icon
التغطية الحية

التسويات مع رجال أعمال من حقبة الأسد.. استقرار أم إعادة تدوير للمال؟

2025.08.03 | 17:00 دمشق

آخر تحديث: 2025.08.03 | 17:03 دمشق

A bank worker shows journalists $2 million in cash in the Central Bank of Syria
The New Lines Magazine- ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- تشهد سوريا مرحلة انتقالية معقدة تتضمن اشتباكات وغارات، مع محاولات لرسم ملامح "جمهورية ما بعد الأسد"، وسط تسويات اقتصادية مثيرة للجدل مع رموز النظام القديم.
- تحقيقات تكشف عن "صفقات الضرورة" التي تتضمن إعادة هيكلة الأصول، مما يثير مخاوف من تكرار سيناريوهات مشابهة لمصر، حيث قد يُعاد تدوير الطغيان تحت مسمى التعافي الاقتصادي.
- تواجه الحكومة تحديات في تحقيق التوازن بين المحاسبة والاستقرار الاقتصادي، مع غياب سابقة عربية للعدالة الانتقالية، مما يثير تساؤلات حول الشفافية والمحاسبة.

في وقت تتصدر سوريا العناوين مجددًا؛ من اشتباكات السويداء بين الدروز والبدو، إلى الغارات الإسرائيلية التي استهدفت مواقع الجيش، تكشف الساحة السورية عن مرحلة انتقالية بالغة الهشاشة والتعقيد، تطفو فيها على السطح صراعات خفية لا تقل خطورة عن تلك الظاهرة. وفي ظل محاولات رسم ملامح "جمهورية ما بعد الأسد"، نشرت مجلة نيو لاينز تحقيقًا موسعًا يسلط الضوء على أحد أكثر الملفات حساسية: تسويات اقتصادية خلف الكواليس مع رموز النظام القديم مقابل تنازلات مالية ضخمة، وسط جدل محلي محتدم حول الشفافية والعدالة.

التحقيق، الذي يأتي بعد تحقيق استقصائي نشرته وكالة رويترز، يفتح نافذة على ما قد يكون بداية "صفقات الضرورة" في سوريا الجديدة، حيث تصطدم شعارات المحاسبة بمقتضيات الاستقرار، وتتشابك مصالح الدولة الناشئة مع شبح رجال أعمال اغتنوا من خراب البلاد. فهل تمهد هذه المرحلة لتكرار مأساة أخرى على النمط المصري، أم أن سوريا قادرة على تجنب فخ إعادة تدوير الطغيان باسم التعافي؟

 

 

يعرض موقع تلفزيون سوريا هذا التقرير في إطار التغطية الإعلامية للملفات المتعلقة بواقع المحاسبة والعدالة الانتقالية في سوريا، مع الإشارة إلى أن ما ورد فيه يعكس رؤية المجلة ومصادرها، ويُقدّم كمادة تحليلية تساعد على فهم طريقة تناول الإعلام الدولي للملف السوري، من دون أن يُعد توثيقاً شاملاً لكامل المشهد أو تبنياً لاستنتاجاته.

 

وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:

 

تصدرت سوريا عناوين الأخبار مؤخراً لأسباب كثيرة، أهمها الاشتباكات التي وقعت في مطلع هذا الشهر بين البدو والدروز في محافظة السويداء والغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت بلا أي مبرر الجنود السوريين ثم العاصمة. ولكن الصورة الكلية للعملية الانتقالية المفترض حدوثها في سوريا لتقيم فيها شيئاً من الديمقراطية بعد تداعي الدولة الأسدية التي كانت أشبه بكابوس شمولي ضاعت كلها وسط ملحمة لا تنتهي من دوامة الأخبار اليومية.

قدم تحقيق نشرته وكالة رويترز خلال الأسبوع الماضي لمحة عن أحد جوانب هذه العملية الانتقالية، والمتمثل بالجهود التي تبذلهما حكومة الرئيس المؤقت أحمد الشرع لإحياء الاقتصاد السوري المدمر من خلال لجنة كلفت ظاهرياً بإعادة هيكلة وتوزيع الأصول التابعة لحكومة الأسد وأتباعه الفاسدين من رجال الأعمال، وقد تم ذلك في بعض الأحيان عبر منحهم حصانة من العقاب مقابل تسليم الحصة الكبرى من تلك الأصول.

