البحث عن أبو خليل القباني، في حجر تيسير خلف الأميركي

البحث عن أبو خليل القباني، في حجر تيسير خلف الأميركي

27 تموز 2019

لا شيء يشبه قراءة كتاب (من دمشق إلى شيكاغو) من حيث الإحساس بالدهشة، إلا مراجعة قصة العالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون حينما استطاع وبومضة ساحرة من الأفكار أن يستطلع لغة وحضارة كاملة من الدولة المصرية القديمة، انفتحت أمامه مثل علبة باندورا السحرية، طبعاً حصل ذلك حينما استطاع قراءة النقوش على حجر الرشيد مصادفة في مطلع القرن التاسع عشر.

وفي نفس طريقة وحدة الكشف والدهشة، قدم لنا الباحث والكاتب تيسير خلف، كتابه عن أحمد أبو خليل القباني (من دمشق إلى شيكاغو) كاشفاً الستارة عن واحدة من أهم الرحلات الفنية والثقافية في العصر العربي الحديث، وربما تكون الأولى أو الوحيدة التي شكلت تلاقحاً ثقافياً وحضارياً مبكراً بين رائد التنوير المسرحي والعربي (أبو خليل القباني) وبين الحضارة الغربية التي كانت في بدايات بزوغها ونهوضها الإمبراطوري، فكان القباني سفيراً حقيقياً يحمل مشعلاً ينير و يزيل الجهل المتبادل بين تلك الحضارات، الدولة العثمانية من جهة والغرب ممثلاً بالولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى.

فعلى مدار أكثر من مائة عام ابتداءاً من عام 1902 سنة وفاة المغفور له أبو خليل القباني وحتى اليوم، تنافحت جميع الجهات لنفي تلك الرحلة المعلومة /المجهولة التي قام بها أبو خليل القباني إلى شيكاغو في عام 1892، بمن فيهم الأستاذ صباح القباني الذي كان سفيراً لسوريا في الولايات المتحدة الأميركية ويقال بأنه بحث طويلاً في المراجع الأميركية عن تلك الرحلة /الأسطورة ولم يجد ما يثبت وجودها.

وقد اتفق أن ذكرت تلك الرحلة بشكل مبتسر وسريع ومختصر لدرجة الريبة، في مذكرات كامل الخلعي وعثمان درويش وبعض الصحفيين والدارسين في خمسينات القرن العشرين، دون أن يجزم أحد ما بحصولها وتقديم تفاصيل عنها، مما أدى إلى تجاهلها تماماً لنقص المعلومات عنها في أغلب الأعمال التوثيقية والدرامية والمسرحية التي قدمت عن أبو خليل القباني، الذي يبدو قبل هذا الكتاب كأنه هاو مسرح مشرقي كان يجمع الممثلين ضمن حبكات يسوقها من التراث ويدرجها في مسرحيات يضع لها الأغاني والموشحات ويقدمها في مسارح دمشق بداية ومن ثم القاهرة .

ولكن ما كشفه الباحث تيسير خلف في كتابه (من دمشق إلى شيكاغو، رحلة أبو خليل القباني إلى أميركا 1893) غيرَ وبضربة واحدة نظرة الباحثين والمهتمين من المؤرخين والمسرحيين حول تلك الشخصية الفنية الهامة، فهو يقدم لنا رجل مسرح عالمي مشرقي المنبت، دمشقي المولد استطاع أن يبز أترابه من المسرحيين في العالم أجمع

ولكن ما كشفه الباحث تيسير خلف في كتابه (من دمشق إلى شيكاغو، رحلة أبو خليل القباني إلى أميركا 1893) غيرَ وبضربة واحدة نظرة الباحثين والمهتمين من المؤرخين والمسرحيين حول تلك الشخصية الفنية الهامة، فهو يقدم لنا رجل مسرح عالمي مشرقي المنبت، دمشقي المولد استطاع أن يبز أترابه من المسرحيين في العالم أجمع، وبالتالي أن يكون ممثل الدولة العثمانية- التي كانت تستشعر في تلك الفترة الحاجة إلى تقديم صورة ناصعة عن الإمبراطورية العجوز المتعبة، أمام الدول الغربية التي تصورها كدولة من العصور الوسطى – في أكبر معرض عالمي فني فلكلوري واقتصادي وتجاري حينها، ذلك المعرض الذي كان ينتقل كل خمسة أعوام من مدينة إلى أخرى، وقع في ذلك العام (1893) الاختيار على مدينة شيكاغو لتنال شرف استضافته، وبالمناسبة ذلك المعرض لايزال مستمراً حتى الآن تحت مسمى الإكسبو، وهو المعرض الذي ستستضيفه مدينة دبي في عام 2020.

