الباحث وموضوعه علاقة حب أم تبعية؟

الباحث وموضوعه علاقة حب أم تبعية؟

25 حزيران 2019

كثيرٌ من الباحثين في العلوم الإنسانية عموماً وفي العلوم السياسية خصوصاً يقتربون من موضوعهم البحثي اقتراباً لصيقاً يكاد يصبح مُحفّزا لارتباط يمكن وصفه بالعاطفي. وتذخر الساحة البحثية الأوروبية بمثل هؤلاء الباحثين والباحثات. فنرى مثلاً أن من أجرى أبحاثه الدراسية أولا، ومن ثم استمر بتطويرها، على موضوع "المسألة الفلسطينية" اتسم بقرب عاطفي وتضامني شديد مع القضية الفلسطينية. ومن النادر بمكان أن نجد باحثاً غربياً تبحّر في ممارسات إسرائيل في حقول الاحتلال والاستعمار والاستيطان والتمييز العنصري، قريباً سياسياً أو أخلاقياً أو تبريرياً من إسرائيل وسياساتها. كما يبدو للملاحظ أنه من النادر أن قام باحث غربي

أغلب من تصدّى لموضوع يتعلّق ببلد بعينه، قد اقترب بطريقة، لا حذر فيها ولا حيطة ولا خجل، من موضوعه إلى درجة من التشابك الواضح أحياناً ومن الانصهار أحياناً أخرى

بدراسة المجتمع السوري عن عمق وحلّل أزماته البنيوية وليصبح قريباً من ممارسات النظام أو مدافعاً عنها أو حتى متفهماً لها. وعلى العكس، فلقد أبرزت الثورة السورية، وقبل تحولها إلى مقتلة، عدداً كبيراً من الباحثين الغربيين الذين تبنوها واعتبروها تطوراً طبيعياً لمسار سياسي واجتماعي متأزم منذ عقود عدة.

ومن خلال مراجعة رسائل الدكتوراه التي تم تقديمها في السنوات القليلة الماضية، يمكن أن نجد أن أغلب من تصدّى لموضوع يتعلّق ببلد بعينه، قد اقترب بطريقة، لا حذر فيها ولا حيطة ولا خجل، من موضوعه إلى درجة من التشابك الواضح أحياناً ومن الانصهار أحياناً أخرى، دون أن يعني هذا الأمر ابتعاداً عن الموضوعية وأخلاقيات البحث العلمي، ولكنه أضفى بعداً إنسانياً على العمل العلمي المُجرّد. كما أن متابعة آخر الإصدارات العلمية المرتبطة بالمنطقة العربية عموماً وبالربيع العربي على وجه التحديد، تؤكد على الملاحظة السابقة إلا في النادر من الحالات.

وهذا النادر من الحالات يحمل الكاتب أو الباحث إلى الجلوس في أحضان أنظمة ديكتاتورية بائدة أو متجددة أو مستمرة. وهذا الجلوس الفرويدي يمكن له أن يحمل مفاهيم متنوعة، فمنها المادي البحت، بحيث أن وسط الباحثين، كمجمل المهن، فيه من يُشترى ويُباع، والأنظمة المستبدة، فقيرة كانت أم غنية، هي من أكثر الجهات المُفْسِدة ممارسةً في هذا الحقل. كما يمكن أن يكون محرك الإعجاب بالأنظمة المستبدة والدفاع عنها مستنداً أساساً إلى الدافع الإيديولوجي والذي يمكن أن نجده لدى أصحاب اللغة "العلمية" الخشبية، وهي موجودة لدى فئات من اليسار القومي العربي، عند تعاطيهم البافلوفي اللافظ والناقد والمشكك والمخوّن لأحداث الربيع العربي بكل تفاصيلها على سبيل المثال.

