التربية في زمن الاستبداد

التربية في زمن الاستبداد

الصورة
30 آب 2019

محمد جمال طحان

باحث استشاري في العلوم الإنسانية

إن التربية غير مقصودة ولا مقدورة في ظلال الاستبداد إلاّ ما قد يكون بالتخويف من القوة القاهرة، وهذا النوع يستلزم انخلاع القلوب لا تزكية النفوس. فالاستبداد يفسد التربية، وإذا فسدت التربية فسدت الأمة، كما أنه ليس في الأمة الأسيرة من يعتني بالتربية، لأن حالة عدم الاطمئنان التي يعيشها الأسرى تُضعف في نفوسهم الغيرة على تحمّل مشاق التربية. ويكفيهم انغماسهم في تحصيل الملذات الآنية، غير مدركين فائدة التربية. وأبعد الناس عن التربية هم الفقراء، لأنهم يعيشون واقع المعاناة في ألزم لزوميات حياتهم اليومية. وهذا لا يعني أن الأغنياء لا يعانون من واقع الاستعباد. إلا أنهم، إلى حد ما، يمارسون استبداداً ما على سواهم من المُعدمين. ومعاناة الناس، في أكثرها، وليدة التربية التي تدعو إلى الاستسلام والخضوع، وإلى محاولة التكيف مع الوضع الذي يفرضه الاستبداد، هذا هو ملخص آراء الكواكبي التي أوردها في كتابه "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" في فصل: التربية والاستبداد.

أسير الاستبداد

إن أسير الاستبداد معرّض لسلب المال والشرف في أي وقت، لذلك تقل همّته على العمل، وأمله الوحيد هو أن يحتفظ بالقليل مما يحصّله من المال محاولاً إخفاءه عن أعين الناس والتظاهر بالفقر والفاقة خوفاً من فقدانه. "ولهذا ورد في أمثال الأسراء.. أن العاقل من يخفي ذهبه وذهابه ومذهبه، وأسعد الناس الصعلوك الذي لا يعرف الحكام ولا يعرفونه، فليس أمام الناس، في ظل حكم استبدادي، إلا التكتم والتقيّة والحيلة لإخفاء أموالهم خشية فقدانها في زمن يسمح الحكّام فيه بالنهب والسلب. كما يضطر الناس إلى إخفاء أفكارهم وتحركاتهم وآمالهم، فضلاً عن اضطرارهم إلى إخفاء معتقداتهم، لأن كشف مالا يرضى عنه المستبد يعرّض حامله إلى السجن والتعذيب، وربما القتل.

إن حياة هؤلاء البؤساء كلها خلل في خلل، وذلك يجعلهم هيّني النفوس، يعتقدون أنهم لا يستحقون حتى الفُتات الذي يُنعم عليهم به المستبد، ويرون أنفسهم جاهلين عاجزين لا يمكنهم العيش إلا بمساعدة آسرهم

إن الأمة المستبَدّة (بفتح الباء)، بأغنيائها وفقرائها، تعيش في وطن لا تملك منه شيئاً، وإن الذي يستأثر بخيرات البلاد، كلها، هو المستبدّ الذي يوزع على أعوانه ما يشاء. أما المواطنون فلا حقوق لهم في موطنهم، وما هم إلا أشياء، شأنهم في ذلك شأن الأشياء الأخرى، كالشجر والحيوانات والأموال …، وما هم إلا وسيلة يتوسلها المستبد ليرضي أهواءه الخاصة، ويشكّلها وفق مزاجه الشخصي. إن حياة هؤلاء البؤساء كلها خلل في خلل، وذلك يجعلهم هيّني النفوس، يعتقدون أنهم لا يستحقون حتى الفُتات الذي يُنعم عليهم به المستبد، ويرون أنفسهم جاهلين عاجزين لا يمكنهم العيش إلا بمساعدة آسرهم. ويعيش الأسير في بلبلة فكرية، مختل الشعور، غير قادر على التمييز بين الخير والشر، مريض الجسم يشيخ قبل أوانه، لا ناموس له ولا إرادة، كالحيوان. ومن أين لأسير الاستبداد أن يكون صاحب ناموس وهو كالحيوان المملوك العنان، يقاد حيث يراد، ويعيش كالريش يهب حيث يهب الريح، لا نظام ولا إرادة ؟!.