ولكم أن تتخيلوا ضخامة الحدث وأهميته، وحرج المسؤولين العثمانيين ورغبتهم في إرسال فرقة ضخمة لتمثل الدولة العلية والإمبراطورية بأمثل وجه وأنصع صورة، ولم يكن هنالك أجدر من الفاضل أبو خليل القباني ليقوم بمثل تلك المهمة التي حظيت حينها بمتابعة ومراقبة أعلى الرجالات في الدولة العثمانية ومنهم السلطان شخصياً.

ومن هنا انطلق تيسير خلف في بحثه الذي يستحق كل الاحترام عنه، ليبحث في الصحف اليومية العربية والأميركية في تلك الفترة وذلك التاريخ، منطلقاً من خبر سفر ( الفاضل أبو خليل القباني وفرقته) إلى أميركا، في إحدى الصحف البيروتية، مراجعاً ومدققاً في جداول وصول المهاجرين إلى مدينة نيويورك، بوابة الهجرة والوصول والدخول إلى القارة الأميركية، وفي جداول الواصلين إلى جزيرة (إيليس أيلاند) الواقعة إلى جوار ميناء نيويورك، حيث يتم جرد وتدقيق جميع الواصلين إضافة إلى فحصهم طبياً، وجد خلف، حجر الرشيد خاصته، حيث وجد قوائم كاملة تضم أسماء (الفرقة التركية السورية) التي تضم أبو خليل ورفاقه الثمانية والخمسين من الممثلين والموسيقيين والإداريين، الذين أوفدوا لتمثيل الدولة العثمانية في معرض شيكاغو الضخم، وتوالت المفاجآت والكشوف بتثبيت أسماء الفرقة حسب الوثائق الأميركية، اسماً اسماً، إضافة إلى حسم الجدل حول مواليد أبو خليل القباني نفسه، الذي اختلف البحاثة حوله مراراً وتكراراً، حتى ثبته أبو خليل نفسه، في محضر وصوله إلى نيويورك في 17 من نيسان 1893 فعرف عن نفسه باسمه الرسمي (أحمد آقبيق) وبسنه (51 ) عاماً وبالتالي فسنة ميلاده هي 1842 م، وبصفته الفنية كممثل.

وهذه أول وثيقة رسمية مسجلة وبمعلومات منقولة مباشرة عن أبو خليل القباني نفسه، تصف ميلاده واسمه ومهنته.

وتستمر الصورة بالتكشف رويداً رويداً برفقة تيسير خلف، الذي ذهب بعيداً في متابعة السفينة التي أقلت الفرقة ومتابعة خط سيرها، ليرسم لنا خطاً واضحاً للطريق الذي سلكته فرقة ( مسرح العوائد الشرقية ) نحو مقصدها في الغرب الأميركي الأوسط، فتلك الفرقة التي حصل على امتياز تنفيذ مشاركتها في معرض شيكاغو، شخص اسمه ( بيير أنطونيوس ) وهو صحفي بيروتي، صعدت من ميناء بيروت في سفينة يو اس إس ويرا متجهة إلى الإسكندرية ومنها إلى مدينة جنوا الإيطالية و من ثم لتعبر إلى الأطلسي وصولاً إلى مدينة نيويورك الأميركية .

وفي جداول الواصلين إلى جزيرة (إيليس أيلاند) الواقعة إلى جوار ميناء نيويورك، حيث يتم جرد وتدقيق جميع الواصلين إضافة إلى فحصهم طبياً، وجد خلف، حجر الرشيد خاصته، حيث وجد قوائم كاملة تضم أسماء (الفرقة التركية السورية) التي تضم أبو خليل ورفاقه الثمانية والخمسين من الممثلين والموسيقيين والإداريين، الذين أوفدوا لتمثيل الدولة العثمانية في معرض شيكاغو الضخم

وعوداً إلى البدء، فقد راجع صاحب الكتاب بالضرورة الوثائق العثمانية المرتبطة بالحدث الهام المغيب، ومن هناك توضحت الصورة أكثر فأكثر، فلقد تلقت الدولة العثمانية في مطلع سنة 1891 دعوة رسمية للمشاركة في معرض شيكاغو الكولومبي موقعة من الرئيس الأميركي بنيامين هاريسون والذي سيقام في شهر أيار من عام 1893.

