الاقتصاد السوري.. من بطاقات التموين إلى خطوط الائتمان

2026.09.24 | 06:08 دمشق

543333
+A
حجم الخط
-A

بعد أكثر من 14 عامًا من الحرب التي طالت الحجر والبشر، وضعت الحرب أوزارها وسكتت المدافع، وبدأت مؤشرات التعافي تلوح في الأفق، مع تحسن الزراعة والطاقة، ونمو التجارة، وعودة اللاجئين، والانفتاح التدريجي على الاقتصادين الإقليمي والدولي. إذ يتوقع صندوق النقد الدولي نموًا برقم من خانتين في عام 2026، لكن هذا التحسن يُفسَّر بحذر شديد، كونه ينطلق من قاعدة شهدت انكماشًا حادًا خلال سنوات الحرب.

في المقابل، ارتفع التضخم في عام 2026 بعد تراجعه في عام 2025، مدفوعًا بأسعار الواردات والطلب والأجور وتأثير الصراع الإقليمي، مع توقعات بتباطؤه في عام 2027 في حال استمرار السياسات المنضبطة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن تباطؤ التضخم يعني انخفاض معدل ارتفاع الأسعار، وليس انخفاض الأسعار نفسها.

ورغم أن 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وأن بطالة الشباب تقترب من 60%، فإن همّ المواطن تجاوز الخبز المدعوم إلى إعادة بناء منزله وتشغيل مشروعه بتمويل حقيقي. وهنا يكمن جوهر التحول من ثقافة "التموين" القائمة على التبعية إلى منظومة "الائتمان" المؤسسة للإنتاج والاستدامة.

لكن هذا التحول يصطدم بغياب التاريخ الائتماني وشلل القطاع المصرفي، إضافة إلى غياب نظام معلوماتي وقانوني يحمي حقوق الطرفين، وإلا بقيت القروض مجرد واجهة جديدة للدعم القديم.

ويتحقق النجاح بتحول المواطن من متلقٍ للدعم إلى شريك في التنمية، لتكتمل بذلك الثورة الصامتة التي تنقل الاقتصاد السوري من البقاء إلى النمو المستدام.

وتراجعت الإيرادات الحكومية من 20% من الناتج المحلي قبل الحرب إلى 5% فقط، بسبب انخفاض الإيرادات النفطية والضريبية، وضعف الإدارة المالية، واتساع الاقتصاد غير الرسمي. وفي عام 2024، بلغت الموازنة 35.5 تريليون ليرة، منها 26.5 تريليون للنفقات الجارية و9 تريليونات للنفقات الاستثمارية، في حين بلغ الإنفاق على الدعم 6.2 تريليون ليرة.

وفي النصف الأول من عام 2026، بلغت الإيرادات 2.7 مليار دولار مقابل إنفاق قدره 3.7 مليارات دولار، بعجز بلغ مليار دولار. ورغم ارتفاع الإيرادات بنسبة 111%، قفز الإنفاق بنسبة 331%، مدفوعًا بالرواتب والأجور، ما يعكس هيمنة النفقات الجارية على حساب الاستثمار.

وتتوقع وزارة المالية تحسن الإيرادات خلال النصف الثاني من العام لتقترب من 8 مليارات دولار سنويًا، لكنها تبقى غير كافية في مواجهة تضخم الإنفاق الجاري. فالتحدي لا يكمن في زيادة الإيرادات وحدها، بل في إعادة هيكلة الإنفاق وتحويله من استهلاكي إلى استثماري.

ويعيق ضعف القاعدة الإيرادية واتساع الإنفاق الجاري الانتقال من "البطاقة التموينية" إلى "خطوط الائتمان"، إذ لا تستطيع دولة عاجزة عن تغطية رواتبها تمويل المشاريع أو تقديم ضمانات ائتمانية كافية. ويتطلب النجاح توسيع الاقتصاد الرسمي، وتحسين الإدارة الضريبية، وتعزيز الإنتاجية، لا الاكتفاء بزيادة الضرائب أو الاقتراض. فطالما ظل الإنفاق الجاري مستأثرًا بحصة كبيرة من الموارد، وظل الاقتصاد غير الرسمي أكبر من الرسمي، ستبقى خطوط الائتمان أمنيةً، والبطاقة التموينية واقعًا، وستظل قدرة الاقتصاد السوري على استبدال ثقافة الدعم بثقافة الاستثمار بعيدة المنال.

الدعم الدولي.. بناء المؤسسات وليس تمويل إعادة الإعمار الشامل

لم يعلن صندوق النقد الدولي، حتى نهاية آب 2026، عن منح مالية مباشرة لسوريا لتمويل إعادة الإعمار، بل ركز على المساعدة الفنية والمشورة الاقتصادية وبناء القدرات، خصوصًا في إدارة المالية العامة، والسياسات النقدية والضريبية، وإدارة الدين، وإصلاح القطاع المصرفي، وتحسين البيانات الاقتصادية.