تسببت تلك الصفقات بظهور جدل كبير نظراً لتكسب أقطاب الأعمال هؤلاء من الحرب بطريقة غير مشروعة، كما أنهم دعموا دولة تلطخت يداها بدماء شعبها، وكذلك بسبب ما وصفته رويترز بغياب المحاسبة والشفافية في عمل اللجنة.

تواصلت مجلة نيو لاينز مع ممثلين عن الحكومة السورية حاولوا تكذيب النتائج التي خلص إليها تحقيق رويترز، وذكروا بأن التسويات التي تعمل السلطات على تحقيقها مع رجال أعمال من عهد الأسد لما تنته بعد، كما أنها لا توفر لهم الحصانة والإفلات من العقاب عند قيام تحقيقات حول جرائم الحرب.

اشتكى هؤلاء أيضاً من توصيف رويترز لما تبذله الحكومة من جهود بالعمليات "المكيافيلية" و"المشبوهة"، وذلك عبر ما ورد على لسان أحد العاملين في القطاع المصرفي اطلع على تلك المحادثات، ورأوا بأن المفاوضات أمر ضروري لتمنع تقويض التعافي الهش للبلد، كما ذكروا بأن اللجنة تأسست بموجب مرسوم رئاسي نشر على العلن.

تحديات ومعضلات

وبذلك، احتلت عملية الانتقال السياسي بسوريا المقعد الأخير في خضم الأزمات المتشابكة التي ظهرت للحكومة، بدءاً من العنف الطائفي والمذهبي في الساحل والسويداء، وصولاً إلى عملية رفع العقوبات وتأمين الاستثمارات الأجنبية، والسيطرة على الثوار الذين أسقطوا الأسد وحاربوا التدخل الأجنبي.

غير أن هذه الحلقة المتمثلة بتحقيق رويترز ورد الفعل الساخط الذي أبدته الحكومة التي تسعى جاهدة لإصلاح بلد شوهته خمسة عقود من حكم أعتى الأنظمة وأضعفها كفاءة في التاريخ الحديث، تسلط الضوء على بعض التحديات الكبرى التي ماتزال هذه العملية الانتقالية تفرضها، بعد مرور أقل من عام على هروب بشار الأسد من البلد ولجوئه إلى موسكو.

 

كما تميط هذه الحلقة اللثام عن مخاطر وملامح بعض المعارك التي لابد للبلد أن يخوضها وهو يمر بهذه العملية الانتقالية الهشة، فمن جهة أولى هنالك ناشطو المجتمع المدني الذين يطالبون بالشفافية، إلى جانب معاقبة ونزع مخالب أولئك الأشخاص الذين تربحوا من الشقاء الذي عاناه الناشطون والناشطات خلال فترة الحرب التي أنكهت البلد، مع إغلاق الباب من دون عودة تلك الفئة من المتربحين، وهؤلاء الناشطون محقون في مطالباتهم، ومن جهة ثانية، نجد الحكومة بين مطرقة الدافع الذي يحثها على مكافأة من والوها، وسندان الحاجة لعدم تخويف المستثمرين في وقت تقوم الحكومة بإعادة رسم ملامح الاقتصاد السوري المدمر.

ثروة حمشو الورطة

يرمز محمد حمشو إلى الاقتصاد الراسخ لنظام الأسد، فهو شخصية تكنوقراطية تلقت تعليماً عالياً، لكنها تحولت إلى شخصية أوليغارشية (تتبنى منظور حكم القلة الثرية من أبناء البلد)، فقد زادت ثروته مع زيادة ولائه للبطانة المقربة من بشار الأسد، إذ تورط في مجموعة كبيرة من المصالح التجارية بسوريا، كان من بينها تصنيع آليات كهربائية، ومواد كيماوية ومعدنية، والإنتاج الفني التلفزيوني، ناهيك عن عمله في قطاع السياحة والزراعة وتأجير السيارات، وتصنيع البوظة، وكل تلك الصناعات استخدمت كواجهات لعمليات تجارية كانت تخضع لسيطرة ماهر الأسد، شقيق الرئيس وأحد كبار المتنفذين في البلد.

