icon
التغطية الحية

التربة السورية على حافة الموت.. كيف سمّمت الحرب الأرض وهددت مستقبل الزراعة؟

2026.07.20 | 22:45 دمشق

آخر تحديث: 2026.07.20 | 22:48 دمشق

التربة السورية على حافة الموت.. كيف سمّمت الحرب الأرض وهددت مستقبل الزراعة؟ - تلفزيون سوريا
التربة السورية على حافة الموت.. كيف سمّمت الحرب الأرض وهددت مستقبل الزراعة؟ - تلفزيون سوريا
 تلفزيون سوريا - دمشق
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- تدهور التربة السورية: شهدت تدهورًا حادًا مع انخفاض المادة العضوية من 2.5% إلى أقل من 0.4%، وارتفاع سمية المعادن الثقيلة مثل الكادميوم والرصاص، مما جعلها غير صالحة للزراعة.

- التحديات البيئية والمناخية: يفاقم الاحتباس الحراري من تدهور التربة عبر تقليل الأمطار وارتفاع الحرارة، مما يؤدي إلى تراكم الأملاح وزيادة خطر الانجراف الريحي والمائي.

- استراتيجيات التعافي والتجديد: تشمل إنشاء معامل دبال، والزراعة الحافظة، وزراعة النباتات الماصة للمعادن الثقيلة، واستخدام الجبس الزراعي لتحسين التربة، بهدف استعادة صحتها خلال 15 عامًا.

انخفضت المادة العضوية في التربة السورية من 2.5% قبل الحرب إلى أقل من 0.4% اليوم. هذا ليس مجرد رقم، بل إعلان وفاة بطيء للأفق السطحي، المعروف علمياً بـ"الأفق أ"، الذي يحمل 90% من الحياة الميكروبية التي تجعل التربة تُنتج.

وبحسب ما جاء في تقرير منظمة السلام الهولندية "باكس"، ارتفعت سمية المعادن الثقيلة، بما فيها الكادميوم والرصاص والزرنيخ، في التربة القريبة من مناطق النزاع والحراقات بنسبة تتراوح بين 1000% و2000%. وبذلك، فإن التربة السورية لم تتضرر فحسب، بل تسممت.

ووفقاً لبيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو" والمنظمات الشريكة، فإن 75% من الأراضي الصالحة للزراعة في سوريا شهدت تدهوراً حاداً في الإنتاجية، كما أن 85% من الأراضي الزراعية المتروكة تواجه خطراً حاداً من الانجراف الريحي والمائي.

انتهت الحرب في كانون الأول/ ديسمبر 2024، لكن الأرض السورية لم تخرج بعد من معركتها. الحرب تركت في التربة جروحاً لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تُقاس بالمليغرامات والميلي-كولومب والنسب المئوية. والأخطر أن هذه الجروح تتسع مع كل موسم زراعي يمر من دون تدخل علمي منهجي.

انفوغراف
الشكل 1: انهيار الزراعة السورية — مقارنة بين مؤشرات عام 2010 وتموز 2026

الأفق السطحي يموت.. استنزاف الدبال وتفكك المعقد الطيني-الذبالي

التربة السورية من النوع الكلسي-الطيني، وهي تربة كلسية طينية رملية، غنية بالمعادن الثانوية، لكنها هشة بنيوياً عند فقدان الغطاء النباتي. ويحمل الأفق السطحي، أو "الأفق أ"، الذي يمتد بين 15 و30 سنتيمتراً في الهضبة السورية، 85% من الكربون العضوي و90% من الكائنات الحية الدقيقة.

وعندما انخفضت المادة العضوية من 2.5% إلى 0.4%، لم يتبخر الكربون فحسب، بل تفكك المعقد الطيني-الذبالي الذي يُثبت جسيمات التربة ويُحافظ على سعة التبادل الكاتيوني.

شرح تخصصي: ما سعة التبادل الكاتيوني؟

سعة التبادل الكاتيوني هي قدرة التربة على الاحتفاظ بالعناصر الغذائية الموجبة الشحنة، مثل الكالسيوم والمغنيسيوم والبوتاسيوم والأمونيوم، في مواقع التبادل على سطح جسيمات الطين والدبال.

وكلما ارتفعت سعة التبادل الكاتيوني، زادت قدرة التربة على تغذية النبات. وفي التربة السورية، تراجعت سعة التبادل الكاتيوني من 25-30 ملي-كولومب/100 غرام إلى أقل من 12 ملي-كولومب/100 غرام.

