أول الشعر الرجز، ومن ثم استقام وزنه، وأخذ مكانه إلى جانب الخطابة في ذاكرة الرواة. هذان الفنان الشفهيان اشتهر بهما عرب الجاهلية؛ الخطابة أولا، ومن ثم الشعر، فهو ثاني فن من فنون القول من حيث النشأة. وقد أخذ وقتا طويلا لينتقل من القول إلى الكتابة. إذ أن مرحلة التدوين بشكل عام هي مرحلة متأخرة في تاريخ العرب.
بقي الشعر مقيّدا بعلم العروض الذي وضعه الخليل ابن أحمد الفراهيدي (718-786م). إلى ما قبل منتصف القرن العشرين بقليل، مذ ذاك بدأ الشعراء بالخروج على قواعد علم العروض، وابتكار أشكال أخرى من الشعر، من تلك الأشكال الجديدة كانت قصيدة النثر، التي استفادت من خصائص الأجناس الأدبية والفنية الأخرى، ووظفتها في متن النص. فانحاز الكثير من الشعراء العرب إلى هذا النوع الجديد من الشعر، وبرز في هذا المضمار شاعران سوريان: (محمد الماغوط ورياض الصالح الحسين). وما زال نتاجهما الشعري إلى الآن يتصدر المشهد الثقافي، علما أن لكل منهما سياقه الخاص، فالماغوط بحسه النقدي ذهب إلى تعرية الأوضاع السياسية العربية:
من أورثني هذا الهلع
هذا الدم المذعور كالفهد الجبليّ
ما ان أرى ورقةً رسميةً على عتبة
أو قبعةً من فرجة باب
حتى تصطكّ عظامي ودموعي ببعضها
ويفرّ دمي مذعوراً في كل اتجاه
كأن مفرزةً أبديةً من شرطة السلالات
تطارده من شريان إلى شريان
أما رياض الصالح الحسين فقد تتبع تفاصيل الحياة اليومية، فهو يستدل على المعنى المراد من خلال توظيف تلك التفاصيل، سواء في الاحالات، أو المقارنات، أو التشبيهات:
الحب ليس غرفة للإيجار
نتركها ببساطة ونرحل
مخلفين الصور القديمة والغبار
وأعقاب السجائر
الحب ليس أغنية جميلة نتعلمها بغتة، وننساها بغتة
كما ننسى، عندما نكبر، الطفولة واللعب وحليب الأمهات
الحب ليس حبة أسبرين
نتناولها عندما نشعر بالصداع
وليس نكتة خفيفة
نتداولها في أوقات الضجر
الحب ليس وردة للزينة
ولا كأسًا مكسورة لسلّة المهملات
الحب..
شهادة ولادة دائمة نحملها برأس مرفوع
لنخترق شارع المذبحة
هذان الشاعران الكبيران فتحا باب التجريب على مصراعيه، وكانا قدوة للأجيال اللاحقة من كتّاب قصيدة النثر. إلا أن الشعر لم يتوقف عندهما، كما لم يتوقف عند شعراء العصر الجاهلي، والعصور اللاحقة:
عاجلا
سينهال علينا هذا الوقت
كنا قد سبقناه بنصف حزن
نحن الذين آمنوا بالصبر فقدنا الإيمان بالنجاة
مجتمعين
لا قصةَ أخبرُكَ بها هذا المساء
تعالَ إليّ عارياً من أحلامِك
ربما نتعلم صنع حلوى من مكونين
أنا وأنت
نقرأ كتابا في فن اللامبالاة
نتحسس الذاكرة
نسعد لبرودة الذكريات
نشرب سجائر رديئة
نضحك فيتناثر الجوع من سعالنا الجاف
ثم نطعم ضمائرنا لقطة الجيران
ونلوذ بصمت العزلة
في هذا النص تعتمد بسيمة أمينو على تداعي الرغبات، وكأنها تحّرر مونولوجا بينها وبين نفسها، لتقول إن هذه الحياة التي تمرّ من خلال البنية اللغوية كما يقول جاك دريدا، تقوم على الاحالات، ولذلك من الصعب امساك معنى وحيد ومحدد لها. وهذا ما جعل الفلاسفة ينظرون إلى الشعر بعينين مفتوحتين، من حيث أنه ليس مجرد نوع أدبي، ولا هو وسيلة للتعبير وحسب، بل هو جسر إلى الحقيقة، ومكان إقامة للإنسان حسب تعبير مارتن هايدغر.