عند سقوط الأسد، كان حمشو خارج سوريا، لكنه عاد في بداية عام 2025، إذ كشفت مقاطع فيديو وصور انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعبر موقع درج وهو منصة إعلامية مستقلة بأنه يخضع لحماية ضباط في الأمن العام يتبعون للحكومة السورية الجديدة، وهذا ما أثار انتقادات حادة أطلقها ناشطون غاضبون بسبب عودة أحد أعوان الأسد للعيش في دمشق بشكل علني تحت حماية الدولة. لكن حمشو ذهب أبعد من ذلك، وذلك عندما رفع دعوى ضد أحد الناشطين بحجة تشويهه لسمعته إثر نشره صوراً له، ليعود ويسقط تلك الدعوى بعض تعرضه لضغوط.

ترمز ثروة حمشو إلى الورطة التي تواجه حكام سوريا الجدد، وذلك لأنه يخضع لعقوبات دولية، لكنه يتمتع بالحماية في بلده، بما يوحي بإعادة تأهيل شخصية يحتقرها الجميع، بما أنها تمثل واجهة لإعادة ضبط الوضع الاقتصادي بعد الأسد، ولذلك يخشى المعارضون بأن يتسبب ذلك بإحلال نخبة محل نخبة أخرى بكل بساطة.

تدور الفكرة الأساسية للتحقيق الذي نشرته رويترز حول تنفيذ عملية إعادة هيكلة الاقتصاد السوري بالسر على يد شخصيات مقربة من الشرع، وعلى رأسها شقيقه حازم الذي رافقه في زيارة إلى السعودية، إلى جانب أسترالي خاضع للعقوبات يعرف باسم إبراهيم سكرية. وخلال تأدية هذه العملية، أبرمت اللجنة الاقتصادية التي تترأس عملية إعادة هيكلة الاقتصاد صفقات مع أباطرة التجارة من أمثال حمشو، وذلك حتى تخصص لنفسها قسماً كبيراً من ثرواتهم مقابل إفلاتهم من المحاسبة وتمكينهم من متابعة أعمالهم.

جاء في تحقيق رويترز بأن حمشو وأحد كبار الموالين للنظام البائد والخاضعين للعقوبات، وهو سامر فوز، تنازلا عن شطر كبير من أموالهم مقابل إفلاتهم من العقاب. فقد تنازل حمشو عن نحو 80% من أصوله التجارية، والتي تقدر قيمتها بأكثر من 640 مليون دولار، ولم يتبق له سوى حوالي 150 مليون دولار، في حين احتفظ أفراد أسرته بشركاتهم.

غير أن أحد مسؤولي الحكومة الكبار دحض ذلك، متذرعاً بأن مثل هذه الصفقات لما تبرم بعد، لكنه اعترف بأن بعض تلك الصفقات قد وصلت إلى مراحل متقدمة من التفاوض.

وجاء على لسان هذا المسؤول الكبير قوله: "إن التهمة التي تقول بأن مبلغ مليار وخمسمئة مليون دولار قد جمعت من رجال الأعمال تهمة باطلة برمتها، إذ حتى تاريخ نشر تلك المقالة، لم تبرم أي تسوية من تلك التسويات، وفي حين وصلت بعض المفاوضات إلى مراحل متقدمة، فإن أياً منها لما يبرم بعد، وبمجرد أن تبرم أي تسوية بشكل رسمي على يد الحكومة، سيصدر بيان رسمي بذلك يشتمل على معلومات مفصلة".

وذكر ذلك المسؤول بأن هذه الصفقات لن تحمي أقطاب المال أيام نظام الأسد في حال تورطهم بارتكاب جرائم حرب، وقال: "ألمحت رويترز بأنه مقابل تلك التسويات، يحصل أباطرة المال والأعمال على عفو "يهدد بإغضاب الشعب السوري المطالب بالعدالة" وهذا الزعم كاذب، لأن ما يحدث في الحقيقة هو شكل من أشكال المحاسبة، على الجرائم المالية والفساد على وجه الخصوص، وهذه التسويات لا تقدم حصانة من أي جريمة ارتكبت بحق الشعب السوري، لأن تلك الأمور بعيدة كل البعد عن ذلك، ومنفصلة عن السعي المتواصل لتحقيق العدالة في تلك القضايا. غير أن إقامة عملية محاسبة حقيقية تحتاج إلى وقت وتحقيق دقيق، وتطبيق للقانون على وجه صحيح، ولهذا فإن التعجل في تنفيذ تلك العمليات يهدد بتقويض العدالة التي يطالب الشعب بها بما أنها حق من حقوقه".

