فر راغد صندوق هارباً من سوريا إلى المملكة المتحدة بعد أن انفجرت سيارة مفخخة بالقرب من مكتبه، وبعد مرور 14 عاماً تقريباً عاد إلى بلده ليسهم في إعادة بنائها وافتتح مشروعه التجاري فيها من جديد.
يحدثنا صندوق عن تجربته فيقول: "داخل دمشق، بوسعك أن تشاهد كم تبدو المباني متعبة، إذ لم تجرَ لها أية صيانة أو ترميم، ولكنك إن خرجت لمسافة قصيرة من المدينة، فستطالعك كمية هائلة من الكوارث".
الثقة بالمنتج البريطاني
كان صندوق صاحب مشروع لمعدات تصنيع الأدوية في سوريا قبل أن يطلب اللجوء في المملكة المتحدة، حيث أسس مخبر Best Lab Solutions في عام 2013 والذي يعمل على تصدير معدات المخابر وتلك الخاصة بتصنيع الأدوية إلى الشرق الأوسط.
منذ أن وضعت الحرب أوزارها في كانون الأول 2024 فانهار بذلك نظام الأسد، زار صندوق سوريا أربع مرات، وعاد للتواصل مع زبائنه القدامى، ولذلك يخبرنا بأنه حقق "بعض الصفقات التجارية الجيدة" خلال تلك الزيارات، ولاحظ بأن الشركات في سوريا "تثق بالمنتج البريطاني".
ولم يكن وحده في هذا المجال، إذ مع استمرار الاقتتال في شمال شرقي سوريا بين قوات سوريا الديمقراطية، والجيش السوري، أعلن وزير التجارة البريطاني، كريس برايانت، بأن حكومة بلده لاحظت "اهتماماً متزايداً" لدى الشركات البريطانية بالتجارة مع سوريا. وفي تشرين الثاني من العام الفائت، نشرت حكومة المملكة المتحدة إرشادات للشركات التي "تمارس نشاطاً تجارياً" في سوريا، ذكرت فيه بأن البلد لديه "سوق يحتمل أن تكون ذات عوائد عالية"، على الرغم من "الظروف المليئة بالتحديات شديدة الخطورة".
حذرت تلك الإرشادات من مشكلات يأتي على رأسها المخاوف الأمنية، وغياب الشفافية، وعدم وضوح المستقبل السياسي، وضعف البنية التحتية، وكذلك ضعف القطاع المصرفي، وذكر برايانت بأنه في الوقت الذي لابد للشركات البريطانية أن تجري تقييماً للمخاطر خاصاً بها، فإن الحكومة البريطانية "ستواصل مساعدة الشركات في البحث عن فرص تلتزم من خلالها التجارة بقوانين المملكة المتحدة، كما أنها في الوقت نفسه توجه النصح للحكومة السورية خلال سعيها لإعادة بناء اقتصادها".

رزان السوس مؤسسة مصنع يوركشاير داما تشيز للجبنة الذي تسعى لتصدير منتجاته إلى سوريا
وخلال الأسبوع الفائت، أصدر مكتب وزارة الخارجية البريطانية مجموعة توجيهات جديدة بشأن "قائمة العقوبات الخاصة بالمملكة المتحدة" التي تعتبر الآن المصدر الوحيد للعقوبات على الأفراد والمؤسسات التي يتعين على الشركات التجارية الالتزام بها، وهذه القائمة تشمل بعض الشركات السورية وأصحاب المشاريع من السوريين.
وعند البحث في تلك القواعد، يتبين بأن بعض المشاريع التجارية الهامة قد بدأت بخطوات استعداداً لدخول السوق السورية، فعلى سبيل المثال، وضعت شركة زها حديد للهندسة المعمارية الموجودة في لبنان خطة شاملة وصلت قيمتها إلى أربعة مليارات دولار وذلك لإعادة بناء مطار دمشق الدولي، بعد أن منح تمويله لمجموعة شركات قطرية.
حجم التبادل التجاري بين البلدين
لم تتجاوز قيمة المبادلات التجارية بين سوريا والمملكة المتحدة خلال عام 2025 ستة ملايين جنيهاً إسترلينياً (ما يعادل ثمانية ملايين ومئتي ألف دولار) وذلك بحسب ما أعلنته وزارة المشاريع والتجارة البريطانية، وقد صدرت من بريطانيا إلى سوريا بضائع من أجبان وألبان وبيض بلغت قيمتها قرابة مليون ومئة ألف جنيهاً إسترلينياً (ما يعادل مليوناً وخمسمئة ألف دولار).
أسست زوجة صندوق واسمها رزان السوس مصنع يوركشاير داما تشيز للأجبان والألبان، فقد أقامت هذه الشركة في عام 2015 عندما رأت جبن الحلوم الذي يعتبر من العناصر العذائية الأساسية في سوريا متوفراً بشكل موسمي في يوركشاير حيث استقرت الأسرة.
وعلى الرغم من أن أهم احتياجات الحكومة السورية تنصب على الإعمار والإنشاءات، بدأت السوس بالبحث عن طريقة لتوصل الجبن الذي تصنعه إلى سوريا، إذ ذكرت بأن هنالك طلب على منتجات الأجبان والألبان في سوريا.
تعقب السوس على ذلك بقولها: "معظم الأجبان المصنعة في سوريا حالياً مصنوعة من مسحوق الحليب نظراً لعدم توفر كثير من الحليب الطازج، وهذا ما يمكن أن يخلق فرصة طيبة بين المملكة المتحدة وسوريا، بما أن لدينا كميات كبيرة من الحليب هنا".