ومن هنا ابتدأت البلبلة السياسية والمخابراتية التي يحرص تيسير خلف على سردها وذكرها بالتفصيل، لتكون خلفية حقيقية داعمة وساندة للظروف الاقتصادية والسياسية والمخابراتية الدولية والمحلية التي صنعت سيرة أبو خليل وتقاذفته طوال سنيّ عمره، فالدولة العثمانية في تلك الفترة كانت تعيش حالة حثيثة من إثبات الوجود رغم إدراكها لضعفها واختراقها من الدول الغربية الطامعة للحصول على مكاسب منها، ولكن السلطان عبد الحميد كان مصرّاً هو وفريقه على مناطحة الغرب بأسلحتهم حتى الفنية منها.

ويبقى اختيار أبو خليل القباني وفرقته التي كانت مستقرة في بيروت حينها، هرباً من القاهرة وتناقضاتها، لتمثيل الدولة العثمانية هو، اعتراف رسمي وشعبي وفني عالي التقدير لموهبة ذلك الرجل الاستثنائي الذي سيقدم في بلاد الغرب فناً هم اخترعوه وصاغه هو بنفسه بنفس مشرقي عربي، دون أي خوف أو وجل أو رهبة أو حتى عقدة نقص لطالما التصقت بالمشرقيين تجاه الغرب.

ومع توالي صفحات الكتاب وبعيداً عن الظروف السياسية والمكائد المادية، ندرك بأن أبو خليل القباني كان هو الرجل المناسب لتلك المهمة وبأنه كان يملك تصوراً كاملاً لما سيفعله هناك، ويعرف بالتحديد ما سيبحث عنه المشاهد الأميركي والغربي عموماً في مسرح الشرق المجهول تماماً عندهم، وليس المسرح فقط بل كل الذاكرة الدينية المروية والمكتوبة والشفاهية المنقولة عن الشرق لدى أمة تنهض بكل ما أوتيت من قوة لتبتلع العالم، فأدرك أن العروض الطويلة التي كان يقدمها في دمشق والقاهرة و بيروت كانت غير ملائمة للجمهور الأميركي الذي دخل عصر السرعة حينها (علينا أن نتذكر أن عروض أبو خليل الدمشقية كانت تمتد إلى أربع وخمس ساعات تتخللها رقصات و استراحات) فعمد إلى إدراج برنامج من ثمانية عروض مسرحية مرفقة بدليل باللغة الإنكليزية يشرح تلك العروض ويقدم نبذة مختصرة عنها كي يستطيع المشاهد العادي التواصل مع العرض الأصلي المقدم باللغة العربية.

الدولة العثمانية في تلك الفترة كانت تعيش حالة حثيثة من إثبات الوجود رغم إدراكها لضعفها واختراقها من الدول الغربية الطامعة للحصول على مكاسب منها، ولكن السلطان عبد الحميد كان مصرّاً هو وفريقه على مناطحة الغرب بأسلحتهم حتى الفنية منها.

حتى أن ذلك الرجل العبقري الموهبة أبو خليل القباني ابتدع عدداً من العروض التي لم يكن قد قدمها سابقاً في مرحلته الدمشقية والقاهرية، ضمن ما اعتقده حينها بأنه قد يجذب الجمهور الغربي إلى تلك الحالة الرعوية الريفية التي سمعوا عنها في كتب الرحالة والمبشرين وحتى في الإنجيل، ومن تلك العروض التي ثبتها خلف في كتابه، عرض (الدراما الكردية) وعرض (الدراما القلمونية) وعرض (العرس الدمشقي) وجميع تلك العروض كتبت ولحنت ومثلت خصيصاً للمعرض الكولومبي في شيكاغو.