وهذا يعني أن التربة فقدت قدرتها على الاحتفاظ بالعناصر الغذائية الأساسية: النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم.

كذلك، انحرفت نسبة الكربون إلى النيتروجين من المعدل المثالي 10:1 إلى 4:1، ما أدى إلى تحلل سريع للنيتروجين وتسربه إلى المياه الجوفية بدلاً من امتصاصه من قبل النباتات.

ملاحظة حقلية من ريف حماة

في زيارة ميدانية لحقول القمح في ريف حماة، خلال يونيو 2026، لاحظتُ أن التربة السطحية كانت مسحوقةً تقريباً: لا رائحة للدبال، ولا لزوجة للطين، ولا وجود للديدان.

وعندما ضغطتُ كتلة التربة بين يديّ، تفتتت كالغبار. هذا ليس تآكلاً عادياً، بل موت بيولوجي للأفق السطحي.

انفوغرافيك
الشكل 2: أنواع تدهور التربة في سوريا والنسب المئوية للمساحات المتضررة (2026)

تسميم الجذور.. المعادن الثقيلة تُفقد التربة قدرتها على التجدد

لم يكن القصف المباشر السبب الوحيد لتدهور التربة، إذ أطلقت الحراقات المستمرة لآبار النفط والمخلفات العسكرية كميات هائلة من المعادن الثقيلة إلى التربة.

وبحسب ما جاء في تقرير منظمة السلام الهولندية "باكس"، ارتفعت تركيزات الكادميوم بنسبة 1500%، والرصاص بنسبة 1800%، والزرنيخ بنسبة 1200% في التربة القريبة من مناطق النزاع.

وترتبط هذه المعادن بجسيمات الطين وتُصبح غير قابلة للذوبان، ما يُسمم الجذور النباتية ويُعطل عمل الإنزيمات المسؤولة عن امتصاص العناصر الغذائية.

ويتنافس الكادميوم مع الزنك والحديد على مواقع الامتصاص في الجذور، في حين يُدمّر الرصاص الميتوكوندريا في الخلايا الجذرية، أما الزرنيخ فيُحوّل الماء إلى سموم تُسربها النباتات إلى الحبوب.

تحذير

التربة التي تحتوي على أكثر من 3 مليغرامات/كيلوغرام من الكادميوم تُصنف تربةً مسمومةً وغير صالحة للزراعة.

وفي بعض مناطق حلب والرقة، تجاوزت النسبة 45 مليغراماً/كيلوغرام. هذه ليست تربة. هذه مقبرة.

الشكل 3: ارتفاع سمية المعادن الثقيلة في التربة السورية — بيانات تقرير منظمة السلام الهولندية (2024)
الشكل 3: ارتفاع سمية المعادن الثقيلة في التربة السورية — بيانات تقرير منظمة السلام الهولندية (2024)

جدول بؤر التلوث في التربة السورية

جدول

الاحتباس الحراري.. مضاعف للمخاطر يدفع التربة نحو نقطة اللا عودة

الاحتباس الحراري لا ينتظر انتهاء الحروب. وفي سوريا، يعمل بوصفه مضاعفاً للمخاطر.

فقد تراجعت الأمطار بنسبة تتراوح بين 15% و25% عن المعدل التاريخي، بينما ارتفعت درجات حرارة الصيف بمعدل 1.7 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.

ويُسرّع هذا الارتفاع الأكسدة الحرارية للمادة العضوية، إذ إن كل درجة حرارة إضافية تعني تسارع تحلل الكربون بنسبة 10%.

لكن الأخطر هو ما يحدث في باطن التربة، إذ يُسرّع ارتفاع الحرارة تبخر الماء من مسامها، ما يُنشئ فراغاً هيدروليكياً يسحب الأملاح من الطبقات العميقة إلى السطح عبر الخاصية الشعرية.

شرح تخصصي: كيف تصعد الأملاح إلى سطح التربة؟

الخاصية الشعرية هي قدرة الماء على الحركة ضد الجاذبية داخل مسام التربة الضيقة.

وعندما تتبخر المياه السطحية بفعل الحرارة، تنشأ قوة شعرية تسحب المحلول الملحي من الطبقات العميقة، أو "الأفق ب"، نحو السطح.

ومع تكرار هذه الدورة، تتراكم الأملاح في الأفق السطحي وتُشكل قشرة ملحية صلبة تُدمّر الجذور وتُحول التربة إلى طبقة غير نافذة.

