التشييع الإيراني في الساحل السوري خطوات متصاعدة ونتائج ملموسة

تاريخ النشر: 08.10.2018 | 17:10 دمشق

اللاذقية - حسام جبلاوي - تلفزيون سوريا

سعت إيران منذ بداية حكم الملالي لها في السبعينات إلى تصدير ثورتها وثقافتها كسبيل للتغلل في المجتمعات والدول المجاورة، وإحداث تبعية تؤمن مصالحها. ورغم أنّ علاقتها كانت جيدة بالأسد الأب إلا أنها لم تنجح في  إحداث تغيير جذري كبير في المجتمع السوري، بسبب ميل الأسد لإظهار الجانب العلماني في حكمه.

لكن ومع وصول بشار الأسد إلى الحكم والتقارب السياسي الكبير مع إيران و"حزب الله" بعد حرب لبنان أعطيت إيران فرصة التوجه بشكل مباشر للمجتمع العلوي، من خلال افتتاح "مجمع الرسول اﻷعظم" في مدينة اللاذقية عام 2006 كأول مسجد للمذهب الشيعي في المدينة، ثم كبر حتى أصبح مجمعاً تدريسياً رئيسياً وجامعة فيها قسم قانون وكلية شريعة.

ورغم الاختلاف العقائدي بين المذهبين الشيعي والعلوي إلا أنّ النظام لطالما سعى لإظهار شيعية المذهب العلوي من خلال تنظيم زيارات علمية لرجال الدين العلويين للمراقد الدينية والحوزات العلمية في قم منذ عام 2006، بتسهيل ودعم مباشر من "جمعية البستان الخيرية" العائدة لرامي مخلوف، والتي تنشط في ريف اللاذقية.

ومع بداية أحداث الثورة السورية وتوغل المليشيات الشيعية بحجة حماية الأماكن المقدسة والنظام، استغلت إيران فكرة حماية العلويين وتبني وجودهم وشعارات طائفية أخرى لجذبهم إليها وتقريبهم منها، مثل "الحرب على أتباع الإماميين" وهو المبدأ الذي انطلقت منه إيران إيديولوجياً لجذب الشباب العلوي وإقناعه بأنها معركة مشتركة، وأنّ إيران هي الدولة الوحيدة التي تدافع عنهم وتتبنى قضيتهم.

ويظهر تأثير هذه الحملة من خلال أسماء مجموعات تابعة لمليشيات "الدفاع الوطني" في ريف اللاذقية حملت أسماء دينية مثل "أسود الحسين" التي يقودها حسن الأسد، وكتائب "الامام علي" وغيرها.

مدارس دينية:

ثقافياُ افتتحت إيران في الريف العلوي منذ بداية عام 2011 ثانويات شرعية تدّرس المذهب الشيعي في قرى عين شقاق، رأس العين، القرداحة، كرسانا، سطامو، بالإضافة إلى ثانوية جديدة في مدينة اللاذقية.

وتستقبل هذه الثانويات الطلاب من مواليد 1998 حتى عام 2001. وتدّرس منهاج يشمل عشرة كتب خاصة بالشريعة الجعفرية، إضافة لكتب الثانوية العامة المعتمدة في المنهاج التعليمي السوري.

تأثير هذه المدارس بدا واضحا على أبناء قرى ريف اللاذقية كما يؤكد المحامي عروة السوسي من خلال "ارتفاع أعداد المنتسبين إليها خاصة من الفتيات اللواتي بدأن بارتداء الحجاب، وهي مظاهر لم تكن معتادة أبدا في المجتمع العلوي الذي يميل إلى الانفتاح والعلمانية".

جانب آخر استغلته إيران لمد نفوذها الثقافي في هذه المنطقة وهو المساعدات الغذائية والمادية التي تولت توزيعها لأسر قتلى نظام الأسد في هذه المنطقة، وحملت وفق المحامي المنحدر من مدينة جبلة "صبغية دينية من خلال إعطاء الأولوية للمنضمين إلى مدارسها، ومليشياتها المنتشرة في المنطقة".

ويظهر تأثير نفوذ إيران الثقافي في الساحل السوري ليس فقط من خلال المدارس والتعليم فحسب، بل أيضاُ من خلال التأثر الفكري للشبان العلويين بالمذهب الشيعي، والذي ظهر من خلال تغيّر طريقة الخطاب لبعضهم في وسائل التواصل الاجتماعي، واتجاهه نحو العقائدية الدينية التي كانت غائبة عنهم لعقود.

"حتى أسماء المحلات التجارية والمطاعم والمقاهي وبعض عبارات حافلات النقل والأغاني تغيّر بعضها خلال السنوات الأخيرة وأخذت صبغة عقائدية" يقول زكريا وهو شاب جامعي في مدينة اللاذقية.

ويضيف زكريا "أصبحت صور الامام الحسين المزعومة وبعض العبارات الشيعية تملأ هذه المحلات، حتى في الجامعات بعض الشبان أصبحوا يرتدون قمصاناًَ عليها عبارات طائفية تدعو للانتقام من قتلة الحسين".

ورغم عدم انتشار مظاهر الاحتفال الشيعية في الساحل السوري مثل اللطم والضرب، إلا أنّ مناسبات دينية خاصة بالعلويين مثل "عيد الغدير"، و"عاشوراء" باتت كما يؤكد زكريا مناسبات هامة لا يفوتها المحسوبون على النظام الإيراني لنشر الهدايا والكتب الدينية الخاصة بالمذهب الشيعي في محاولة لربط هذه الاحتفالات بالعقائد الشيعية.

 نشاط اجتماعي :

في السياق ذاته تبدو إيران مهتمة بنشر ثقافتها ليست الدينية فحسب بل التاريخية والاجتماعية وحتى اللغوية، ففي مدينة جبلة على سبيل المثال يستضيف المركز الثقافي سنويا معرضاً لنشر الثقافة الايرانية يضم قسماً للكتاب- ومعرض فني- ومعرض صناعات تراثية- وعروض سينمائية تتحدث عن تاريخ إيران والثورة الإسلامية فيها ودورها في التغيير.

أما في مدينة اللاذقية فيعمل "المركز الثقافي الإيراني" في اللاذقية والذي افتتح منذ عام 2006 على نشر اللغة الفارسية وإقامة دورات بشكل مجاني، هذا بالإضافة لنشاطات ثقافية أخرى يقيمها المركز نفسه بين فترة وأخرى في جامعة تشرين.

في فئة الأعمار الصغيرة توغلت إيران في نشاط الكشافة في اللاذقية رغم أنّ أحد أبرز مبادئه الابتعاد عن الانتماء الديني ورغم ذلك أسس "مجمع الرسول الأعظم" في اللاذقية فرع للكشافة باسم "كشافة الولاء للإمام المهدي" ويضم الأعمار الصغيرة والمتوسطة حيث شارك هذا الفوج في العديد من مسيرات كشفية في مدينة اللاذقية بمناسبة أربعينية الحسين.

تحاول إيران جاهدة صبغ الساحل السوري بثقافتها وإنشاء ضاحية أخرى لها في قلب سوريا يساعدها على ذلك ترك المجال لها من قبل النظام للتمدد والتغلل في المجتمع الساحلي الذي مازل بعضه يرفض هذه الأعمال ويصر على الحفاظ على ثقافته وهويته الأصيلة.