الاختلاف الجوهري بين عقدة بطرس الأكبر وبوتين

تاريخ النشر: 20.06.2022 | 06:08 دمشق

في منتدى بيترسبورغ الاقتصادي، الذي عقد في العشر الثاني من شهر حزيران، والذي تعرض لهجوم سيبراني غامض أدى إلى تأجيل كلمة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قليلاً، كانت هنالك مجموعة كبيرة من الرسائل والدعوات المحضرة مسبقاً، تضم ما يشبه تحالفاً للدول التي لم تعلن بعد الغضب على الغزو الروسي المفتعل على أوكرانيا.. والذي قامت به قوات الرئيس الروسي بوتين في بدايات شهر شباط 2022.

اعتلى بوتين المنصة وألقى كلمة استمرت قرابة 72 دقيقة، أوضح فيها بطريقته المسهبة والتي تبدو مخاطبة للتاريخ أكثر من مخاطبتها الحضور الجاثم أمامه، والتي أيضاً كانت محملة برسائل سياسية وجيوسياسية إمبريالية من تلك التي يعشقها الرئيس بوتين، والتي شغلت عقله وبباله طوال فترة حكمه الممتدة من بدايات الألفية الجديدة.. بعد أن كان ضابط استخبارات روسية شهد في يوم من الأيام سقوط المجد السوفييتي في واحدة من أكلح لحظات السوفييت قتامة.

وكما هي عادة أغلب الطغاة المنتفضين بحكم التاريخ والرفض لـ(الجيوبولتيك الظالم) الذي أدى إلى تغيير حياتهم من منحى إلى آخر، كما حصل مع هتلر غداة شهادته على هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، ورغبة موسوليني في استعادة المجد الروماني بعد مشاهداته المؤلمة لواقع الأمة الإيطالية، كان فلاديمير بوتين شاهداً في ذات يوم من أيام العام المفصلي 1989، على التغيير الحاسم في السياسة العالمية في برلين حينما كانت جموع الشباب الألماني تفكك جدار برلين الشهير قطعة قطعة وسط الأغاني والفرح ورقصات النصر على النظم الشمولية، وانتهاء حقبة الانغلاق السوفييتي، والبؤس الاقتصادي، كان بوتين ذاته يجلس مدمع العينين يراقب من المركز الأمني السوفييتي الاستخباري، كيف يتحول العالم من شكل إلى آخر، وكيف تغرق بلاده في بحر من الظلمات بعد عقود من الاحتضار السياسي والاقتصادي وسوء الإدارة، معللاً كل ما يجري بنظرية المؤامرة التي سكنت تفكيره، دون أن يرى مثالب ونواقص البنية الهيكلية للاتحاد السوفييتي وإمكانية تفاديها لاحقاً.

فيما بعد ستبقى هذه اللحظات حية في وجدانه بعد أن قضى عقوداً يُمني النفس بتعديل كفة ما جرى فيما بعد من تفكك للاتحاد السوفييتي وتحول روسيا ودول حلف وارسو من حصن شرقي، إلى دول تدور في فلك الغرب صاحب الاقتصاد الحر وحرية التعبير وحقوق الإنسان، رغم كل ما يكتنف ذلك من مشاعر مضادة لنهوض دول تبنت فكراً معادياً للفكر الذي تربى عليه، ونجاحهم في تحقيق بحبوحة اقتصادية واجتماعية لشعوبهم، حتى باتت دول من مثل رومانيا وبلغاريا ودول البلطيق الثلاثة وأوكرانيا ومولدافيا وبقية دول يوغسلافيا السابقة، دولاً ذات وزن ودساتير واقتصاد حر وتبادل تجاري كبير وبرلمانات منتخبة، بينما بقي هو يتجاوز الصعوبات واحدة تلو الأخرى، مثله مثل الأبطال التراجيديين الذين يسعون إلى مصيرهم بثبات كبير هائل، حتى اعتلى سدة الحكم وبدأ مسيرته البطيئة الهادئة في محاولات تعديل الكفة واستعادة الشرق لمواجهة الغرب كما يقول دائماً.