وتُدمّر الملوحة السطحية الجذور، وتُرسّب الأملاح في الأفق السطحي، ما يُحوّل التربة إلى طبقة صلبة غير نافذة للماء أو الهواء.

وفي نطاق حوض الفرات وحزام الجزيرة، تملحت 40% من الأراضي المروية، في حين تراجع منسوب المياه الجوفية في قطاع السهول الوسطى والشمالية بمعدل 3 أمتار سنوياً.

تحذير من نقطة اللا عودة

أي تأخير في التدخل لمدة 5 سنوات إضافية سيدفع التربة نحو نقطة اللا عودة: سيتراجع الكربون العضوي إلى أقل من 0.2%، وسيتفكك المعقد الطيني-الذبالي بالكامل، وستسقط سعة التبادل الكاتيوني إلى أقل من 8 ملي-كولومب/100 غرام.

وعندها، لن تكفي 50 عاماً لاستعادة التربة.

حلول اختراقية.. من المختبر إلى الحقل السوري

التجديد ليس رفاهية، بل ضرورة وجودية. وفي سوريا، يجب أن يكون التجديد واقعياً وعلمياً.

ولا يمكن انتظار حلول مثالية في ظل موارد محدودة وهيكل مؤسسي يُعاد بناؤه. ما تحتاج إليه سوريا هو حلول قابلة للتنفيذ فوراً، بموارد متاحة، وبأثر مُثبت.

أولاً: معامل الدبال الإقليمية

تُنتج سوريا 2.5 مليون طن سنوياً من المخلفات العضوية الحضرية، و800 ألف طن من الجفت وماء العصر.

وهندسياً، يمكن تدوير هذه المواد في معامل إقليمية لإنتاج الدبال عالي الجودة بمعدل 15 طناً/هكتار سنوياً.

ويُعيد الدبال بناء المعقد الطيني-الذبالي، ويرفع سعة التبادل الكاتيوني بنسبة 40% خلال 3 سنوات.

تجربة ميدانية في ريف إدلب

في تجربة ميدانية نفذتها منظمة الأغذية والزراعة في ريف إدلب بين عامي 2023 و2025، أظهرت قطع أراضٍ عوملت بـ12 طناً/هكتار من الدبال المُحوّل ارتفاعاً في سعة التبادل الكاتيوني من 11 إلى 16 ملي-كولومب/100 غرام خلال 18 شهراً فقط.

أما المحاصيل التالية، فقد ارتفع إنتاج القمح فيها من 0.7 إلى 1.4 طن/هكتار.

الدبال يعمل، لكنه يحتاج إلى بنية تحتية للتدوير.

ثانياً: استراتيجية التشجير كمصدات مناخية

تقوم الاستراتيجية على إعادة إدخال الأحزمة الخضراء من الأشجار الحراجية المحلية، كالبطم السوري والسنديان، لتثبيت التربة فيزيائياً.

كما تشمل زراعة الأشجار المثمرة المتحملة للجفاف، كالفستق الحلبي واللوز، لدعم استقرار المزارعين اقتصادياً.

ثالثاً: الزراعة الحافظة

يخفض تطبيق نظام عدم الحراثة التبخر بنسبة 30%، ويُحافظ على بنية التربة.

وفي الزراعة الحافظة، تُترك بقايا المحاصيل السابقة على السطح بوصفها غطاءً عضوياً يُقلل من تبخر الماء ويُغذي الكائنات الحية الدقيقة.

رابعاً: المعالجة الحيوية

تعتمد المعالجة الحيوية على زراعة الخردل الهندي والقصب الهندي لامتصاص المعادن الثقيلة من التربة الملوثة.

ويمتص الخردل الهندي الرصاص بنسبة 85% خلال موسمين زراعيين، في حين يمتص القصب الهندي الزرنيخ والكادميوم، ويُثبت التربة فيزيائياً بجذوره العميقة التي تمتد حتى 3 أمتار.

كيف تعمل المعالجة الحيوية؟

تمتص النباتات المُجمعة للمعادن الثقيلة العناصر السامة عبر الجذور، وتُخزنها في الأنسجة الخشبية أو الأوراق.

وبعد موسم أو موسمين، تُحصد النباتات وتُعالج بوصفها مخلفات خطرة.

ولا تُزيل هذه العملية التلوث فوراً، لكنها تُخفض التركيزات بشكل تدريجي وآمن، وبتكلفة أقل بـ80% من التقنيات الكيميائية-الفيزيائية.

