رغم وصولهم إلى ألمانيا عبر قنوات قانونية من ضمنها برامج إعادة التوطين التابعة للأمم المتحدة، لا يزال عدد كبير من اللاجئين السوريين يواجهون تحديات قانونية ومعيشية حادّة تتعلّق بتجديد الإقامة وتأمين الوثائق الرسمية، وفي حين يُفترض أن تمثّل هذه البرامج بابًا نحو حياة مستقرة وآمنة يجد كثير من هؤلاء اللاجئين أنفسهم عالقين في حلقة مفرغة من المتطلبات البيروقراطية التي غالبًا ما تتجاهل ظروفهم الإنسانية وتعقيدات أوضاعهم.
وفي مقدمة هذه التحديات، تأتي مسألة جواز السفر السوري الذي يُطلب بشكل متكرر كشرط أساسي لتجديد الإقامة حتى في حالات الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة أو إعاقات، أو يعيشون في أوضاع لا تسمح لهم بالتنقّل أو التعامل مع مؤسسات رسمية خارج بلدان اللجوء، وفي حالات كثيرة يتم رفض تمديد الإقامة أو تعليق المساعدات الاجتماعية بسبب نقص أو “عدم صلاحية” الوثائق، رغم أن أسباب هذا النقص خارجة تمامًا عن إرادة أصحابها.
هذه الإجراءات لا تترك آثارها القانونية فقط، بل تتعداها إلى أزمات نفسية وصحية واجتماعية يعيشها اللاجئون يوميًا، معلقين بين الإقامة المؤقتة والخوف من فقدان الاستقرار الذي بنوه بشقّ الأنفس.
اللاجئون في ألمانيا يواجهون المجهول
في حين تقدم برامج إعادة التوطين كمسارات إنسانية للنجاة من الحروب والاضطهاد، كثير من اللاجئين السوريين يجدون أنفسهم بعد الوصول محاصرين بسلسلة من الإجراءات البيروقراطية والمتطلبات الإدارية التي غالبًا ما تغفل عن واقعهم الهش.
أحد هؤلاء الأشخاص هو محمد حاج حسن لاجئ سوري في مدينة نويربورغ بمقاطعة بافاريا الألمانية، الذي وجد نفسه فجأة أمام تهديد بفقدان الإقامة رغم وصوله إلى ألمانيا بطريقة نظامية ضمن برنامج إعادة التوطين التابع للأمم المتحدة، ورغم معاناته من إعاقات صحية وتبعيّات نفسية ثقيلة أصبحت قصته واحدة من عشرات القصص التي تعكس تعقيد المسارات القانونية.
يقول محمد في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، إنه وصل إلى ألمانيا في تشرين الأول/أكتوبر 2022 قادماً من تركيا مع زوجته وطفله، ضمن برنامج رسمي لإعادة التوطين، وكان يحمل جواز سفر ألماني مؤقت من نوع “فضي” بصلاحية ستة أشهر، فور وصوله تم فرزه إلى مدينة نويلم، حيث حصل على إقامة بلاستيكية مؤقتة لمدة عام، ثم انتقل إلى نويربورغ بتاريخ 1 تشرين الأول/أكتوبر 2023 بعد حصوله على موافقة سكن.
انتهت إقامة محمد حاج حسن في 15 ديسمير/يناير 2024، وكان قد قدم طلب التجديد في الوقت المناسب لكنه تفاجأ بعد ذلك بمطالبة من مكتب الأجانب في أبريل بتقديم جواز سفر سوري ساري المفعول، رغم اعتراضه عبر “كاريتاس” بحجة وضعه الصحي وعدم حاجته للسفر تكررت المطالبة لاحقاً وبقي يحصل على إقامة مؤقتة تُجدد كل ثلاثة أشهر، بعدها حصل على تمديد الجوازات من السفارة السورية لمدة سبعة أشهر، وسلّمها لمكتب الأجانب لكنهم رفضوا الاعتراف بها وطالبوه بجوازات جديدة.
لاحقاً فُرضت عليه وعلى زوجته غرامات مالية، قدم اعتراضين أُلغيا جزئياً ثم حضر جلسة محكمة في أيار/مايو قدّم فيها كل الوثائق، وتعاطف معه القاضي لكنه مُنح مهلة أخيرة لإحضار جوازات جديدة وإلا سيغرم 900 يورو عن كل فرد من أسرته، نجح في إحضار الجوازات من سوريا وسلمها لمكتب الأجانب ضمن المهلة.