***
أقفُ في المنتصف تماماً
لا أصعدُ ولا أهبطُ
يدفعني إلى هذا تعبٌ موروث
يشدُّني إلى ذاك ندم من العيار الثقيل
لا أثقُ ولا أشكُّ
أتبعُ في الأولى حدس ذئب
يسكنني منذ آخر خيبة
وأستسلمُ في الثانية لنوايا امرأة
تجيدُ تربية القطط والخسارات
لا أنسى ولا أتذكّرُ
أدخرُ لكلٍّ منهما قلباً باستطاعة نصف حصان
أحرصُ أن يعملا ببلادة وصمت
وألاّ يتركا أثراً
يمكن أن يثيرَ شفقة عدوٍّ ما
لا أشتاقُ ولا أنتظرُ أن يشتاقني أحدٌ
كانت نصيحة عابرة من صديق لئيم
أراد أن يلفتَ انتباهي مرة
إلى أن الفيزياء علمٌ حياديٌّ ونبيلٌ
وأردتُ أن أصدِّق ذلك
لحاجة ما في نفسي
يتوغل عماد أحمد في الحكاية أكثر، إذ تبدو سياقاته التعبيرية وكأنها تحت سلطة الذاكرة، فيرسم عدة لوحات لموضوع واحد. فتتحول وظيفة اللغة الشعرية من الرمز إلى المعنى. وبذلك يتكشف عالم الشاعر، أو كما يقال بلغة الفلاسفة تتكشف حقيقة الذات ومنظورها للعالم والأشياء. وما الشعر إن لم يكن كشفا؟ وكأنه يريد أن يقول لنا أن الأحلام التي تجلس على باب النوم يكتبها الشعراء، وينشغل في تفسيرها النقاد والفلاسفة.
في النقد يمكن أن نذهب إلى الفروق القائمة بين قصيدة النثر والشعر العمودي، من حيث أن تلك الفروق واضحة جليّة، ويمكننا أن نلاحظ استفادة الشعراء وتوظيفهم للفنون بأشكالها، والآداب بأنواعها في متن نصوصهم. أما الفلسفة فإنها تذهب أبعد من ذلك، لأنها غير معنيّة بدراسة الأدب كفن، بل في دوافعه، ورسالته.
خلف علي الخلف في قصيدة "خبز ملوّن" هو الآخر يعتمد لغة الحكاية، ولكنه من خلال سرد مبسط، يقوم بما يسمى "التفكيك البنائي" واستبدال التداولي بالانتقائي:
(الرغيف لا يفكر؛ لا يحزن أيضا، ولا ينتابه القلق مثل "بان كي مون" ولا يخاف الطائرات.
لا يعرف اليد التي تحمله، صحيح أنه يمنحها الدفء إذا كان خارجا للتو من الفرن، لكنه لا يقيم علاقة عاطفية من أي نوع معها، ولا يحزن لمصيرها إذا تطايرت في الهواء؛ سواء كانت لطفل أو أرملة عجوز، أو شاب تزوج حديثا، وعليه أن يثبت لزوجته أنه قادر على إطعامها في ظل الحرب.
هذا الرغيف المرمي على الأرض؛ بجوار القتلى نجا من المجزرة دون معجزة؛ فالرغيف لا يموت.
لو كان الرغيف يحزن؛ لفكر بمصيره المجهول بعد المجزرة، فمن يأكل خبزا ملطخا بالدم؟ّ!)