خامساً: الجبس الزراعي في المناطق المالحة

يقوم الحل على تطبيق 2-3 أطنان/هكتار من الجبس الزراعي لاستبدال الصوديوم بالكالسيوم وتحسين بنية التربة في نطاق حوض الفرات.

ويحل الجبس، وهو كبريتات الكالسيوم المائية، محل أيونات الصوديوم المُحيطة بجسيمات الطين، ما يُحسن التكتل ويُعيد المسامية إلى التربة.

الشكل 4: خريطة طريق تجديد التربة في سوريا — من التدهور إلى الاستعادة (2026-2041)

مصفوفة زمنية جغرافية.. 15 عاماً لاستعادة الأرض

المرحلة الأولى (2026-2028): التطهير والتقييم

تبدأ المرحلة الأولى بتطهير الألغام ورسم خرائط دقيقة للتدهور في جميع النطاقات الجغرافية.

وفي نطاق حوض الفرات وحزام الجزيرة، تشمل الإجراءات تركيب أنظمة ري بالتنقيط بدلاً من الري بالغمر، وتطبيق طنين/هكتار من الجبس الزراعي.

أما في قطاع السهول الوسطى والشمالية، فتتضمن الخطة إنشاء مصدات رياح حيوية بطول 200 كيلومتر، وزراعة الخردل الهندي للمعالجة الحيوية.

وفي نطاق المرتفعات الجنوبية والمصاطب الساحلية، تقوم الإجراءات على هندسة المدرجات الحجرية للحد من التآكل المائي وتثبيت التربة.

المرحلة الثانية (2029-2032): الزراعة الحافظة والدبال

تتضمن هذه المرحلة إدخال الزراعة الحافظة في 40% من الأراضي المزروعة، وإنشاء 5 معامل دبال إقليمية.

وتُركز المرحلة على إعادة بناء البنية الميكروبية للتربة من خلال الغطاء النباتي المستمر والدبال المُحوّل.

المرحلة الثالثة (2033-2036): التعافي المتسارع

تستهدف المرحلة الثالثة رفع الكربون العضوي إلى 1.5% واستعادة 65% من صحة التربة.

وفي هذه المرحلة، تبدأ التربة باستعادة قدرتها على الاحتفاظ بالماء والعناصر الغذائية، ويُلاحظ تحسن واضح في إنتاجية المحاصيل.

المرحلة الرابعة (2037-2041): الاستعادة الكاملة

تهدف المرحلة الرابعة إلى رفع الكربون العضوي إلى 2.5%، واستعادة 85% من صحة التربة و82% من التنوع الميكروبي.

هذه ليست أحلاماً. هذه هندسة.

"التربة السورية تموت ببطء. لكنها لم تمت بعد. الكربون العضوي انخفض إلى 0.4%، لكنه لم يصل إلى 0.2% حيث تبدأ نقطة اللا عودة. المعقد الطيني-الذبالي تفكك، لكن جسيمات الطين لا تزال موجودة تنتظر الدبال لإعادة تجميعها."

الحقيقة.. التربة يمكنها التجدد

تراجعت سعة التبادل الكاتيوني إلى 12 ملي-كولومب/100 غرام، لكنها لم تسقط إلى 8، حيث تصبح التربة مقبرة.

الوقت ليس حليفاً. كل موسم زراعي من دون تدخل يعني خسارة 0.1% إضافية من الكربون العضوي. وكل صيف حار يعني سحب المزيد من الأملاح إلى السطح. وكل ربيع من دون أمطار كافية يعني تفككاً أعمق للمعقد الطيني.

لكن العلم يملك الإجابة، والهندسة الزراعية تملك الأدوات، والأرض السورية تملك التاريخ.

ما نحتاج إليه هو الإرادة، والإرادة تبدأ بمعرفة الحقيقة. وهذه هي الحقيقة: التربة السورية يمكنها التجدد، لكنها تحتاج إلى 15 عاماً من العلم والصبر والموارد. أقل من ذلك، سنخسرها إلى الأبد.

ملاحظة حقلية أخيرة

في نهاية كل زيارة ميدانية، أسأل نفسي سؤالاً واحداً: هل ما زالت هذه التربة تتنفس؟

إذا وجدتُ ديداناً، أو رائحة دبال، أو حتى بقعاً رطبة تحت القشرة الجافة، فالإجابة هي نعم.

والـ"نعم" هنا تكفي لبدء العمل. التربة السورية لا تزال تتنفس، لكن أنفاسها تضعف، والساعة لا تتوقف.