أثار تعرّض المطرب الحلبي عمر خيري للاعتداء من قبل مجموعة من الشبان إدانة واسعة وجدلا على وسائل التواصل الاجتماعي حول العدلة وسيادة القانون في سوريا، وسط اتهامات مرتبطة بمواقفه السياسية المؤيدة للنظام المخلوع، وفق ما تداول ناشطون على وسائل التواصل.
وخلال إحياء عمر خيري حفلاً في مدينة الباب بريف حلب، اقتحم عدد من الشبان المكان واعتدوا عليه بالضرب، ثم أقدموا على حلق شعره وكتابة عبارات على وجهه وصدره، وسط حضور جمهور واسع، وظهرت أصوات الموسيقا والاحتفال في خلفية تسجيلات مصوّرة انتشرت على شبكة الإنترنت بشكل كبير.
الروايات تضاربت حول دوافع الاعتداء؛ فبينما أرجعها البعض إلى اتهامات تتعلق بماضي خيري ومواقفه السياسية، رأى آخرون أن الحادثة تعود لخلافات شخصية لا علاقة لها بالشأن العام.
وأعادت حادثة عمر خيري إلى الواجهة إشكالية غياب منظومة عدلية موحّدة تحت سلطة مركزية، إذ ما تزال الصلاحيات موزعة بين جهات عسكرية وأمنية متعددة، في حين تبقى القوانين رهينة الاجتهادات الفردية أو الأعراف المحلية.
انقسام على منصات التواصل
تعدّدت الآراء على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن الحادثة، فمنهم من اعتبر ما جرى اعتداءً على الكرامة الإنسانية، ومنهم من برّر الحادثة بالحديث عن ممارسات سابقة للفنان.
وعلّق الصحفي قحطان مصطفى قائلاً: "مشاهد العنف ضد أي شخص، مهما كانت صفته، تفضح انهيار ما تبقى من القيم. الاعتداء على المطرب الشعبي عمر خيري لا يمكن تبريره لا بالسياسة ولا بالغضب ولا بالثأر".
وأضاف: "من يرى أن الانتقام بهذه الطريقة هو عدالة، يعيد إنتاج الجريمة والذلّ بأدوات مختلفة. وإذا صار العقاب بيد كل غاضب، فما الفرق بيننا وبين من نرفضهم؟".
في حين قال حساب باسم محمد حسين: "يلي يسأل عن سبب ضرب المغني عمر خيري بالاعتداء عليه من قبل جهة مجهولة وتعتبر حالة فردية لا تمثل الدولة.توضيح للناس عن عمر خيري شخص شبيح سابقاً يمجد الأسد والسلطة القديمة وأغلب أغانيه عنهم".
وبرر آخرون الاعتداء على خيري، بأن حلاقة الشعر والرسم على الوجه والجبهة كان منتشرا في ألمانيا ومورس بحق "النازيين"، حيث نفذت قوات من الحلفاء سلسلة من الإجراءات "العقابية والرمزية" ضد الجنود النازيين وأعضاء الحزب النازي، وكان من أبرز هذه الإجراءات رسم أو حفر الصليب المعقوف (رمز النازية) على أجساد بعضهم، أو إجبارهم على تَحمُّل هذا الرمز كنوع من الإذلال والتشهير.
إدانة للاعتداء.. "فعل غير مبرر"
وتجاوزت القضية الفنان عمر خيري، لتفتح نقاشاً أوسع حول الحاجة إلى منظومة عدالة عادلة وموثوقة في "بيئات ما بعد النزاع"، تمنع اللجوء للعنف الفردي وتحمي المجتمع من تحوّل الاتهام إلى حكم، والعقوبة إلى مشهد علني خارج الأعراف القانونية.
وقال الصحفي والكاتب رائد وحش على فيس بوك "لا يمكن تبرير ما تعرّض له المطرب الشعبي عمر خيري تحت أي ذريعة. هذه ليست زلات فردية. من عادة الزلات أن تكون استثناء، لكنها حين تغدو نمطًا متكررًا فإنها تصبح انعكاسات لنزعة قمعية راسخة، تُغذّيها أجهزة تُحاكي مخيّلة العصور الوسطى. رأينا هذه النزعة يوم حلق الشوارب في السويداء. ورأيناها في منشورات التشهير بمعتقلي الرأي الجدد. ونراها مرة أخرى في إذلال مطرب غنى لنظام الأسد مع أن كثيرًا من مجرمي عهد الأسد في أمان".
