الانتخابات العراقية والهمّ الكوردي

تاريخ النشر: 24.04.2018 | 10:04 دمشق

يستمر عجز الأنظمة العربية في احتضان وتقبل الآخر المختلف لغوياً وقومياً. وتتكبر عن الاعتراف الدستوري بها، ما يدفع بمفهوم المواطنة إلى صدارة المسرح المشوه. ومع استحالة تطبيق المواطنة مع سيادة مبدأ الأغلبية السياسية، أو صبغ الدولة بلون قومية واحدة، فإن الاختلاف السياسي يجد طريقه معبداً بسلاسة.

وبموازاة نسف مفهوم المواطنة وفقدان الكوردي شعور الانتماء إلى العراق. فجرت أسئلة من قبيل الأمة والوطن والدولة، شعب واحد أم شعوب متنافرة، حق تقرير المصير للشعوب المتجانسة والمتمايزة عن الأغلبية الشعبية. فجرت الأنساق المضمرة لدى عامة الكورد والعراقيين والنخب الفكرية والسياسية.

فمنذ انهيار جمهورية مهاباد لم ينفصل نضال الكورد عن مطاليب عموم الحركة السياسية العراقية المعارضة للنظام الحاكم وحتى الإطاحة بنظام البعث.

وجد الكورد أنفسهم بين حلم الدولة الكوردية والتعنت العراقي نحو إعادة نزعة المركزيات بشكل خفي متستر وراء الدستور الوهمي

قابله عدم تغيير نظرة الفئات المختلفة للقضية الكوردية إلا بما يتوافق مع وضعيتهم السياسية والحيز الجغرافي الذي يسكنونه. ولم يكن العراق الجديد سوى نزعات مذهبية متثوبة برداء المواطنة. وانحسرَ هم الشيعة في الدفع بمظلوميتهم لاستثمارها بما يخدم أجنداتها وتحالفاتها الإقليمية، وليس قادة لكل العراقيين!

فوجد الكورد أنفسهم بين حلم الدولة الكوردية والتعنت العراقي نحو إعادة نزعة المركزيات بشكل خفي متستر وراء الدستور الوهمي. ومع إهمال العراقيين للصوت الكوردي منذ عقود، بقيت ثنائيات الوطن والمواطنة، الأمة العراقية أم الأمة الكوردية، دون حلّ أو جواب شاف. صراع الثنائيات هذا يشير إلى حقيقة توجه العراق نحو المركزية الاستبدادية المرتبطة بالتيارات السياسية الشيعية، والمتكئة على الأغلبية الطائفية التي تؤمن بسلاسة تمرير أي قرار دون أي اكتراث لباقي المكونات العراقية على اختلاف أروماتها السياسية.

تتفاقم الأزمة مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية العراقية، لإمكانية البحث من عدمها حول مفهوم الأمة العراقية وإمكانية التعايش لمكونات مختلفة ومتنافرة تاريخياً، أو خوض سلسلة من الثورات والنزاعات العسكرية والثورية بين الأطراف المتصارعة. خاصة أن الهجمة العراقية بحد ذاتها تعني أن أعواماً من الحياة السياسية الكوردية – العراقية وكأنها لم تكن، ولم تؤسس لواقع سياسي مختلف في المنطقة كُلها.

لكن بموازاة ذلك لم يقتصر التفسخ السياسي وانهيار السيادة الوطنية على العراق العربي وحده.

الأجمل في كل الهزائم التي مُني بها الكورد أن هزيمة المعنويات لم تجد لها طريقاً إلى نفسية وعقلية الكوردي

