"التحالفات المتناقضة".. روسيا في المتاهة السورية

تاريخ النشر: 20.07.2021 | 06:31 دمشق

في الخامس من شهر حزيران الماضي بدأت "روسيا" حملة تصعيد عسكري في محافظة إدلب، متّبعة التكتيكَ ذاته الذي استعملته في معاركها السابقة ضد المناطق الخارجة عن سيطرة حليفها "بشار الأسد"، وهو استهداف المدنيين وتدمير مقومات بقائهم في مناطق سكنهم، الأمر الذي يدفعهم للنزوح، كخطوة أولى تسبق سيطرتها على هذه المناطق.

ورغم أن هناك اتفاقات كثيرة بين "روسيا" و"تركيا" فيما يتعلق بهذه المنطقة من سوريا "اتفاقات خفض التصعيد"، فإن روسيا قررت في تصعيدها هذا أن تتجاوز تفاهماتها المعلنة مع تركيا، وأن تذهب لتغيير قواعد الاتفاق (إلا إذا كانت هناك اتفاقات غير معلنة).

كانت "روسيا" متوهمة أن المشكلة السورية لا تحتاج إلا إلى حسم المعركة عسكرياً، ووضع العالم أمام معادلة قوى جديدة ترغمه على قبول الأمر الواقع

عندما اتخذت "روسيا" قرارها بالتدخل العسكري المباشر في سوريا، قبل ست سنوات، أعلنت حينذاك عن مهمة عسكرية لقواتها تستغرق ستة أشهر، لكنها اليوم، وبعد ست سنوات، تجد نفسها أمام معضلة لا حل لها، وأن هذه المتاهة التي ابتلعتها ما تزال عصيّة على الحل، وأن ثمة ما هو أكبر من تجريب مئات أنواع الأسلحة الحديثة في اللحم السوري، أو الإبقاء على طغمة مستبدة في موقع السلطة في سوريا.

كانت "روسيا" متوهمة أن المشكلة السورية لا تحتاج إلا إلى حسم المعركة عسكرياً، ووضع العالم أمام معادلة قوى جديدة ترغمه على قبول الأمر الواقع، والانتقال إلى حل سياسي يبقي على مصالحها، ويبقي على حليفها، ولهذا عقدت تحالفات بالغة التناقض مع أطراف دولية لها مصالحها المتعارضة في الملف السوري، فاتفقت مع تركيا، ومع إسرائيل، ومع إيران، ومع أميركا، وحاولت أن تقنع الجميع أن مصالحهم مصانة، وكانت حينئذ تخطط لتغيير الوقائع الميدانية وبالتالي لن يكون أمام الآخرين - بعد نجاحها عسكرياً - سوى الرضوخ.

في تحالفاتها المتناقضة كانت "روسيا" تدرك جيداً أن التوصل لأي تسوية سياسية في سوريا، يتطلب بالضرورة موافقة "الولايات المتحدة الأميركية"، ويتطلب تفاهمات وترتيبات خاصة مع القوى المتدخلة في المشكلة السورية، لذا كان عليها أن تتفاهم مع "إسرائيل" على مناطق وحجم الوجود "الإيراني"، وكان عليها أن تبقى على علاقة قوية مع "تركيا"، فهي عدا كونها لاعبا أساسيا في الأرض السورية، فإن إغراء جذبها باتجاه المحور الروسي كان هدفاً مهماً، ولا يزال،  للقيادة الروسية، وكان عليها أن تطمئن "إيران" على مصالحها في سوريا، وعليها بعد كل هذه التعقيدات أن تقنع الدول الأوروبية بالمشاركة في إعادة الإعمار، وأن تقنع الدول العربية بالتطبيع مع سلطة بشار الأسد.

