التخلي طواعية.. آخر معارك الخصوصية

التخلي طواعية.. آخر معارك الخصوصية

التخلي طواعية.. آخر معارك الخصوصية

تاريخ النشر: 12.01.2021 | 00:01 دمشق

آخر تحديث: 12.01.2021 | 11:39 دمشق

أثار قرار تطبيق WhatsApp تعديل شروط الخصوصية جدلاً واسعاً خلال الأيام القليلة الماضية، لاسيما أن التطبيق التابع لإدارة فيسبوك، لم يخير المستخدمين بقبول أو رفض التعديلات المقترحة بل وضع على طريقة الاستفتاءات الجماهيرية في الديكتاتوريات العربية خياراً واحداً هو الموافقة "Agree" تحت طائلة الإجبار ابتداء من تاريخ 8 من شباط/ فبراير القادم.

معركة محتدمة

الصيغة الإلزامية الاستفزازية السابقة استفزت، كما هو متوقع، شريحة معتبرة من المستخدمين الذين نظموا حملات تنادي بالمواجهة وعدم الاستسلام متسلحين بوجود تطبيقات أخرى توفر هذه الميزة بصرامة أكثر. ولم تضع تطبيقات مثل " Signal" و "telegram" الفرصة الذهبية المتاحة حتى دخلت على خط المواجهة الكبرى. فبينما اختار telegram المواجهة الضمنية عبر مقطع قصير يظهر فيه وفاة WhatsApp بعد التحديثات الجديدة، قرر Signal المواجهة المباشرة متهماً إدارة فيسبوك باستخدام سياسة الإعلانات المدفوعة لإظهار تطبيقها الشهير "Messenger" في قائمة الخيارات عند قيام المستخدمين بالبحث عن كلمة "Signal" في المتجر الإلكتروني واعداً في الوقت عينه المستخدمين أنَّ بياناتهم الشخصية ستبقى وللأبد ملكهم.

 

 

تشير البيانات الإحصائية إلى موجة نزوح كبيرة لمستخدمي تطبيق WhatsApp، الأمر الذي يطرح تساؤلاً كبيراً عن دوافع هذا القرار وأسبابه وإصراره على المضي به مرحلياً على الأقل

وبقراءة أولية تشير البيانات الإحصائية إلى موجة نزوح كبيرة لمستخدمي تطبيق WhatsApp، الأمر الذي يطرح تساؤلاً كبيراً عن دوافع هذا القرار وأسبابه وإصراره على المضي به مرحلياً على الأقل.

وفي رأينا، فإن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب الوقوف عند التحولات في عادات وسلوك المستخدمين والتغيرات التي طرأت على مقاربتهم لمسألة الخصوصية وملكيتهم لبياناتهم الشخصية في استخدامهم لوسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي.

انقلاب سلوكي

خارج ثنائية الواقعي/ الافتراضي التي حكمت الأدبيات الأكاديمية حول وسائل التواصل الاجتماعي خلال العقدين الأخيرين، مثلت مسألة الخصوصية وحماية البيانات الشخصية حاجزاً نفسياً أمام منصات التواصل الاجتماعي الكبرى في مسعاها الدائم لزيادة عدد المستخدمين، وحجة قوية لمختلف الأصوات المناوئة لأعمق تحول اتصالي شهدته البشرية في تاريخها. وقد فاقمت سهولة عمليات اختراق الحسابات الشخصية والتعدي على البيانات الشخصية من هذه المعضلة إلى درجة أضحت بحد ذاتها هاجساً يؤرق المشغلين الكبار مثل فيسبوك وتوتير..إلخ. ولمواجهة أي تداعيات مستقبلية، حرصت المنصات على إعطاء مستخدميها انطباعاً، قد لا يكون حقيقياً بالضرورة، وأن حساباتهم ستكون صعبة الاختراق وأن تواصلهم سيكون مصاناً وبياناتهم كذلك باستثناء الاطلاع على تفضيلاتهم لتسهيل عملية اقتراح المحتوى والإعلانات التجارية بالدرجة ذاتها ضمن معادلة تضمن رضاً نسبياً من شريحة كبيرة من المستخدمين.

