"التشبيح" والدستور السوري

"التشبيح" والدستور السوري

29 أيلول 2019

يمكن تعريف التشبيح بأنه سلب حقوق الآخرين بالقوة، مهما تكن هذه الحقوق، وتجاهل كل الأنظمة والقوانين التي وضعت لحماية هذه الحقوق، والدعس على رجالها المخولين بالدفاع عنها، أي أجهزة الشرطة والأمن والقانون.

ليست ظاهرة التشبيح ظاهرة عابرة في سوريا، وليست محض حوادث، قد وقعت هنا وهناك، قام بها أفراد طائشون، استغلوا قرابتهم لرئيس البلاد؛ فارتكبوا أفعالهم المشينة على الملأ، وأمام أعين رجال الأمن والشرطة في وضح النهار.

 إن حافظ الأسد، وشقيقه رفعت، هم من أسسوا ظاهرة التشبيح، ودعموها، واستغلوها، فجعلوا منها كابوساً، يرزح مواطنو سوريا تحته.  وإن من مارس فعل التشبيح علانية- في البداية- هو: رفعت الأسد، هذا "الغضنفر" الذي وجد نفسه قادراً على استباحة من يريد، وما يريد في سوريا، بكل سهولة وبلا أية مساءلة، متكئاً على سلطة أخيه، التي هي سلطته، متوهماً أن سوريا أرض صفصف، وأنه وأخاه بناتها  وقادتها، وأن من حقه بالتالي: أن يجيّر ما يراه مفيداً لسلطته الثورية التي تحكم سوريا لمصلحته. وعليه، فقد صادر رفعت الأسد أملاك الدمشقيين وغيرهم، واستولى على الأرض التي يشاء، واستباح آثار سوريا، وجعل سرايا الدفاع ميليشياه الخاصة، وأدارها إدارة لا تنضوي تحت نظام الجيش السوري، فوضعها فوق المحاسبة، وفوق القوانين التي تنظم علاقة الجيش بالمجتمع. ثم، على غرار رفعت أنشأ أفراد العائلة عصاباتهم الخاصة. وهكذا عرفت اللاذقية أولاً بدايات هذه الظاهرة، وعرفت بشاعاتها واستهتارها. وقد كان السوريون يتساءلون ببساطة شديدة: لماذا لا يضع الرئيس حداً لهم؟.

حُكي في اللاذقية: إن مواطناً تعرضت ابنته للاختطاف من أحد شبيحة آل الأسد، تمت عملية الاختطاف نهارا وأمام أعين مئات المشاهدين وعلى باب المدرسة الثانوية التي تدرس فيها.

في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، في حادثة من حوادث التشبيح الكثيرة، حُكي في اللاذقية: إن مواطناً تعرضت ابنته للاختطاف من أحد شبيحة آل الأسد، تمت عملية الاختطاف نهارا وأمام أعين مئات المشاهدين وعلى باب المدرسة الثانوية التي تدرس فيها.

احتجزت الفتاة عدة أيام، وتم اغتصابها، ثم أطلق سراحها. كانت صدمة العائلة كبيرة، وكان القهر والعجز ينيخان على البيت المنكوب، وكان الأب المحاصر بعجزه، لا يعرف كيف يرد الإهانة البالغة التي لحقت به وبعائلته. وقد كانت المقولة التي انتشرت في سوريا، وازدهرت – ولا تزال- فيها، بما هي مقولة غير قابلة للنقاش، والتي يمكن اختصارها: إن الرئيس وأفراد عائلته الصغرى، لا يقبلون ممارسات كهذه، وإنها عائلة نبيلة، لكن الأقرباء سيئون، ويستغلون اسم العائلة. وعليه، لم يكن أمام الأب المنتهك سوى هذه المقولة؛ ليسند عجزه إليها، فلا قضاء يمكنه أن يفعل شيئاً، ولا طاقة له كفرد على مواجهة مغتصب مدجج بأسلحته ومرافقته وسطوته، فراح الأب يحاول مقابلة حافظ؛ كي يخبره بما حدث؛ ليقتص الرئيس العادل من الغاصب المستهتر. وقد كان أن شاءت الأقدار موت قريب- من الدرجة الأولى- لأنيسة مخلوف زوجة الرئيس. وتوقع الرجل أن: لابد أن يحضر حافظ الأسد التعزية. فقام الرجل بالتوجه إلى قرية آل مخلوف "بستان الباشا"، وانتظر هناك عله يحظى بمقابلته. وقد حضر حافظ الأسد فعلاً؛ فاندفع الرجل لمقابلته، وكان عناده وإصراره كافيان؛ لأن يتمكن من إيصال طلبه؛ فسمح له بالمقابلة، وما إن وصل الرجل إلى المكان الذي يجلس فيه حافظ الأسد حتى أجهش بالبكاء، وبعد أن فاض ضعفه وقلة حيلته بكلمات المديح، قدم شكواه منفعلاً: إن مجرماً من عائلة الأسد، اختطف ابنته، واغتصبها. وبعد، لم يهتم حافظ الأسد لاغتصاب الفتاة، ولا لقهر أبيها المفجوع؛ لأن ما استفزه، وأغضبه، هو: وصف الرجل أحد أفراد العائلة بالمجرم!! يومها، كان رده الوحيد للرجل: إن اغتصاب أحد أفراد العائلة لابنتك، هو شرف لك ولعائلتك. ولم يكن أمام الرجل سوى الصمت، فصمت.

تلخص الحكاية بتكثيف شديد: كيف اشتغل حافظ الأسد على نشوء ظاهرة الشبيحة، وكيف رعاها لهدفين:

الأول- هو ترويع الناس وزجهم بمواجهة أفراد منفلتين وعارين من أي ضمير، ومن أي قيم، ومن أي رادع، وعجز القانون عن محاسبتهم أو التصدي لهم.