وأضاف "كأنّ الغاية لم تعد "الأمن"، بل الإذلال باسم الأمن. المفارقة الصارخة التي تجعلني أضرب كفًّا بكف حائرًا في أمر هؤلاء: أفيخاي أدرعي يتجوّل في ريف دمشق ولا أحد يحتج. السلطة تُصافح روسيا التي دكّت سوريا بأعتى الأسلحة على مدار عقد من الزمن، ثم وفّرت الغطاء والملجأ للديكتاتور الهارب، ولم يصدر أي موقف غاضب، بل هناك تفاهمات جديدة. يمتلك الإذلال الداخلي كامل الشرعية، أما الإهانة الآتية من الخارج فتصمت عنها الألسن. وعندما يحدث هذا فإن الدولة تفقد قدرتها على التمييز بين العدو والمعارض، وتنزلق إلى نمط غريب يغيّر تعريف السياسة إلى: فنّ إدارة الإهانة".
وقال حساب باسم رشيق سليمان: "بعد قليل ستطلع علينا وزارة الداخلية ببيان تقول فيه؛ عمر خيري كان مخموراً ولم يكن يغني وليس غناؤه إلا غطاء للخمر حتى لو كان يغني من عشرين عام... وستؤكد الوزارة أن من قام بضرب عمر خيري وشتمه وإهانته وإذلاله مجهولون ولا يمثلون الدولة... وأن من ربطوه وكتبوا على جبينه وخديه وصدره ووقعوا عليهم... سيتم التحقيق معهم.. وسينالون جزاءهم إن ثبت تورطهم.. أو أنه أي الفنان عمر خيري في لحظة سلطنة أمسك القلم وبدأ يكتب على جبينه وصدره...
ستذكرنا الوزارة أن لا أحد فوق القانون وأن مهمتها حماية المواطنين السوريين...".
وقال حساب آخر على فيس بوك باسم جود حسن: (قامت عناصر الأمن في مدينة الباب – حلب بالاعتداء على المطرب الحلبي عمر خيري: حلق شعره بالقوة، الرسم على وجهه وجسده، الضرب والإجبار على الغناء للجولاني". إذلال علني وانتهاك لكرامة الإنسان، كل ذلك يُبرَّر كالعادة بـ”أخطاء فردية”. “الشعب السوري ما بينذل” كان أول شعار بالثورة".
وتابع: "اليوم، عناصر الأمن تذل الناس علناً وما حدا بيردعهم. الحكومة كل مرة بتقول “أخطاء فردية” و”تمت المحاسبة”، لكن الحقيقة: ما شفنا أي محاسبة، ولا أي نتيجة. الانتهاكات عم تزيد، والإذلال صار علني أكتر، وكأن في ضوء أخضر لكل عنصر يهين الناس ويتصرف فوق القانون. وين الدولة؟ وين القانون؟ ولا الشغل صار بس ترندات وهويات بصرية، بينما الناس عم تنهان بالشوارع؟ إذا ما في محاسبة حقيقية ولا في قانون، فالانتهاكات رح تضل مستمرة كل يوم، وتنعاد تحت اسم أخطاء فردية".
الداخلية السورية تعلّق
تعليقا على الحادثة، نفى المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، نور الدين البابا، ما يتم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن تعرّض مطرب شعبي للاعتداء من قِبل عناصر الأمن العام في مدينة الباب بريف حلب، مؤكداً أنه "لا علاقة لأي جهة أمنية بالحادثة المذكورة".
وأوضح البابا أن الوزارة تواجه "حملات تضليل ممنهجة تهدف إلى تشويه صورة الأمن العام"، مشدداً على أن الوزارة تمارس عملها بشفافية، وفي حال حدوث خطأ، فإنها تعتذر وتقوم بالمحاسبة، لكنها في الوقت ذاته "لن تسكت عن الأكاذيب وتلفيق التهم".