لكن بعد أسبوعين أُبلغ بمصادرتها من الشرطة من دون توضيح، وحين راجعهم رفضوا منحه أي وثيقة رسمية تثبت المصادرة، لجأ مجدداً إلى “كاريتاس” والسفارة السورية التي أكدت نظامية الجوازات وتواصلت مع مكتب الأجانب، لكن المكتب رفض تسليمها رغم الوعود، مما ترك وضع إقامته معلقاً من دون حل.
حتى اليوم لم يحصل محمد على أي مستند رسمي يوضح مصير الجوازات، ورغم أنه لم يشاهد جوازاته مثقوبة، إلا أن حالات مشابهة وقعت لأشخاص في مدينته تم فيها ثقب الجوازات أمامهم وإجبارهم على دفع غرامة “بدل فاقد” واستخراج جوازات جديدة على نفقتهم الخاصة.
يؤكد محمد أن مصير إقامته بات مهدداً، إذ أبلغه الموظف بوضوح أنه من دون جواز سفر جديد لن يحصل على الإقامة، رغم أن وضعه الصحي لا يسمح بأي تأخير أو اضطراب قانوني، خصوصاً أن كل حقوقه ومساعداته متوقفة على صلاحية الإقامة.
يقول محمد إن هذه الحادثة كانت مأساوية بكل المقاييس، فقد تدهورت حالته الصحية على إثرها واضطر إلى مراجعة الطبيب يومياً لمدة أسبوع لتحاليل الدم، وهو يحتفظ بكل الإثباتات الطبية التي تؤكد ذلك.
تقدّم بشكوى رسمية إلى السفارة السورية في برلين، ورغم تواصله مع عدة منظمات وجهات حقوقية لم يتلقَ أي استجابة تُذكر باستثناء منظمة “سيفمي” في ميونيخ، المختصة بمتابعة ملفات إعادة التوطين، والتي وعدت بالتدخل سابقاً لكنها اعتذرت لاحقاً بسبب عدم تعاون مكتب الأجانب في المدينة، ومؤخراً أعادت المنظمة التواصل معه وأبلغته أنها ستحاول مجدداً التدخل.
“ما زلت أنتظر الحل الإقامة معلقة، الجوازات مصادرة، وصحتي تتدهور ولا أحد يستمع إلينا أو ينظر إلينا كلاجئين بإنسانية أو احترام”، هكذا يختم محمد حديثه.
من دمشق إلى بافاريا والحقوق ما زالت مؤجلة
رغم أن ألمانيا تعد من أكثر الدول استقبالاً للاجئين السوريين منذ اندلاع الحرب، إلا أن كثيرين منهم ما زالوا يواجهون صعوبات يومية تتعلق بالإقامة وتجديد الوثائق، ومتطلبات البيروقراطية المعقدة.
ففي ظل اشتراط جواز سفر سوري ساري المفعول للحصول على الإقامة أو تجديدها، يجد آلاف اللاجئين أنفسهم في مواجهة خيارات مستحيلة، بين فقدان الإقامة أو التعامل مع سفارة مازالت لم تتعافَ.
هذه التحديات لا تقتصر على الجانب القانوني فقط بل تنعكس على الأوضاع المعيشية للاجئين، كما يظهر في قصص عديدة، منها قصة فرزاد خليل الذي أوضح لموقع تلفزيون سوريا، أنه يقيم حالياً في ولاية بافاريا الألمانية ويحمل إقامة حماية فرعية تُجدد سنوياً.
وأشار إلى أنه يعيش مع أسرته المكونة من خمسة أفراد، موضحًا أنه قبل ثلاث سنوات استُدعي عبر البريد من قبل الشرطة، بعد أن كان قد استخرج جواز سفر جديداً من دمشق وسلمه إلى مكتب الأجانب في ألمانيا ضمن إجراءات الإقامة، إلا أنه تفاجأ لاحقاً بأن الجواز تمّ حجزه من قبل الشرطة من دون توضيح الأسباب، وقد مُنح ورقة رسمية تؤكد عملية الحجز في حين بقي مصير الجواز بعد ذلك مجهولاً بالنسبة له.
يتابع فرزاد قائلاً إن السلطات طلبت منه لاحقاً التوجه إلى السفارة السورية في برلين لاستخراج جواز سفر جديد آخر، وأبلغوه بشكل مباشر أن عدم إحضار جواز يعني عدم الحصول على الإقامة، الأمر الذي جعله في وضع معقّد قانونياً وشخصياً. مؤكدا أنه لا يستطيع مغادرة ألمانيا، وأن هذه الحالة أثرت عليه بشكل كبير على المستوى النفسي والجسدي، قائلاً: “كان تأثيرها كبيراً جداً على صحتي وعقلي وتفكيري”.
