التحريض على اللاجئين كأداة في السياسة الداخلية

تاريخ النشر: 15.05.2022 | 06:54 دمشق

يبدو أن المعارضة التركية باتت متأكدة أن ملف اللاجئين في البلاد بات من أنجع الأدوات السياسية في التحريض على الحكومة التركية في معركة التحضير للانتخابات القادمة الأكثر حسما في تاريخ تركيا، والمتوقع عقدها في موعدها المحدد في يونيو 2023، وبعد أن كنا قد رأينا ملف الاقتصاد والليرة في أوقات سابقة هو الأكثر حضورا على أجندة المعارضة في نقد التحالف القائم الذي يقود النظام الرئاسي أصبح الانتقاد الآن منصبا على قضية اللاجئين.

ويبدو أن جملة من الإجراءات التي أدت لتثبيت الليرة التركية بالرغم من استمرار ارتفاع التضخم جعلت المعارضة تنتقل إلى استخدام ملف اللاجئين بالطبع دون ترك ملف الاقتصاد تماما حيث ما زال استهداف وزير المالية وتصريحاته حتى في البرامج الكوميدية الهزلية جاريا.

من خلال استخدام ملف اللاجئين بطريقة مبتذلة وعنصرية على طريقة رئيس حزب الظفر أوميت أوزداغ المنشق عن حزب الحركة القومية، ثم عن الحزب الجيد ليظهر أحد أسوأ صور العنصرية، يتم دغدغة الوتر القومي لدى الناخب التركي. ويزيد الطين بلة التركيز على حوادث فردية قد تكون موجودة قبل قدوم اللاجئين أو يكون مردها لاختلافات ثقافية ويتم النفخ في صورتها واستخدامها في عملية التحريض.

وقد تجلى الأمر في دمج حادثتين مع بعضهما البعض الأولى هي هجرة الأطباء من تركيا إلى أوروبا لأسباب متعددة مع ملف اللاجئين العرب في تركيا من خلال إصدار فيلم قصير يشبه إسطنبول بساحة معركة بعد 20 عاما ويحمل في مقطع الفيلم شاب تركي بانفعال والديه المسؤولية عن سكوتهم عن بقاء اللاجئين في بلدهم وهجرة الأطباء لدرجة أنه ذهب للمشفى للعلاج فلم يجد من يتحدث التركية لأن الأطباء كلهم عرب ولا يجيد أي منهم التركية.

أعلن كثير من الأتراك اشمئزازهم من بعض التصريحات والمواقف العنصرية التي تعادي اللاجئين

في الواقع تناغم مع هذا المقطع كثيرون لكن الحكومة التركية اعتقلت القائم عليه واعتبرته تضليلا ودعاية للعنصرية. وفي الجهة المقابلة أيضا أعلن كثير من الأتراك اشمئزازهم من بعض التصريحات والمواقف العنصرية التي تعادي اللاجئين حتى إن بعض الشخصيات مثل بولنت يلدرم رئيس هيئة الإغاثة الإنسانية اعتبر في مقطع خاص نشره مساء 12 مايو أن الذين يستهدفون اللاجئين إنما يستهدفون المواطن التركي والجهات العاملة في المجال الإنساني لأن الحملة التي يقومون بها أبعد ما تكون عن الإنسانية والسلوك الإنساني.

على كل حال شكّل استخدام هذه الأداة من المعارضة التركية معطى جديدا في الأجندة التركية وقام رؤساء أحزاب بتعزيز هذا المحتوى بطريقة أو بأخرى وحتى المعتدل منهم نسبيا أشار إلى قضية التجنيس السياسي مع أن أعداد المجنسين لا تشير إلى دور في عملية تغيير التوزانات الانتخابية، وقد سبّب تفاعلا حيث قام ناشطون بالإشارة إلى إعلانات في المحال التجارية باللغة العربية، وأشار آخرون للتجمعات العربية ولزيارة اللاجئين السوريين لأقاربهم أو قبور أقاربهم في الشمال السوري في العيد مما زاد من حضور هذا الملف على الأجندة.

ليس من المعلوم مدى إمكانية تطبيق إعادة اللاجئين، ولكن المهم هو أن لا يتفاقم هذا الملف ويعود بالسلب على اللاجئين الذين عانوا الأمرين من خلال تهجيرهم من بيوتهم وديارهم

وعليه دخلت الحكومة التركية في معادلة لا تريد أن تظهر فيها أنها تخلت عن اللاجئين ولا تريد أن تكون رواية المعارضة عن تقصيرها في إدارة هذا الملف فاعلة مما يجعلها أمام تحد في الانتخابات القادمة، ولهذا قامت الحكومة ببعض الإجراءات تجاه المحرضين كما بدأت في الإعلان عن حملات لإعادة اللاجئين مثل الحديث عن عودة مليون لاجيء مستقبلا، وعن خطط مشاريع لبناء مدن في الشمال السوري مجهزة بالخدمات لإقامة 100 ألف حتى نهاية العام، وقد قام وزير الداخلية التركي سليمان صويلو بالذهاب إلى شمال سوريا وافتتح بنفسه إحدى المجمعات السكنية التي تم بناؤها حديثا.

ليس من المعلوم مدى إمكانية تطبيق إعادة اللاجئين، ولكن المهم هو أن لا يتفاقم هذا الملف ويعود بالسلب على اللاجئين الذين عانوا الأمرين من خلال تهجيرهم من بيوتهم وديارهم، ويعودوا مرة أخرى تحت التهديد. كما أنه يعود بالسلب على الاستقرار في تركيا في حال استمر المتشددون في تهيئة الأرضية بمزيد من خطاب الكراهية والعنصرية.

إن الجانب المشرق هنا أن هناك كثيرا من الأصوات العاقلة والداعية لمواجهة هذه الظاهرة السلبية بالحكمة وبالتوعية الإيجابية وإبعاد هذا الملف عن استخدامه في التجاذبات السياسية بطريقة غير مناسبة.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار