقدة مع الخضر أو اليمين المتطرف. وفي غالب الظن، بأنها ستميل إلى الخضر منطقياً.

وأخيراً، من الهام الإشارة الى ظاهرة حيّرت المراقبين بعد اعلان النتائج، هي أن 39 في المائة من أصحاب السترات الصفراء الفرنسيين صوتوا لليمين المتطرف، مما يدل على ضعف الوعي السياسي في اوساطهم أو على قدرة هذا اليمين الفاشي في التأثير الفعال بهم. ومن جهة أخرى، تمت ملاحظة تصويت نسبة لا بأس بها من الحاصلين مؤخراً على جنسية اوروبية لصالح القوائم التي تمثل اليمين المتطرف. وكما هي العادة لدى بعض المهاجرين الحاصلين على جنسية البلد المستضيف، فإن قاعدة " من وصل آخراً، يغلق الباب ويمسك به من الداخل" تبدو دقيقة.

شارك برأيك