وبقيت هذه المعادلة قائمة تحكم علاقة المنصات التقليدية مع المستخدمين حتى ظهرت تطبيقات ومنصات جديدة مثل Snapchat وInstagram تقوم في فلسفتها على مشاركة الخصوصية مقابل التواصل والتأثير. والمفارقة بمكان أن تطبيق Snapchat رفع شعار حماية "الخصوصية المُشاركة" من خلال تمكين المتلقي من الاطلاع عليها دون القدرة على حفظها أو إعادة مشاركتها. وهي الخاصية التي أعاد انستغرام تدويرها أو إعادة اختراعها بطريقة أخرى من خلال خاصية "close friend". 

بكلمات أخرى، ما كان يعد بالمفهوم السيسولوجي خصوصية تميز تفاعلنا الاجتماعي في الواقع أضحى مادة للافتراضي بطريقة تستحضر الواقع وتقدمه بطريقة انتقائية ومفلترة على أنها الواقع المعاش لا المتخيل أو المبتغى. وضمن هذا السياق، ظهر Tiktok الذي تصدر قائمة التطبيقات الأكثر تحميلاً خلال عام 2020 ليحدث هزة عنيفة في مفاهيم التواصل الاجتماعي القديمة ويفتح الباب لمرحلة جديدة عنوانها الرئيس "التخلي الطوعي عن الخصوصية" ثمن ووسيلة وحيدة للانتشار والتأثير.

الاتجاهات المستقبلية

ثمة إجماع ضمني على أن مستقبل وسائل التواصل الاجتماعي سيكون في منصات وتطبيقات ديناميكية مثل Instagram وTiktok، وهذا المستقبل لا يقتصر فقط على تفاعلات حياتنا اليومية بل يتجاوزه إلى المحتوى السياسي أيضاً. فعلى سبيل المثال وبخلاف ما كان متوقعاً، فإن IGTV في منصة انستغرام قد يشكل بديلاً تطبيقاً للقنوات التلفزيونية الإخبارية عن موقع يوتيوب بعد تراجع الاهتمام بالحضور عبر الأقمار الصناعية. وستصبح مكانة الفضاء الأزرق شبيهة بحكواتي الماضي الذي يطرب لسماعة فئة محدودة تنتمي لشريحة عمرية معينة.

يأتي قرار WhatsApp متماشياً مع الاتجاهات الحالية والمستقبلية للتفاعل في وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي والتي تقوم على تضحية المستخدمين بخصوصيتهم طوعاً في سبيل انتشار وتأثير أكبر واستخدام أكثر سهولة

هذه التوقعات والتخوفات أيضاً قد تفسر اندفاع منصة مثل توتير، حرصت على تقديم نفسها برصانة مبالغ بها خلال السنوات الماضية، لاستعارة تحديثات انستغرام كما هي خاصية الحالة Story، التي اعتمدتها فيسبوك في جميع منصاتها الأخرى. وعليه، يأتي قرار WhatsApp متماشياً مع الاتجاهات الحالية والمستقبلية للتفاعل في وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي والتي تقوم على تضحية المستخدمين بخصوصيتهم طوعاً في سبيل انتشار وتأثير أكبر واستخدام أكثر سهولة. 

لا شك أن المعركة الحالية عن الخصوصية هي مهمة وأساسية، لكنها صعبة مقارنة بتصوراتنا والشعارات التي ترفع الآن. فهي تفترض قبل كل شيء مراجعة سلوكنا وتصوراتنا المتخلية عن خصوصيتنا المستباحة ذاتياً قبل المخدمين. وقد لا يكون الانتهاك المقترح لخصوصيتا من قبل WhatsApp أكثر من انتهاكنا لها إذا ما قيست بطبيعة ما ينشر حالياً، عدا أن كسبها لن يكون بالأمر المتاح في ظل الهيمنة الرقمية للمنصات الكبرى التي باتت من القوة ما تستطيع به حجب رئيس الولايات المتحدة الأميركية عن مناصريه وأتباعه.

مقالات مقترحة
من عدرا إلى شمالي سوريا.. شحنة حبوب مخدرة لم تصل لمحطتها الأخيرة
في ظل سطوة يسار الأسد.. حطب التدفئة باللاذقية "حلمٌ صعب المنال"
بعد كارثة الأمطار.. الثلوج تغطّي الشمال السوري |فيديو + صور
وفيات وإصابات جديدة بكورونا في مناطق سيطرة النظام
في سوريا .. "السيادة الوطنية" تؤخر شراء لقاح كورونا
لبنان.. تمديد فترة الإغلاق الشامل إلى 8 شباط المقبل