ورغم شعوره بالظلم لم يتقدم بأي شكوى رسمية مبرراً ذلك بالخوف من رد فعل الجهات الرسمية، خصوصاً في وقتٍ كان يرى فيه أن “السوري بلا قيمة” كما وصف في ظل النظام السوري المخلوع، وأضاف أنه وكّل محامياً لمتابعة القضية لكنه حتى الآن لم يحصل على أي نتيجة ولم يتلق أي رد رسمي من الجهة التي سحبت الجواز.
وفي ختام حديثه وجه فرزاد رسالته إلى السلطات الألمانية داعياً إياها إلى النظر بعين الاعتبار إلى أوضاع اللاجئين السوريين وتسهيل الإجراءات المتعلقة بالحماية والإقامة، كما وجّه رسالة إلى الحكومة السورية طالب فيها بتعيين موظفين مؤهلين وقادرين على خدمة المواطنين السوريين في سفارة سوريا في ألمانيا، نظراً للمعاناة التي يواجهها كثيرون في التعامل مع القنصلية.
في هذا الخصوص تواصل موقع تلفزيون سوريا مع مكتب مدير العلاقات العامة في وزارة الخارجية والمغتربين، الذي بدوره نسّق مع عدة جهات معنية بهدف البحث عن حلول ممكنة لهؤلاء الأشخاص وتقديم الدعم اللازم في معالجة أوضاعهم.
رد وزارة الداخلية في ولاية بافاريا على استفساراتنا
بعد أن وجهنا مجموعة من الأسئلة المتعلقة بإجراءات التعامل مع جوازات السفر الخاصة باللاجئين السوريين، جاء رد متحدث باسم وزارة الداخلية، فلوريان كراكو، في ولاية بافاريا كما يلي:
- ما الأساس القانوني الذي يسمح للشرطة أو مكاتب الأجانب بسحب أو إبطال جوازات السفر الصالحة من دون أمر قضائي؟ وهل توجد تعليمات داخلية في هذا الشأن؟
وفقًا للمادة 48 الفقرة 1 من قانون الإقامة (AufenthG)، يُطلب من الأجانب تقديم جوازات سفرهم وتسليمها مؤقتًا عند طلب الجهات المختصة بتنفيذ قوانين الأجانب، مثل مكاتب الأجانب وذلك بما يلزم لتنفيذ أو تأمين الإجراءات القانونية المتعلقة بالإقامة، تسمح هذه المادة للجهات المختصة بفحص الجوازات، مثلًا عند منح أو تجديد تصاريح الإقامة للتحقق من هوية حامل الجواز، وإذا شكّت الجهة المختصة في صحة الجواز، يمكن إحالة الجواز للشرطة لإجراء فحص إضافي بواسطة خبراء مختصين.
لا تقوم مكاتب الأجانب أو الشرطة بإبطال جوازات سفر الدول الأخرى، فالجوازات تبقى ملكًا للدولة التي أصدرتها حتى بعد تسليمها لحاملها، إبطال جواز أجنبي مثل الجواز السوري هو من صلاحية الجهات المختصة في الدولة المصدرة فقط. وبما أن الجهات الألمانية لا تملك صلاحية إبطال الجوازات الأجنبية، فلا توجد تعليمات داخلية بخصوص هذا الإجراء.
- هل تُؤخذ في الاعتبار أوقات معالجة السفارات والوضع القانوني لطالبي الجوازات عند مطالبتهم بالحصول على جواز جديد خلال مهلات قصيرة؟
يُسمح للأجانب بدخول ألمانيا والإقامة فيها فقط إذا كان بحوزتهم جواز سفر أو وثيقة سفر معترف بها وصالحة، ويُعتبر الالتزام بحيازة جواز سفر واجبًا قانونيًا مستقلًا عن أي طلب من مكتب الأجانب، وبالتالي يتوجب على الأجانب التأكد من الحصول على جواز جديد في الوقت المناسب، مثلًا قبل انتهاء صلاحية الجواز الحالي، ويُعاقب من يخالف ذلك بالسجن لمدة تصل إلى سنة أو بغرامة مالية، وإذا لاحظت مكاتب الأجانب عدم التزام الشخص بهذا الواجب، يُطلب منه عادةً التواصل سريعًا مع السفارة المعنية للحصول على جواز جديد.