ما استفزني لكتابة هذه الأسطر، قيام أكبر المتخصصين بالشؤون الإيرانية في فرنسا، والذي شغل يوماً منصب مدير المعهد الفرنسي في العاصمة طهران، بكتابة عريضة دفاعية عن حكومة طهران بمناسبة التوتر القائم مع الولايات المتحدة الترمبية. توترٌ لا شك بأنه تأجيجه ودفعه نحو التطرف في الأداء وفي التفسير ناجمٌ أساساً عن إدارة تويترية للعلاقات الدولية تعتمد تغريدات "الطفل" ترمب الذي يلعب على بساط البيت الأبيض لعبة الحرب بكل ما تحمله من صواعد ونوازل في المزاج كما في التصريحات كما في التصرفات. بالمقابل، لا يمكن في أي حال، وعلى الرغم من أن إدانة المعالجة الترمبية للأزمة تعتبر منطقية، وعلى الرغم من أن ما يقود

اعتبر الباحث "المتطهرن" أن دعم حكومة طهران للحوثيين في اليمن هو شيء قريب من العدم وقد جرى تضخيمه والمبالغة فيه

هذه السياسة هو مزيج بين تحقيق المصالح الأمنية الإسرائيلية من جهة وفرض إتاوات حربية ومالية على السعودية والإمارات من جهة أخرى، إلا أن باحثنا الكبير في الشؤون الإيرانية، ولشدة تعاطفه غير الموضوعي مع موقف إيران الحكومي، اعتبر بأن أميركا تخطئ باستهداف إيران لأن الأخيرة لا تُشكّل أي خطر يذكر على المصالح الأميركية وهي تحارب الإرهاب كما تفعل واشنطن وأن عدوهما مشترك والمتمثّل بالراديكاليين السنة خصوصاً من انتمى منهم إلى الدولة الإسلامية أو القاعدة.

واعتبر الباحث "المتطهرن" أن دعم حكومة طهران للحوثيين في اليمن هو شيء قريب من العدم وقد جرى تضخيمه والمبالغة فيه. وعلى الرغم من قرب هذا الكلام من الدقة ربما في بداية الانقلاب الحوثي، إلا أن متابعة الملف اليمني تقود وبكل وضوح إلى انخراط الإيرانيين في مستنقع المؤامرات والمؤامرات المضادة الجارية على المسرح اليمني. وفيما يتعلق بالعلاقة الاستراتيجية مع حزب الله اللبناني، لم يجد باحثنا ضيراً في تسفيه أهميتها بتقديمها بدايةً على أنها علاقة إيران بشيعة لبنان مُعيداً جذورها إلى القرن السابع عشر. وإن اختزل صاحبنا شيعة لبنان بحزب الله، فهو كمن يختزل يهود العالم بدولة إسرائيل. فليس كل الشيعة ينتمون إلى الحزب حتماً كما أنه ليس كل اليهود ينتمون إلى إسرائيل أيضاً. وفي معرض دفاعه عن طهران، نسي الباحث الفرنسي المرموق، أو أنه تناسى عن عمد، أية إشارة إلى مواقف إيران في سوريا ببعديها العسكري والسياسي.

إن العلاقة بين الباحث وموضوعه ما زالت تُثير الكثير من النقاشات والتي تتمحور أساساً حول مسألة الموضوعية والتأثر والتأثير المتبادلين. وفي الحالة السورية، يعرف المشهد الفرنسي العلمي أيضاً أبواقاً مقربة من الاستبداد يمتزج خيارها بين المنفعة المادية المباشرة وبين الإيمان الفعلي بموقف سياسي يتلاءم مع سياسات القمع والاستبداد. وهذا الارتباط العاطفي يمكن أن يُصيب الباحث بالعمى كما بالصمم عما يجري. ومن المفيد أن يتم انتقاد هذا الأداء بعلمية وبموضوعية بعيداً عن الوقوع في فخ المواجهة التي يسعى إليها هؤلاء الباحثون عن الشهرة والبروز.

مقالات مقترحة
تسجيل إصابة بفيروس كورونا في مخيم باب السلامة
بعد افتتاحه بساعات.. مركز فحص كورونا في حي المزة يغلق أبوابه
75 إصابة جديدة بـ "كورونا" في مناطق سيطرة النظام
إصدار مرئي للتنظيم المسؤول عن استهداف الدورية المشتركة على الـM4
قتلى لقوات النظام في جبل الأكراد بعد إحباط محاولة تسللهم
ضحايا مدنيون بغارات جوية على مدينة بنش شمالي إدلب (فيديو)
غوغل بلاي توقف تطبيق المصرف التجاري السوري
جيفري سيحضر اجتماع "اللجنة الدستورية" ويتحدث عن شروط لوقف "قيصر"
رايبورن: صيف قيصر سيستمر على الأسد وحلفائه حتى النهاية