في المقابل، قدم البنك الدولي، عبر المؤسسة الدولية للتنمية، تمويلات موجهة إلى قطاعات محددة، شملت الكهرباء والمالية العامة والتحول الرقمي والمياه والصحة وتحديث القطاع المالي، بإجمالي معلن يقارب 491 مليون دولار.

ومع ذلك، تبقى هذه المساعدات محدودة مقارنة باحتياجات إعادة الإعمار المقدرة بنحو 216 مليار دولار، ما يعني أن الدعم الدولي الحالي يركز أساسًا على الخدمات الأساسية وبناء المؤسسات وتهيئة البيئة الاقتصادية، في حين يتطلب الإعمار الشامل تدفقات استثمارية وتمويلية أكبر بكثير.

القطاع المصرفي والطاقة.. ركائز التعافي

يمثل إصلاح القطاع المصرفي شرطًا أساسيًا لتمويل إعادة الإعمار، من خلال تعبئة المدخرات، وتسهيل التجارة والاستثمار، وتوفير الائتمان للقطاع الخاص. ولذلك تبرز الحاجة إلى تقييم أوضاع المصارف، وإعادة هيكلة المؤسسات المتعثرة، وتحديث التشريعات، وتعزيز الرقابة المصرفية.

وفي هذا السياق، خصص البنك الدولي 100 مليون دولار لتحديث القطاع المالي، بالتوازي مع جهود إعادة ربط سوريا بشبكات الدفع الدولية، بما يسهم في تسهيل التحويلات والاستثمارات والتجارة الخارجية عبر القنوات الرسمية.

أما الطاقة والكهرباء، فينبغي أن تكونا نقطة الانطلاق الأساسية للنمو المستدام. وتمثل منحة الكهرباء البالغة 146 مليون دولار خطوة أولية، لكنها تبقى محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات. ويتطلب التعافي إعادة تأهيل محطات التوليد، وتحديث شبكات النقل والتوزيع، وتقليل الفاقد، وزيادة إنتاج الغاز، والتوسع في الطاقة المتجددة، ولا سيما الطاقة الشمسية.

وينبغي ربط استثمارات الطاقة مباشرة بإعادة تشغيل الصناعة والزراعة، بحيث تتحول زيادة إمدادات الكهرباء إلى إنتاج واستثمار وفرص عمل. كما ينبغي استخدام عائدات النفط والغاز مصدرًا انتقاليًا لتمويل الاستثمار وتنويع الاقتصاد، لا بديلًا عن الإصلاح الاقتصادي.

إعادة الإعمار بالاستثمار.. وحماية الملكية أساس لخطوط الائتمان

إن تمويل إعادة الإعمار، التي تُقدّر كلفتها بنحو 216 مليار دولار، عبر الموازنة السورية وحدها أمر غير واقعي، ما يستدعي التحول من نموذج "الدعم" إلى نموذج "الاستثمار"، بحيث تستخدم الدولة والمؤسسات الدولية مواردها المحدودة لتقليل المخاطر وتحفيز رأس المال الخاص.

ويمكن لهذه المؤسسات توفير ضمانات جزئية لمشروعات الكهرباء والمياه والنقل، في حين يقدم المستثمرون التمويل والخبرة. كما يمثل رأس المال السوري في الخارج فرصة مهمة، خصوصًا مع عودة نحو 1.5 مليون لاجئ خلال عام 2025، شريطة أن ترتبط العودة بفرص العمل والإنتاج، وبضمانات واضحة لحماية حقوق الملكية.

وتقوم استراتيجية التعافي على ثلاث مراحل مترابطة: تركز الأولى على الاستقرار الاقتصادي، وإعادة بناء النظامين المالي والمصرفي، وتأهيل البنية التحتية الأساسية، ودعم الزراعة والحماية الاجتماعية. أما الثانية، فتستهدف تنشيط الصناعة والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتطوير النقل والسياحة. في حين تتجه الثالثة نحو اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية، يعتمد على التصدير والتكنولوجيا والطاقة المتجددة، وهو الهدف الأسمى للتحول من ثقافة التموين إلى ثقافة التمويل والاستثمار.

ولا يُقاس نجاح التعافي السوري بمجرد ارتفاع الناتج المحلي، بل بقدرة الاقتصاد على استعادة طاقته الإنتاجية، وتوفير فرص العمل، وخفض الفقر، وجذب الاستثمار، وبناء مؤسسات مالية واقتصادية قادرة على تمويل النمو المستدام.