رغم تراجع الاهتمام الأميركي إلى حد ما بالملف السوري لدى الإدارة الأميركية الجديدة، ورغم استعادة قسم كبير من المناطق التي كانت خارجة عن سيطرة النظام، لم تستطع روسيا حتى اللحظة أن تجد حلا لمعضلة تحالفاتها المتناقضة في سوريا، وهي اليوم مضطرة للمفاضلة بين هذه التحالفات، لكن كل خياراتها ستكون مُرّة، لأن أي طرف من هذه الأطراف قادر على هدم كل ما دفعت روسيا ثمنه من اقتصادها المتردي أصلا، "فعلى أي جانبيك تميل"؟

في تصعيدها العسكري الأخير تحاول روسيا أن تغير في معطيات الواقع، حتى لو اضطرت إلى التخلي عن بعض تحالفاتها المتناقضة، فهي تضغط على تركيا بورقة تهجير مئات آلاف السوريين من مناطق سكنهم، ودفعهم إلى حدودها، أو إلى داخلها، وهي تعلم أن هذا التهديد سوف يدفع أوروبا للإحساس بالخطر، وبموازاة ذلك فهي أيضا تحاول حقن حليفها بشار الأسد المنهار اقتصاديا، والذي أوصل السوريين تحت سيطرته إلى حافة الانفجار بسبب تردي وضعهم المعيشي إلى حدود المجاعة، عبر محاولتها حصر مرور المساعدات الأممية والتي تقدر بسبع مليارات دولار عبره، وتحاول أن تجد أطرافا عربية تدعم عودة بشار الأسد إلى جامعة الدول العربية وتدعم اقتصاده المنهار.

اليوم تبدو روسيا كما لو أنها تخلت عن صبرها الاستراتيجي المكلف في الملف السوري، ويئست من خطتها السابقة فقررت الانتقال إلى خطة بديلة بدت ملامحها تتضح بلقاء الدوحة، ثم انتخابات بشار الأسد، والاستعراض المبتذل لمراسم أداء القسم، ثم في الزيارة التي هي الأولى من نوعها منذ نحو عقد، والتي قام بها وزير الخارجية الصيني إلى العاصمة السورية دمشق، واجتماعه مع بشار الأسد، ونظيره السوري فيصل المقداد، ودعوته من دمشق إلى "احترام سيادة سوريا والتخلي عن وهم تغيير النظام".

ربما تنجح خطة روسيا في فك الحصار عن النظام السوري، وفي فتح ثغرات في المقاطعة العربية، والدولية له، وربما تنجح في فرض نظام الأسد كأمر واقع لا بديل عنه، وليس أمام المجتمع الدولي إلا القبول به رغم كل ما يحمل على أكتافه من جرائم، لكن هذا النجاح مرهون بكامله بالموقف الأميركي، فهل حصل بوتين على ضوء أخضر من بايدن على خطته في اللقاء الأخير الذي جمعهما؟

مهما تكن الخيارات التي ستمضي إليها روسيا فإن السوريين في كل مناطق وجودهم على المساحة السورية سيدفعون ثمنا باهظا بسبب معركة مصالح الآخرين

إن كانت هناك موافقة أميركية على ذلك فسوف تمضي روسيا بخطتها، لكن ماذا لو أن الأميركيين لم يعطوا هذه الموافقة، وأن دخول الصين على الخط سيدفع بهم لإعادة حساباتهم وإعادة اهتمامهم بالملف السوري، لا سيما أن مواجهة الصين هي في أولويات الرئيس الأميركي الجديد، حينئذ سيكون على الروس أن يعيدوا النظر بكل تحالفاتهم، وأن يذهبوا إلى مواجهة مباشرة مع أطراف دولية فاعلة في الملف السوري، مواجهة قد تؤدي إلى ترسيخ مناطق نفوذ واضحة بحدودها الجغرافية، يكون مقدمة لتقسيم لا رجعة عنه.

مهما تكن الخيارات التي ستمضي إليها روسيا فإن السوريين في كل مناطق وجودهم على المساحة السورية سيدفعون ثمنا باهظا بسبب معركة مصالح الآخرين، وبسبب غياب أي صوت لهم في معركة تقرير مصيرهم، وسوف يكون عليهم أن ينتظروا نتائج هذه المواجهة، لكنه انتظار مرٌّ ثمنه دمهم وأرواحهم وأرضهم.

"الصحة السورية" تطالب المواطنين بالحذر من سلالة "أوميكرون"
22 دولة تغلق حدودها خوفاً من انتشار سلالة "أوميكرون"
بسبب "أوميكرون".. المغرب يعلق رحلات المسافرين إليه لمدة أسبوعين
بين عالَمين
الرحلة الجوية الأولى لـ "أجنحة الشام" بين مطاري دمشق وأبو ظبي
فرنسا: عودة نظام الأسد إلى الجامعة العربية تقوّض العلاقة مع الاتحاد الأوروبي