"فيلم إثارة سياسية"

اعترضت الحكومة أيضاً على وصف اللجنة المشرفة على عملية إعادة بناء الاقتصاد بأنها لجنة سرية تضم ثواراً مدججين بالسلاح لا يفصحون إلا عن أسمائهم الحربية ويسيرون على هدي الأخلاقيات "المكيافيلية"، ولذلك وصفت التحقيق بأنه أشبه بـ"فيلم إثارة سياسية".

يعلق على ذلك المسؤول السابق فيقول: "يسعى التحقيق لتصوير عملية إعادة الهيكلة الاقتصادية لسوريا على أنها عملية مشبوهة تنفذها عناصر فاعلة سرية، بدلاً من تصويرها كسعي ضروري لنشر الاستقرار في بلد مدمر يخضع لضغوط كبيرة"، واستشهد المسؤول بالمرسوم الرئاسي الذي تأسست اللجنة بموجبه، والذي ذكرت فيه أسماء المسؤولين الأعضاء فيها، وأضاف بأن هذا المرسوم متاح ليطلع عليه من يريد، بيد أن قائمة أسماء الأعضاء لا تشتمل على اسم حازم الشرع وسكرية، إذ ذكرت رويترز بأن شقيق الرئيس الحالي يشرف على هذه اللجنة وعلى صندوق الثروة السيادي الذي تأسس منذ فترة قريبة، أما سكرية فهو من يترأس اللجنة ويتمتع بسلطة تخوله رفض قرارات المصرف المركزي. لكن الحكومة أنكرت كل ذلك، إذ ذكر المسؤول بأن سكرية ليس أكثر من مستشار تستعين به اللجنة ولا يتمتع بأي سلطة على المصرف المركزي.

حددت الحكومة أهدافها البعيدة التي تسعى لتحقيقها من خلال إجراء تسويات مع رجال أعمال من حقبة الأسد، وذكرت بأنها خيرت كثيرين منهم ما بين الذهاب إلى المحاكم أو الخضوع لتسوية مباشرة مع اللجنة، وذلك بعد إجراء تحقيق مفصل حول العلاقات التي تربطهم بالنظام البائد وأموالهم وكيف جمعوها، وذلك بحسب ما ذكره ذلك المسؤول. ولكن في معظم الحالات، كان أقطاب المال والأعمال هم من بادروا بالتواصل مع الدولة.

 

 

يعلق المسؤول على ذلك بالقول: "في الوقت الذي تلتزم الدولة باسترداد ديونها، تفكر أيضاً بتفادي كل ما يعطل الاقتصاد من دون أي داع، والهدف من ذلك ليس تفكيك المشاريع والشركات التجارية، بل السماح لها بمواصلة عملها، وإبقاء الموظفين في وظائفهم، بما يدعم الاقتصاد على نطاق أوسع، إذ يعبر هذا النهج عن حالة توازن ما بين المحاسبة والاستقرار الاقتصادي".

وهذا ما ينسجم مع النتيجة التي خلص إليها تحقيق رويترز والتي ترى بأن الحكومة واجهت ورطة كبيرة تمثلت بخيارين: إما فتح تحقيقات مرهقة ومعقدة حول الجرائم المالية لإدانة شخصيات موسرة تعرف أسرار المحاكم السورية التي مايزال معظم قضاتها يشغلون المناصب ذاتها التي شغلوها أيام حكم الأسد، أو الاكتفاء بحجز الأصول وتأميمها، وهذا ما قد يخيف المستثمرين.

يتابع المسؤول شرحه فيقول: "لا داعي للقول بأن معظم رجال الأعمال المرتبطين بنظام الأسد قد اغتنوا بشكل كبير من خلال أساليب غير قانونية، كان من بينها تمويل آلة الحرب التي استعان بها الأسد وذلك ليحموا وليزيدوا من خلال ذلك ما حققوه من أرباح عبر الفساد والأساليب غير القانونية، ولذلك أصبح تشكيل لجنة كهذه ضرورة لاستعادة جزء على الأقل من تلك الأموال وتوزيعها من جديد بما يخدم الصالح العام".

اعترف المسؤول بأن الشركات التي كانت تعمل خارج إطار القانون والمنافسة الشريفة، عمدت في بعض الأحيان إلى تمويل جرائم النظام البائد بشكل مباشر، كما كانت تشتري العقود بالرشوة والاحتكار وغير ذلك من الأساليب القذرة. وتحدث المسؤول أيضاً عن عقود وتنازلات أبرمتها الدولة مع كيانات لها ما يربطها بجرائم الحرب، ومن بينها مؤسسات تابعة لحزب الله وإيران وروسيا.