بل قابله مفهوم السيادة الوطنية لإقليم كوردستان العراق وإفساح شخصيات سياسية وعسكرية كوردية المجال أمام الحشد الشعبي والقوات العراقية لدخول كركوك. صحيح أنه حتى اللحظة لم تفلح جميع الجهود في قيام الدولة القومية الكوردية، لكن الضغوطات والحروب أيضا لم تفلح في إنهاء الحلم الكوردي. ومع نسبة الـ 92% من المطالبين بكيان قومي كوردستاني فإن المطلوب الآن في هذه اللحظة وليس غداً أو بعد غد، المطلوب الاعتراف أولاً بالهزيمة في كركوك للأسباب المعروفة، والنقد الذاتي بعد الهزيمة. الأجمل في كل الهزائم التي مُني بها الكورد أن هزيمة المعنويات لم تجد لها طريقاً إلى نفسية وعقلية الكوردي، لكن الإقرار بعمق الشعور بالإهانة ومرارة الهزيمة الأخيرة ربما تكون طوق النجاة للمستقبل الكوردي. خاصة أن ثبات الإقليم في وجه التمدد الشيعي، ووقوفه ضد محاولة استمرار العبادي في إهانة الكورد قابله ثبات كوردي في امتصاص الصدمة والهجمة، لكن السؤال إلى متى؟ لذا فإن ردة الفعل الكوردية المطلوبة إن تأخرت فإنها ستكون مقبلة على أزمة تطور الانسلاخ والانزياح القومي لبعض الأحزاب الكوردية ما يُعجل من إمكانية تغلغل النفوذ الإيراني بشكل ضخم جداً.

التشتت الكوردي عبر تعدد وتنوع القوائم المتنافسة في الانتخابات المقبلة، يُمكن أن يشكل نقطة عودة في بغداد عبر توحيد المصالح الكوردية، بعد استحالة توحيد الخطاب الكوردي. الخارطة المقبلة لموازين النفوذ الكوردي ضمن الصراع السياسي العراقي بمجمله، سيتوقف على أبرز نقطتين: أولهما مدى نجاح الديمقراطي والاتحاد الوطني /جناح كوسرت رسول/ من حصد الأصوات الانتخابية والمقاعد البرلمانية. وثانيتهما أصوات جماهير الديمقراطي الكوردستاني في المدن والمحافظات التي قاطع الحزب فيها الانتخابات بكونها مُحتلة كما وصفها. خاصة كركوك ومدى حصد الديمقراطي للمقاعد الانتخابية في شنكال كأحد أبرز المناطق الاستراتيجية عسكرياً ودينياً.

من جانبٍ تالٍ وكفرصة أخيرة للحفاظ على إمكانية التعايش مُجدداً، إن لم تتدارك القوى الضامنة لمشاريعها الفئوية والمستندة إلى تأمين أغلبية طائفية، وتتجه نحو فتح باب حوار جديد بعيداً عن إلغاء نتائج الاستفتاء وتقديم أوراق اعتماد الإقليم السني، فإن دخول القوة المحركة للشارع السني إلى جانب الفعالية الكوردية الجديدة، سيعجل من الاصطدام النهائي بين المكونات المتنافرة.

خاصة أن المناطق المتنازعة عليها ماتزال ترزح تحت عباءة الفكر الريفي، وأصبحت بناها التقليدية مهترئة ومتخمة الجراح جرّاء تتالي الهجرات وزيادة وتيرة الحروب والمعارك. يقابلها استمرار الخلاف حول تأريخ القومية والولاء السياسي لأبناء تلك المناطق.

 ما يؤجل احترام رغبة ساكنيها ما بين الانضمام إلى الريف الكردي والزحف نحو المدنية والمدينة، أو الانضمام إلى الريف العراقي النائي والبقاء في مستنقع التحضير المستمر لاستغلال أبناء تلك المناطق لتصدير الانتحاريين والإرهابيين صوب أي طرف مخالف للأغلبية الشيعية.

 وما بين رفد حكومة الإقليم بثقل بشري جديد، أو رفد بغداد بعناصر مطلوبة لتنفيذ عمليات بشعة، فإن الاتفاقيات القادمة ستوضح المستفيد من المناطق المتنازع عليها، كإحدى أبرز الأذرع القوية في حسم الخلافات الداخلية الكوردية، والتنافس الانتخابي في الإقليم، والصراع الكوردي - العراقي. خاصة أن الغالبية الساحقة لأبناء هذه المناطق تدين بالولاء للديمقراطي الكوردستاني، والجناح المتحالف مع الديمقراطي ضمن الاتحاد الوطني الكوردستاني، وهو ما سيساهم في الاستمرار في مشروع الاستفتاء من عدمه خاصة التركيبة السكانية في كركوك. أم ستكون الذراع القابضة على أرواح الـ 92% من المُستفتين على الاستقلال، وستساهم في تعميق النزاعات الإقليمية والمحلية.

كلمات مفتاحية