هذا السياق السردي-الوصفي الهادئ يتناقض بوضوح مع منهج اللسانيات الحديثة التي ترى اللغة شبكة من الرموز، فهو يثير إشكاليات انفعالية عديدة، ومتباينة دون الحاجة إلى تأويل، إذ يبدو وكأن الشاعر قد تحرر من الموقف السياسي المباشر، والشجب والاحتجاج، ووضع خلاصة الموقف في تلك الخاتمة التي أخذت شكل الصفعة: "من يأكل خبزا ملطخا بالدم؟ّ!". وهذا يعيدنا إلى مارتن هايدغر الذي يرى أن لغة الشعر "ينبغي ألّا تكون فعلاً يرمز للمَعْنى من خلالها، بل فعلاً نكتشف من خلاله عالم الكائن".
وكثيرا ما يكون التداخل بين قصيدة النثر وبين القصة القصيرة جدا، وغالبا ما يكون هذا النوع مبنيّا على المفارقة، والتكثيف، وكلاهما واضح في قصيدة النثر:
في عمّانَ..السماءُ قريبةٌ
يمكنكَ في اللّيلِ
أن تقطفَ نجمتين
وتهديهما لحبيبتك
في هذه الومضة يحاول سليمان نحيلي أن يرسم وجها خاصا للغربة، من حيث أن مدلول السماء القريبة لا يعني العلاقة مع الله، بل ضيق الأفق. يؤكد ذلك المقطع التالي:
أبي الذي قاتلَ في حربين
حربانِ لم تُخلِّفا في جسدهِ ندبةً واحدة
الآن في المنفى
تغزوهُ النّدوبُ
وفي كلا المثالين المبنيين على المفارقة يرسم الشاعر جسرا بين فكرتين، فهو يستبدل وجعا بآخر، دون أن يذكر الألم!
من الملاحظ أن أكثر ما استفادت منه قصيدة النثر ليس تجاوزها لأوزان الخليل وحسب، بل الحشد اللفظي غير المتكلف، والغموض الذي يكتنف الفكرة، لننظر في هذا النص للكاتب موسى رحوم عباس:
انظروا خلفكم
لعل خيول الكلام التي ترمح خلف المجاز تجوز بكم
نحو النجاة بأحلامكم!
أو لعل الطريق تطول؛ فيرتد الصدى على جانبيها
لنسمعها
هناك الكثير من الايحاءات المتجاورة التي تتحكم بها حساسية الشاعر، وليس قواعد الشعر! بمعنى آخر هذا النوع ينتمي للّغة النشيطة، اللغة المتحركة. أو ما يسمى الكثافة اللفظية، هذه اللغة عادة تستعمل في التعبير عن الرؤية فهو يتجاوز أمثلتنا السابقة التي اعتمد فيها الشعراء على اللغة البسيطة، والمقاصد الواضحة.
وثمة نصوص تقول بوضوح أن الشعر فن وسيلته اللغة، لذلك تراها حافظت على فنية النص من خلال بيانها اللغوي:
يسألني زوجي
ألم يتصل صديقنا؟
أخجل عنك
أتابع طي الجثث في خزانة التوثيق
ولا أطرف بعيني نحوه وهو يحاول جاهداً
ربط سروال الصبر على بطن الفاجعة
هباب
لا شيء مرّ من هنا
لا أحد
لم نرفع النخب من على هذه الطاولة
لم نذهب سوياً الى البحر
لم نتناقش بسر شعبية عبد الحليم حافظ
كنتَ قريباً في لحظة أنيقة
وكنا حقيقيين في تلك اللحظة الغادرة
في هذا النص تذهب رماح بوبو في صياغة نصها إلى الصناعة اللفظية دون أن تقع في تجاوزاتها. هذا التذوق اللغوي يعتمد على الجمل الإخبارية، وهو ليس سائدا بين كتاب قصيدة النثر، إذ أنه يقتضي تنظيم إيقاع النص من خلال ترتيب المقدمات والنتائج.
مما تقدم، يبدو أن قصيدة النثر قادرة على عرض الموصوف من خلال مادته، ودلالاتها، وبذلك تخلق حركتها، وتترك أثرها. فهي بناء فني متكامل وليست خواطر مبعثرة.