إن طفل الأسْرِ ينشأ على تلقي المشاكسة والمخاصمة، يعاني وهو طفل من ضغط القماط، وضيق الفراش، والغذاء الفاسد. وإذا افتكرنا كيف ينشأ الأسير في البيت الفقير وكيف يتربّى، نجد أنه يلقح به وفي الغالب أبواه متناكدان متشاكسان، ثم إذا تحرك جنيناً حرك شراسة أمه فشتمته، لا يمكنه أن يلعب لضيق مساحة البيت وعصبية والديه مما يعانيانه من ضغط الأسر، ولا يستطيع أن يستفسر عما يريد فهمه خشية أن يُضرب أو يزجر لضيق خُلق أبويه وجهلهما. ثم يألف القذارة وصيغ الشتائم التي يتعلمها من زملائه في المدرسة، بعدئذٍ يتولى المستبدون إكمال إفساده بالتضييق على عقله ولسانه. وهكذا يعيش الأسير من حين يكون نسمة في ضيق وضغط، يهرول ما بين عتمة هم ووادي غم، يودع سقماً ويستقبل سقماً إلى أن يفوز بنعمة الموت مضيعاً دنياه مع آخرته، فيموت غير آسف ولا مأسوف عليه.

إن الأسرى يتأقلمون ووضع الاستبداد ومتطلباته، فهو جعل الرعية خادمة للرعاة فقبلوا وقنعوا، ولم يقوموا إلاّ بردّ فعل سلبي تجاه الظلم الواقع عليهم، فيقابل واحدهم التجبر عليه بالتذلل والتصاغر، وإذا تصادف أن طالب الأسير بحق من حقوقه فإنه يفعل ذلك على صيغة استعطاف، وكأنه يطلب إحساناً لاحقاً. والأسير يتهاون في حقوقه، حتى إذا ضُرب أو شُتم فإنه يتصرف سلبياً، فهو إما أن يتجاهل ذلّه، أو يلجأ إلى مداواته بتعطيل إحساساته بالمخدرات والمسكرات، أو بالتظاهر بأن الدين يأمر بالتسامح، فيسلك مسلك الرياء والنفاق، ويردد مع المرددين بأن الدنيا سجن المؤمن، وأن المؤمن مصاب، وأن الله إذا أحب عبداً ابتلاه … إلى غير ذلك، مما أدخله في أذهانهم مثبّطو العزائم، ورافعو لواء الاستبداد.

 

أهميّة الوعـي

يشير عبد الرحمن الكواكبي في كتابه "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" إلى أهمية وعي الإصلاح معلناً ((إن احتياجنا العام إلى الإصلاح بالغ فينا حتى إلى لزوم الإصلاح في تفهّم معنى لفظة الإصلاح ولذلك نبتدئ بتعريف الإصلاح أنه في اصطلاح السياسيين إزالة المفاسد وإكمال النواقص وموضوعه تنظيم الإدارة السياسية وغايته حصول السعادة العمومية وهي بغية الكل في الكل)).

ولقد أثبت الحكماء المدقّقون بعد البحث الطويل العميق، أنّ المنشأ الأصلي لكل شقاء في بني حواء هو أمر واحد لا ثاني له: ألا وهو وجود السلطة القانونية منحلّة ولو قليلاً لفسادها، أو لغلبة سلطة عليها.