- كيف تقيم الوزارة الحالات التي يُطلب فيها من اللاجئين الاتصال بالسفارة السورية رغم احتمال تعارض ذلك مع وضعهم الحامي؟
يُؤخذ في الاعتبار موقف طلب اللجوء عند منح تصريح الإقامة، يُمنح طالبي اللجوء المعترف بهم تصريح إقامة مؤقت بغض النظر عن استيفائهم لمتطلبات جواز السفر، أما منح تصريح إقامة دائمة فيكون وفق تقدير مكتب الأجانب في كل حالة على حدة.
يتم تقييم الحالات بشكل فردي، وهذا ينطبق على اللاجئين السوريين أيضًا، ووفقًا لأحكام القضاء الألماني العليا فإن مجرد الاتصال بالسفارة السورية بناءً على طلب جهة ألمانية لا يُعتبر تنازلاً طوعيًا عن الحماية الألمانية ولا يؤدي إلى فقدان وضع الحماية.
- كيف تتعامل الوزارة مع تقارير سوء المعاملة المتكررة لسوريين من قبل موظفين في الشرطة أو مكاتب الأجانب في قضايا جوازات السفر؟
لم تصل الوزارة تقارير من هذا النوع.
- هل توجد جهات رسمية يمكن تقديم شكاوى أو اعتراضات إليها، وكيف يتم التعامل معها؟
يُمكن مراجعة تصرفات الإدارة أولًا من خلال الرقابة الداخلية للجهة المعنية أو الجهة الأعلى، ويتم فحص الادعاءات عادة عبر طلب توضيح من الموظف المعني ومراجعة الملفات ذات الصلة، كما يمكن للمتضررين تقديم طعون رسمية أو رفع دعاوى إلى المحكمة الإدارية، وإذا كانت هناك شبهات جنائية، تتولى النيابة العامة اتخاذ الإجراءات.
- هل يوجد تعاون مع وزارة الخارجية أو جهات اتحادية للتحقق من صحة جوازات السفر السورية، خاصة تلك التي حصل عليها اللاجئون عبر أقارب في سوريا والتي لا تعترف بها بعض الجهات؟
وزارة الداخلية الاتحادية هي الجهة المختصة بالاعتراف بجوازات السفر الأجنبية ووثائق السفر البديلة، وبحسب المادة 71 الفقرة 6 من قانون الإقامة، تُصدر قرار الاعتراف بالتنسيق مع وزارة الخارجية، ويشمل ذلك الجوازات الصادرة من دون حضور مقدم الطلب (المعروفة بجوازات الوكالة)، ويُعتبر قرار وزارة الداخلية الاتحادية ملزمًا لجميع مكاتب الأجانب في ألمانيا، عند وجود شكوك حول صحة جواز معين، مثل مظهره الخارجي، يُحال الجواز عادة إلى الوزارة لإبداء الرأي.
جواز السفر بين يد اللاجئ والسلطات الألمانية ما الذي يجيزه القانون؟
أوضح الاستشاري في شؤون اللجوء والإقامة في ألمانيا أحمد الأقرع، لموقع تلفزيون سوريا أن مسألة التعامل مع جوازات السفر في ألمانيا محكومة بضوابط قانونية دقيقة.
فبحسب المادتين §48 و§49 من قانون الإقامة الألماني (AufenthG)، يحق لمكتب الأجانب أو الشرطة الاطلاع على جواز السفر والتحفظ عليه بشكل مؤقت لغرض التحقق أو الفحص، أما المصادرة الدائمة أو الاحتفاظ بالجواز من دون إرجاعه فلا تجوز إلا بوجود أساس قانوني محدد أو أمر قضائي، كحالات التزوير أو الاشتباه بتهديد أمني، وأي إجراء خارج هذا الإطار يُعد مخالفًا لمبدأ دولة القانون المنصوص عليه في المادة 20 من القانون الأساسي الألماني (Grundgesetz).
وأضاف الأقرع أن تثقيب أو قص جواز سفر أجنبي لا يجيزه القانون الألماني إلا في حال ثبت التزوير أو صدرت تعليمات رسمية من الدولة المصدرة بإلغائه، أما إتلاف جواز صالح من دون مبرر قانوني فيُعتبر إضرارًا بممتلكات شخصية وفق المادة §303 من القانون الجنائي (StGB)، وقد يُفهم منه أيضًا مساس بسيادة الدولة المصدرة.
وفيما يخص الخطوات القانونية للمتضررين أوضح أنه يمكن التقدّم بشكوى إدارية لدى مكتب الأجانب أو الجهة الإشرافية في الولاية، أو رفع دعوى أمام المحكمة الإدارية (Verwaltungsgericht)، كما يحق المطالبة بالتعويض عبر دعوى المسؤولية الإدارية (Amtshaftungsklage) استنادًا إلى المادة §839 من القانون المدني (BGB) والمادة 34 من الدستور الألماني، إذا ثبت أن الإجراء غير قانوني وأدى إلى ضرر مباشر.