وأضافت بأن آلاف اللاجئين واللاجئات السوريين الذين استقروا في بريطانيا صاروا يزورون سوريا، ولهذا فسيبحثون عن "جبنة الشيدر" بعد أن اعتادوا على نوعية الطعام البريطاني.
وتتابع قائلة: "لا تفضل شعوب الشرق الأوسط النكهة القوية والمكثفة، مثل نكهة جبن الكامامبير الفرنسي الطري، لكنهم لابد أن يعشقوا جبن ستيلتون الأبيض المحلى بالفواكه، لأن ذائقة الناس في الشرق الأوسط تحب النكهات الأكثر حلاوة وطراوة لا تلك الكثيفة".
تحديات تواجه التجارة مع سوريا
غير أنها حذرت من أن البنية التحتية الخاصة بالتجارة "لم تعمل بشكل كامل" حتى الآن، وشرحت بأن ظروف الجمارك واللوجستيات في سوريا ماتزال تشهد "انقساماً" كما أن "سلسلة التوريد بحد ذاتها غير جاهزة لاستقبال تجارة قابلة للتوسع، ما يعني بأن تخفيف العقوبات لوحده لا يكفي لإطلاق العنان للنشاط التجاري بما يعود بالنفع على البلد".
كما قد تعاني الجهات المصدرة في المملكة المتحدة في الحصول على تأمين تجاري، بما أن شركات التأمين ماتزال تبدي حذراً كبيراً تجاه المخاطر السياسية والتجارية، وهذا ما دفع السوس إلى القول: "تعتبر المصارف والحوالات المالية عقبة كبيرة أخرى، نظراً لقلة الاعتماد على المصارف المراسلة، كما أن البطء في عمليات الالتزام بالقوانين تخلق إحساساً بالشك بالنسبة لأمر تسوية المدفوعات".
من جانبه، حذر صندوق الذي سافر منذ فترة قريبة إلى دمشق ليلتقي بوزير الصحة السوري مصعب العلي، من مشكلات أخرى تتعلق بالبنية التحتية، يأتي على رأسها الكهرباء التي لا تتوفر إلى لساعة بعد ست ساعات من الانقطاع، ولهذا صار معظم الأهالي يعتمدون على ألواح الطاقة الشمسية لسد النقص.
ويتابع بالقول: "لا يمكنك تشغيل الغلاية هناك لأنها ستصرف كثيراً من الطاقة المخزنة في البطارية، ولهذا يجب أن تتحلى بالحرص تجاه أي شيء تفعله، إذ لديك أنوار عليك أن تشغلها، وعليك أن تقوم بتشغيل حاسوبك، وشحن هاتفك، مع تأمين الأشياء الضرورية عبر الاستعانة بكمية الطاقة المتوفرة لديك".
يخبرنا صندوق بأن عدد نقاط التفتيش بات أقل مما كان عليه أيام الحرب كما تراجعت المظاهر العسكرية في البلد، إلا أن الوضع ليلاً "مخيف" "وغير محبذ" لأن معظم إنارة الشوارع مطفأة.
كل شيء بحاجة لبناء من جديد
ينصح صندوق الشركات البريطانية التي تتطلع للقيام بنشاط تجاري في سوريا بضرورة وجود جهة تواصل محلية لديها لتساعدها على فهم النظم المحلية وطبيعة سكان البلد، وتابع بالقول: "الناس مسرورون لأن الأمور تغيرت ولكنهم لا يعرفون لأي وجهة هم يتجهون، إذ مايزال البلد بحاجة لبعض الوقت حتى يعود لوضعه الطبيعي"، وأضاف بأن أهل البلد: "يعرفون كيف يلتفون على القيود وكيف يتعاملون مع سكان البلد، بما أن الناس لم يعودوا بسطاء للغاية اليوم، بعد أن عاشوا حرباً امتدت لأربعة عشر عاماً".
ماتزال إعادة بناء سوريا أهم حاجة ملحة بالنسبة للشركات البريطانية التي تتطلع للمشاركة في تلك العملية، وهذا ما دفع منذر نزهة، وهو رئيس مجلس الأعمال السوري البريطاني، إلى القول: "يجب إعادة بناء كل شيء"، ولهذا انطلق هذا المجلس في تشرين الثاني من العام الماضي ليسهم في تطوير العلاقات بين أصحاب الأعمال والمشاريع في كلا البلدين.
يدير نزهة مشروعاً عائلياً في سوريا، وهو مشروع مجموعة نزهة للاستثمارات المساهمة في كثير من القطاعات في الاقتصاد السوري، مثل اللوجستيات، والسياحة، والتعليم، والزراعة، ولهذا فهو يعتقد بأن هنالك: "فرص كثيرة" أمام الشركات البريطانية في سوريا.
وإلى جانب الإعمار والإنشاءات، أكد هذا الرجل على قدرة صناعات النفط والغاز البريطانية على لعب دور مهم في سوريا، كما يمكن للسياحة أن تكون قطاعاً مهماً بالنسبة لهم أيضاً.
على الرغم من التحديات التي تنتظرهم، يخبرنا صندوق بأن لديه "إحساساً إيجابياً للغاية" تجاه المشاركة بإعادة بناء بلده، وقدرته على مساعدة بلد منحه اللجوء، وأضاف: "أشعر بأني أساعد بلديّ الاثنين: سوريا والمملكة المتحدة".
المصدر: The Times