 ويضيف خلف في قراءته لبروشورات العروض تفاصيل الحبكة والقصة وأسماء الممثلين، فيقدم لنا إضافة مهمة جداً في سيرة أبو خليل القباني المسرحية، تتضمن الكشف عن تلك العروض المجهولة والمنسية والجريئة، ويذكر خلف أيضاً النجاح الباهر الذي حققته تلك العروض جماهيرياً، حيث كان مسرح العوائد الشرقية الواقع في القرية التركية التي بنيت خصيصاً لهذا المعرض يضم أكثر من ألفي مقعد كانت أغلب ليالي المعرض محجوزة فيها، ويذكر أيضاً سعر تذكرة الدخول التي كانت 50 سنتاً أي نصف دولار مما يعني أن القائمين على المسرح قد حققوا ثروات ضخمة جداً، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن المعرض استمر ستة أشهر كاملة، صحيح أن أبو خليل لم يستطع البقاء في المعرض طوال مدته بسبب المكائد والتقارير الاستخباراتية التي رفعت ضده وتوجهت إلى الأستانة، بأن تلك العروض كانت تسيء للدولة وتسيء لصورة الدين والعادات، فقفل بعد شهرين فقط عائداً إلى نيويورك ومنها حسب ما رسم خط سيره خلف وذكرت صحيفة كوكب أميركا، إلى لندن وباريس.

وذلك أيضاً هو أحد الكشوف الهامة في مسيرة أبو خليل القباني الذي كان يعتقد بأنه رجل مسرح محلي تنقل بين عدد من مدن الشرق وتم قمعه لأسباب دينية، ولكن تيسير خلف قدم لنا صورة مختلفة لأبو خليل القباني صورة بخلفيات سياسية و اقتصادية واجتماعية تنبض بالحياة، مكنتنا من تكوين صورة ثلاثية الأبعاد لمرحلة أبو خليل القباني، ويكفي خلف فخراً أنه استطاع تقديم صورة فوتوغرافية جديدة لأبو خليل القباني، غير الصورة المتعارف عليها والمعروفة لأبو خليل، صورة له يجلس مع فرقته المسرحية ممسكاً بيده العود الشهير، مما يجعل أنسنة أبو خليل تتكامل بالتجاور مع الحديث عن أسماء المغنيات و أعضاء الفرقة، وتلحينه لأغنيته الشهيرة (عالهيلا الهيلا) على ظهر( سفينة وييرا) المتجهة نحو أميركا وقصص المسرحيات الأخرى والعراضة الشامية في أغلبها، والصور المأخوذة للقرية التركية وواجهة المسرح التركي الذي فضّل أبو خليل القباني أن تكون واجهة قصر دمشقي تم نسخها من واجهة خان أسعد باشا حيث قدم أول عروضه المسرحية حينما كان في بداياته .

رحلة أبو خليل من دمشق إلى شيكاغو، كتاب غاية في الأهمية فهو يعيد الاعتبار لرجل ظلمه التاريخ ولم ينصفه وهو يرفع أبو خليل القباني من رائد محلي لمسرح صغير، إلى كاتب ومخرج مسرحي قارب العالمية منذ البدايات حيث تقارن الصحف الأميركية أعماله بأعمال كتاب ومخرجين عالميين، وهو كتاب مهم لإضافته الهامة لتفاصيل ومعلومات ووثائق غاية في الخطورة من حيث قراءتنا لتاريخ المسرح السوري والعربي وأصول هذا المسرح وجذوره وآليات تطوره، تلك الدراسات التي ظلت منقوصة جداً في ظل غياب معلومات وأرقام تؤرخ للرواد من أمثال أبو خليل، وهو وثيقة نادرة لتلاقح شرقي وغربي تجدد في القرن التاسع عشر بعد انقطاع لقرون طويلة، تلاقح حضاري وثقافي واجتماعي في ثياب فنية بحتة، يحتاج لتبحر وتمحيص لدراسات أكبر وأهم وأوسع للتأثير والتأثر الذي خلفته مشاركة أبو خليل القباني لمعرض شيكاغو، دراسات افتتح بابها بقوة وجدارة الباحث تسير خلف عبر عمله الاستثنائي والمتقن عن هذه الرحلة.

كلمات مفتاحية
مقالات مقترحة
عدد إصابات كورونا يتجاوز الألف في مناطق سيطرة النظام
إصابة جديدة بفيروس كورونا في شمال غربي سوريا
حالتا وفاة بفيروس كورونا وحجر للمصابين في مناطق الإدارة الذاتية
إصدار مرئي للتنظيم المسؤول عن استهداف الدورية المشتركة على الـM4
قتلى لقوات النظام في جبل الأكراد بعد إحباط محاولة تسللهم
ضحايا مدنيون بغارات جوية على مدينة بنش شمالي إدلب (فيديو)
رايبورن: صيف قيصر سيستمر على الأسد وحلفائه حتى النهاية
حجاب ورايبورن يبحثان أفضل السبل لتطبيق قانون قيصر
شركات نفط في لبنان يديرها مهرّب سوري وعضو في برلمان النظام