وتناول الأقرع أيضًا مسألة “جوازات الوكالة” (Proxy-Pässe)، مبينًا أن بعض المحاكم الإدارية، مثل محكمتي برلين وميونخ أقرت بصحتها ما لم يثبت تزويرها، في حين ترفض بعض دوائر الأجانب التعامل بها بدعوى ضعف إمكانية التحقق من الهوية وفي هذه الحالات يشترط إصدار قرار خطي يمكن الطعن فيه أمام القضاء.
أما بشأن التمييز بين جوازات السفارات والجوازات الصادرة داخل سوريا، فأكد أنه لا يوجد نص قانوني يفصل بينهما طالما كان الجواز أصليًا وصادرًا عن جهة رسمية، غير أن بعض الدوائر الإدارية تميل إلى قبول جوازات السفارات لسهولة التحقق منها عبر القنوات الدبلوماسية، في حين تُعامل جوازات الداخل بحذر أكبر، خاصة تلك الصادرة في مناطق كانت سابقًا خارج سيطرة النظام، من دون وجود أساس قانوني صريح لذلك.
وفيما يتعلق بطالبي الحماية أوضح الأقرع أن اللاجئين المعترف بهم لا يواجهون إشكاليات في الحصول على وثيقة سفر، في حين تكمن المشكلة لدى الحاصلين على الحماية الثانوية أو إقامة منع الترحيل، إذ يفرض عليهم القانون تقديم جواز سفر وطني صالح.
وفي حال تعذر ذلك لأسباب سياسية أو أمنية، يتيح القانون التقدم بطلب للحصول على وثيقة سفر للأجانب (Reiseausweis für Ausländer) أو وثيقة سفر للاجئين (Reiseausweis für Flüchtlinge) وفق المادة §5 من لائحة الإقامة (AufenthV)، بشرط تقديم ما يثبت استحالة أو عدم معقولية التواصل مع سلطات بلدهم.
وبحسب تقييمه الحقوقي شدد الأقرع على أن أي إجراء يجبر اللاجئ على التواصل مع سلطات بلده الأم قد يُعتبر شكلًا من أشكال الضغط غير المشروع، وقد يرقى إلى مستوى الإعادة القسرية غير المباشرة (Constructive Refoulement)، وهو ما يتعارض مع المادتين 3 و8 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وكذلك مع أحكام اتفاقية جنيف لعام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين.
واستشهد بعدة أحكام قضائية داعمة لهذا التوجه:
- حكم المحكمة الإدارية العليا في نيدرزاكسن (OVG Niedersachsen, 17.02.2016 – 11 LB 61/15)، الذي رفض إلزام لاجئ بالتواصل مع سفارة بلده.
- حكم محكمة برلين الإدارية (VG Berlin, 12.03.2019 – VG 23 K 77.18)، الذي أقر بصحة جواز الوكالة ما لم يثبت تزويره.
- حكم المحكمة الإدارية الفدرالية (BVerwG, 11.09.2007 – 1 C 21.06)، الذي أكد حق اللاجئ في الحصول على وثيقة سفر بديلة في حال استحالة أو عدم معقولية إصدار جواز وطني.
وفي هذا السياق، أوضحت دراسة أكاديمية نشرتها دار Springer ضمن كتاب Academics in a Century of Displacement (مارس/آذار 2024)، تناولت الباحثة أوضاع الأكاديميين الذين لجؤوا إلى ألمانيا بعد اضطرارهم إلى مغادرة بلدانهم، مشيرًة إلى أنهم يواجهون حالة مستمرة من عدم الأمان القانوني نتيجة لغموض القوانين وتفاوت تطبيقها في مجال الإقامة والهجرة.
وركزت الباحثة على مفهوم “العنف القانوني” (Legal Violence)، وهو الضرر غير المباشر الذي تسببه الإجراءات الإدارية والقوانين المعقدة، مثل التعقيدات المتعلقة بالحصول على وثائق الإقامة أو السفر، ما يجعل حياة هؤلاء الأكاديميين عرضة للتهديد والقلق الدائم.
وخلصت الدراسة إلى أن هذه الفئة رغم مكانتها العلمية، لا تُستثنى من العقبات البيروقراطية التي قد تقيد حركتها أو فرص اندماجها، معتبرة أن التعامل القانوني مع اللاجئين والأكاديميين المنفيين في ألمانيا لا يزال يفتقر إلى العدالة والاستقرار المطلوبين.