الثاني- هو حصر إمكانية التصدي لهذه العصابات المنفلتة به وبابنه باسل، الأمر الذي يمنحه وابنه صفتين أساسيتين، هما: القوة، والخير. فيعزز المقولة السائدة: إن العائلة الصغرى، هي المنقذة، وهي الساعية إلى تحقيق الحق والعدالة.

كانت منطقة الساحل من حين إلى آخر- بعد أن يضج الناس بتجاوزات عصابات الشبيحة- تشهد مسرحية تافهة، يسبقها إشاعات كثيرة، تتولى أجهزة المخابرات إشاعتها: عن قدوم المخلص باسل الأسد لمحاسبة هذه العصابات وإيقافها عند حدها. كما لو أننا في فيلم هوليودي متقن الإخراج، وتبدأ العملية، وتنقل تفاصيلها بإثارة بالغة، وتزداد أسطورة الباسل وعظمته ومكانته داخل المجتمع. لكن أحداً لم يكن يتوقف عند الظاهرة الملازمة، وهي: أن القانون لم يتدخل، وأن أجهزة الأمن لم تتحرك لمنع هذه الظاهرة، ولم يكن أحد يسأل علانية: لماذا لا يحاكم هؤلاء في المحاكم؟ ولم يكن أحد يفسر: لماذا تعود هذه العصابات دائماً- بعد فترة قصيرة- إلى سابق عهدها وقوتها واستباحتها. فقط، كان هناك ضحايا في كل فصل من فصول مسرحية العبث هذه، لكن أحداً لم يكن يهتم لمصير هؤلاء المساكين، الذين قد يقتلون في مواجهات الوهم مع عصابات الشبيحة التي يقودها البطل ابن البطل. وقد كان أولئك البسيطون الذين كانوا يتوهمون، أنهم وبحكم وظيفتهم، ولأنهم في بلد يحكمه رجل حكيم عادل، ولأن الباسل ضد الشبيحة، وقد عاقبهم؛ فإنهم قادرون على التصدي لبعض ممارسات هؤلاء الشبيحة، وقد يتوهم شرطي سير، لم يفهم اللعبة جيداً، أنه يستطيع توقيف سيارة تسير بسرعة كبيرة في اتجاه معاكس، أو أن يتوهم عنصر جمارك، أنه أصبح قادراً- بعد ملحمة الباسل المغوار- على منع شحنة التهريب الكبيرة التي تمر أمامه، أو أخذ رشوة كبيرة مقابل تمريرها… هؤلاء البسطاء كانوا يقتلون، أو يسرحون، أو يتعرضون لضرب مبرح.

ما حكم سوريا طوال حكم عائلة الأسد، هو: التشبيح. أما ما حصل تجاهله، وعده غير ذي أهمية، هو: أن التشبيح لم يبق مقتصراً على التهريب، ولا على استباحة أملاك الغير؛ لأنه تمدد حتى صار ظاهرة تتحكم بسوريا كلها.

ما حكم سوريا طوال حكم عائلة الأسد، هو: التشبيح. أما ما حصل تجاهله، وعده غير ذي أهمية، هو: أن التشبيح لم يبق مقتصراً على التهريب، ولا على استباحة أملاك الغير؛ لأنه تمدد حتى صار ظاهرة تتحكم بسوريا كلها: من أروقة المحاكم والقضاء، إلى استباحة الجامعات والتعليم، إلى التغلغل في باقي أقسام الجيش والمخابرات والشرطة…حتى البرلمان والسياسة.

عندما انفجرت الثورة السورية، سارع بشار الأسد إلى إطلاق يد عصابات التشبيح، بعد أن وسّعها، ونظّمها، وجعل منها أداته الموثوقة، وجعل من ضباطه المخلصين مشرفين عليها، ثم وجدت هذه العصابات فرصتها في أن تستثمر قوتها لصالح جهات أخرى، فارتبط قسم منها بإيران الأغنى والأقوى، واشترت روسيا بعضها.

يظن بشار الأسد أنه قادر الآن على أن يلعب دور باسل الأسد المخاتل في لجم هذه العصابات، لكنه واهم، لقد أصبحت هذه العصابات أكبر منه. وهكذا، فالشبيحة قادمون إذاً، مدججون بماضيهم، وبعلاقاتهم التي امتدت خارج سوريا، وها هم يتحضرون؛ ليلبسوا ثوب الدستور الجديد.

أنقرة ستعلن عن موقفها النهائي حول إدلب بعد مباحثات اليوم بموسكو
رتل عسكري تركي من المدافع والدبابات يدخل إلى إدلب (صور)
نصفها محاصر.. 30 نقطة تركيّة في الشمال السوري (خريطة)
أربعة مدنيين ضحايا قصف النظام وروسيا على ريفي حلب وإدلب
تمديد المباحثات الروسية التركية حول إدلب إلى يوم غدٍ
100 مخيم جديد.. مليون مهجّر يعيشون في أكثر من 1200 مخيم في إدلب
إيران حاضرة في حلب ومقتل قائد في "الحرس الثوري"
875 ألف مدني نزحوا هرباً من قصف النظام وروسيا على إدلب
64 دبابة وهدفاً.. حصيلة ما دمرته الجبهة الوطنية في أسبوعين
وفاة أول مصاب بكورونا في أوروبا وارتفاع عدد الوفيات بالصين
أكثر من 1300 حالة وفاة بـ "كورونا" ونحو 60 ألف إصابة في الصين
مشفى بعشرة أيام ومشفى على الورق