كيف السبيل إلى التعامل مع كل هذه الفوضى؟

بات من الواضح بأن سوريا بحاجة لمزيد من المحاسبة والشفافية في أثناء سعيها للمضي قدماً في المرحلة الانتقالية، وذلك على خلفية التحديات اللامتناهية التي تعترض سبيل تعافي البلد. فالبلد لن يعاد بناؤه على المسكنات التي كان اقتصاد الحرب يستعين بها، بل يجب أن يبني من جديد مجتمعاً أصيب بصدمات كثيرة بعد خمسة عقود من الوحشية والظلم الممنهج والمستمر والذي يتجاوز حدود احتمال البشر.

ثمة حجج دامغة لضرورة قيام المحاسبة وكذلك لضرورة وجود تسويات براغماتية، فمعظم أقطاب الأعمال هؤلاء تواطؤوا في الحقيقة على تدمير أبناء وبنات جلدتهم، سواء من خلال التربح من الحرب، أو تمويل الميليشيات بشكل مباشر، أو عبر تعزيز الفساد المستشري والاستفادة منه، والذي حول البلد إلى مزرعة لآل الأسد وأعوانهم. لذا فإن السماح لهؤلاء بلعب دور في سوريا خلال المرحلة الانتقالية يهدد بإعادة عناصر النظام البائد وعودتهم للتآمر ضد حكام البلد الجدد، تماماً كما حدث لمحاولة مصر القصيرة في التحول إلى دولة ديمقراطية، فقد أحبطت تلك المحاولة على يد الفلول وهم من تبقى من صرح الدولة الفاسدة التي بناها الرئيس الأسبق حسني مبارك.

ومع ذلك هنالك حجج قوية تؤيد فكرة المحافظة على استقرار الاقتصاد والسماح بظهور ما يشبه مظاهر الحياة الطبيعية وذلك بهدف امتلاك المعرفة وتوفير الضمانات للمستثمرين، سواء من القطاع الخاص أو الذي تدعمه الدولة، بما يؤكد لهم التزام سوريا مستقبلاً بحكم القانون وابتعادها عن أي شكل من أشكال اجتثاث البعث ضمن المستوى الاقتصادي لأن ذلك يمكن أن يغرق البلد بالفوضى.

ظهرت حالة توتر صريحة بين المحاسبة والتسويات البراغماتية التي أبرمت مع موالين للنظام البائد منذ فترة قريبة، وبحسب ما ذكره ناشطون وناشطات في مجال العدالة الانتقالية، فإن هذا الأمر تحول إلى مصدر كبير للاختلاف خلال مناقشاتهم مع الرئيس وكبار المسؤولين.

يخبرنا أحد قادة المجتمع المدني عن ذلك فيقول: "قالوا لنا: لن نمنعكم عن رفع قضايا جنائية أمام المحاكم لمقاضاة هؤلاء الأشخاص، فتلك عملية منفصلة".

إلا أن ما يقلق الناشطين والناشطات هو أن تسمح تلك التسويات لبعض الشخصيات البارزة أيام حكم الأسد بالتهرب من المحاسبة على نطاق أوسع، ورأوا بأن تلك التسويات يمكن أن تأتي كمتمم للدعاوى القضائية لا كبديل عنها.

يعارض مسؤولون في الحكومة هذه الفكرة، عبر تأكيدهم على العملية المنسقة التي وضعوها، إذ يعرض على هؤلاء الأفراد خياران، أولهما الخضوع للدعاوى والمحاكم أو السعي لتحقيق تسوية عبر التفاوض مباشرة مع اللجنة، ويؤكد المسؤولون بأن هذه التسويات تخص الجرائم المالية فحسب، ولا تعطي أي حصانة من الخضوع للقضاء بالنسبة لأي جرم آخر، ويشمل ذلك انتهاكات حقوق الإنسان.

ولكن، وبصرف النظر عن طريقة تنفيذ هذه العملية، فإن سوريا المقسمة تشهد عملية انتقالية دقيقة وحساسة، وعلى الرغم من وجود كثير من الأدبيات الدولية حول الطرق التي يمكن من خلالها للعدالة الانتقالية أن تعزز الإحساس بالوحدة الوطنية، يفتقر العالم العربي لسابقة أو ممارسة فضلى لتلك العملية بما يساعد الحكومة الجديدة في سوريا على الاسترشاد بهديها.

 

المصدر: The New Lines Magazine