البورتريه.. فن رسم الوجوه وقراءتها

تاريخ النشر: 07.02.2021 | 16:17 دمشق

آخر تحديث: 07.02.2021 | 18:17 دمشق

ياسر الأطرش

تلك الصور والتماثيل التي قهرتنا لعقود من الزمن، قهرت من هم قبلنا، إنها تطل من علٍ، مسيطرة طاغية حديدية الملامح، وجوه لا تلين ولا تُقهر ولا تتألم، إنها فقط تبتسم وتُظهر الجلال والهيبة!.

صور "قادتنا" و"قادة" من قبلنا، تحكمنا عن بعد، ترتسم في الذاكرة البصرية وتتغلغل في اللاوعي باعثة رهبة "الأخ الأكبر" الذي يرى ما لا يُرى ويعرف السر وأخفى!..

هكذا طوَّع "الزعماء والقادة والأبطال" فن رسم الوجوه "البورتريه" عبر الزمن، لتثبيت سلطتهم وزرع وجوههم في كل مكان، منذ الفراعنة وحتى يومنا هذا.

وكان فن "البورتريه" بدأ مع اكتشاف الإنسان أول قلم وأول لوح، فرسم على جدران الكهوف الوجوه والأجساد التي اكتشفها وعايشها، إلى أن تنبَّه الفراعنة إلى أهمية الوجه دليلاً للروح إلى الجسد، فحفروا على توابيتهم صور وجوههم كي تتعرف أرواحهم إلى أجسادهم عند عودتها من رحلة الموت إلى حياة جديدة، حياة الخلود.

ومع تطور الأديان تطور فن رسم الوجوه، وتداخل أكثر فأكثر مع الدين، حتى سيطرت الكنيسة عليه وصار حكراً على رسم ونحت السيد المسيح وأمه مريم، ولم ينسَ اليونان والإغريق حصة القادة والأبطال والزعماء من المجد، فسمحوا برسم ونحت أجسادهم ووجوههم لتخليدهم، وهو ما حرَّمه في المرحلة اللاحقة معظم فقهاء الإسلام، فلم نجد صورة للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) أو لخلفائه وأصحابه، ولا حتى للخلفاء الأمويين والعباسيين، وإن الحجب يمنح بهاء وجلالاً أكثر من الكشف، فلم تصلنا صور من عصور الإسلام الأولى أو الوسيطة، فأخذ الكلام مكان الريشة، ولولا الوصف ما عرفنا صورة تقريبية للجاحظ أو المعري، وإننا بالكاد نقارب بخيالنا صور عظماء تلك الأحقاب، وفق ما توافر من وصف نثري أو شعري نادر.

وفي العصور الوسطى، بلغ فن "البورتريه" مبلغاً عظيماً في أوروبا، واشتهر على أيدي فان كوخ، وليوناردو دافنشي ومجايليهم، ليصبح مدرسة فنية بالغة الأهمية والتعقيد، لا ترسم الوجوه مجردة حيادية، بل تقرؤها نفسياً وترسم خفايا الأنفس من خلالها.

وتبقى لوحة دافنشي "الموناليزا" التي رسمها في القرن السادس عشر أكثر لوحة فنية اشتهرت في التاريخ، وحظيت بأكبر عدد من الزيارات والمشاهدات والكتابات النقدية، حتى إنها ما زالت حتى اليوم مثار جدل بين النقاد غير قاطعين بحقيقة الشخصية التي فيها، فهل هي زوجة تاجر إيطالي، أو شخص من الجنس الثالث، أو هي لوحة ذاتية لدافنشي ذاته؟.. كل هذه الاحتمالات وغيرها ما زالت تُدرس وتُقام حولها الأبحاث والجدليات.

ولمّا لم يكن فن "البروتريه" رسماً أو قراءة حيادية للوجوه، فإنه بإمكاننا أن نعرف المكتوب حول شخصية قيادية في صحيفة من دون أن نقرأ العنوان، فإذا كانت الصورة المرفقة بالخبر تحمل سيماء الهيبة والسطوة، فإن الخبر يأتي في سياق إيجابي، وإن كانت معتمة أو مأخوذة في لحظة انكسار أو غضب.. فإن السياق سلبي يريد الحط من قيمة الرجل بلا شك.

ولعل فن "البورتريه" أثبت علو كعبه بين الفنون والآداب، بل تفوق عليها جميعاً، في زمن "كورونا"، فحينما تريثت الآداب وتأخرت الفنون حتى أفرزت نتاجاتها الأولية عن الجائحة، كان فن رسم الوجوه حاضراً منذ اللحظة الأولى بشكل مؤثر، فصور وجوه الأطقم الطبية المتعبة وحدائد الكمامات الغائرة فيها ستبقى في ذاكرة التاريخ والبشر إلى زمن قادم بعيد.

   

 

  

 

 

كلمات مفتاحية