كما أنّ علماءهم صاروا يَسْتُرون جُبنهُم بجعلهم التحدّث في الأمور العموميّة والخوض فيها من الفضول والاشتغال بما لا يغني، وأن إتيان ذلك في الجوامع من اللغو الذي لا يجوز، وربّما اعتبروه من الغيبة أو التجسس أو السعي بالفساد؛ فسرى ذلك إلى أفراد الأمة، وصار كل شخص لا يهتمّ إلاّ بخويصة نفسه وحفظ حياته في يومه، ذاهلاً عن أنَّهُ مدني الطبع، لا يعيش إلاّ بالاشتراك، ناسياً أو جاهلاً أوامر الكتاب والسنّة.

والخلاصة: أنَّ المستبدّ يخاف من العاملين الراشدين المرشدين، لا من العلماء المنافقين أو الذين حفرت رؤوسهم محفوظاتٌ كثيرة كأنّها مكتبات مقفلة!

وقد اتَّفق الحكماء الذين أكرمهم الله تعالى بوظيفة الأخذ بيد الأمم في بحثهم عن المهلكات والمنجيات، على أنَّ فساد الأخلاق يُخرج الأمم عن أن تكون قابلة للخطاب، وأنَّ معاناة إصلاح الأخلاق من أصعب الأمور وأحوجها إلى الحكمة البالغة والعزم القوي، وذكروا أنَّ فساد الأخلاق يعمُّ المستبدَّ وأعوانه وعماله، ثمَّ يدخل بالعدوى إلى كلّ البيوت، ولا سيما بيوت الطبقات العليا التي تتمثَّل بها السفلى. وهكذا يفشو الفساد، وتمسي الأمة يبكيها المحبُّ ويشمت بها العدو، وتبيت وداؤها عياء يتعاصى على الدواء.

وقد سلك الأنبياء عليهم السلام، في إنقاذ الأمم من فساد الأخلاق، مسلك الابتداء أولاً بفكِّ العقول من تعظيم غير الله والإذعان لسواه. وذلك بتقوية حسن الإيمان المفطور عليه وجدان كلّ إنسان، ثمَّ جهدوا في تنوير العقول بمبادئ الحكمة، وتعريف الإنسان كيف يملك إرادته؛ أي حريته في أفكاره، واختياره في أعماله

وقد سلك الأنبياء عليهم السلام، في إنقاذ الأمم من فساد الأخلاق، مسلك الابتداء أولاً بفكِّ العقول من تعظيم غير الله والإذعان لسواه. وذلك بتقوية حسن الإيمان المفطور عليه وجدان كلّ إنسان، ثمَّ جهدوا في تنوير العقول بمبادئ الحكمة، وتعريف الإنسان كيف يملك إرادته؛ أي حريته في أفكاره، واختياره في أعماله، وبذلك هدموا حصون الاستبداد وسدّوا منابع الفساد.

ثمَّ بعد إطلاق زمام العقول، صاروا ينظرون إلى الإنسان بأنَّه مكلَّف.

ختم الكواكبي حديثه بالقول: إن أول خطوة على طريق الترقّي هي أن تعترفوا بعجزكم وأخطائكم، وأن تكفّوا عن الحلم بما ليس في الإمكان.

وليبدأ الإصلاح بإصلاح التعليم، واستقلال القضاء، وتحديث القوانين، وتحسين الاقتصاد وفق أحدث النظريات العلمية فالحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها سعى إلى طلبها. وعلى رأس الأولويات لابد من التخلي عن ديمقراطيتكم الخاصة أو الشرائع التي ترون أنها تناسب كل بلد على حدة. الإنسان إنسان وحقوقه واحدة، لذلك لا يكفي أن نرفع شعارات المساواة والحرية والديمقراطية بل لابد من السعي فوراً إلى تحقيقها فعلياً، وإلاّ فعلى الأمة السلام، وطوبى للذين يتّعظون بادئين بما سعيت في طلبه أوّلاً، ألا وهو إطلاق حرية الصحافة والتعبير.

شارك برأيك