في خطبة سان بيترسبورغ، تحدث بوتين عن أسباب غزوه لأوكرانيا، حيث سماها(العملية العسكرية الخاصة لتحقيق السلام في أوكرانيا) وتحدث عن انتهاء حقبة القطب الأوحد، ودخول العالم في نظام عالمي جديد، يعتمد على الثنائية التي كانت موجودة في فترة المواجهة السوفييتية الأميركية.

برر بوتين غزو موسكو لأوكرانيا بالقول إن بلاده تحاول الآن استعادة "أراضيها الأصلية"، تماما كما فعل حاكم روسيا بطرس الأكبر في بداية القرن الثامن عشر.

برر بوتين غزو موسكو لأوكرانيا بالقول إن بلاده تحاول الآن استعادة "أراضيها الأصلية"، تماما كما فعل حاكم روسيا بطرس الأكبر في بداية القرن الثامن عشر.

وأشار بقوة إلى المكان الذي يعقد فيه المنتدى الذي خطب فيه الرئيس الصيني عبر اتصال الفيديو، بحضور الرئيس الكازاخستاني توكيمييف إلى أن أراضي سان بيرتسبورغ، كانت تحت السيطرة السويدية ولكن بطرس الأكبر استعادها بسبب وجود سكان من الروس فيها، على الرغم من عدم اعتراف الدول الأوروبية حينئذ بهذا الضم والاستعادة إلا أن الواقع فرض نفسه على حد قوله، و(ها نحن مجتمعون هنا في بطرسبورغ عاصمة روسيا الثانية)، في إشارة إلى أن عمليات الضم التي يقوم بها للأراضي المجاورة في جورجيا وأوكرانيا واليابان، والتي رفضها ويرفضها الغرب، ستصبح روسية بحكم الأمر الواقع الذي يجب على الغرب أن يتعامل معه.

تحدث في أسابيع سابقة في منتدى لرجال الأعمال الروس، عن بطرس الأكبر أيضاً، وعن فتوحاته، ونفى أن تكون غزوات، بل هي استعادة للأراضي الروسية المقدسة، وهذا كان واجبه، على حد قوله.

يبدو التطابق الذي يريده بوتين، بينه وبين بطرس الأكبر جلياً في خطاباته، فبطرس الأكبر، أو بطرس الأول، شخصية روسية محببة لدى الروس، وذات تقدير واهتمام بوصفه مؤسساً مهماً للدولة الروسية وصاحب انتصارات وفتوحات كبيرة في القرن السابع عشر، حيث كان هو أول من أدرك من القادة السلاف أهمية انفتاح روسيا على البحار، وعدم بقائها حبيسة الجغرافيا الداخلية، فقام بغزوات متتالية في بحر آزوف ليفتح البر الروسي الشاسع لأول مرة على البحار الدافئة، وليتوسع في حرب الشمال مع السويد ليقتنص أراضي مهمة في كل من فنلندا والسويد ودول البلطيق ليؤسس مدينة سانبطرسبورغ الشهيرة لتكون عاصمته الأساسية.

لكن بطرس الأول هذا لم يفعل ما فعله من وحي العزلة أو العظمة القائمة على الأوهام، على العكس تماماً فلقد كان هاجسه الأساسي هو التقرب من الغرب لدرجة مناطحته والاندماج معه، فهو قد تنكر قبل حملاته العسكرية الشهيرة بسنوات في ثياب عامل وذهب لشهور طويلة في زيارة أوروبية معروفة اشتغل فيها في شركات تصنيع السفن لدرجة أنه درس الأمر  عن قرب كعامل ومهندس، فعل هذا في هولندا وفي بريطانيا، واطلع على النموذج الأوروبي للمجتمعات وحضر جلسات برلمانية وجال في الأسواق والمكتبات والمتاحف، في محاولة لاستنساخ النموذج الأوروبي في روسيا الصاعدة.

بينما يفعل بوتين العكس تماماً فهو بعد تصريحاته الشهيرة عن أوروبية روسيا، ورغبته في أن تكون روسيا جزءاً من الغرب لا من آسيا، ارتكب الخطأ الأساسي في تحقيق القطيعة مع أوروبا والغرب، والتوجه شرقاً ليكون حليفاً لمعسكر الصين ودول آسيا الوسطى، فقطع العلاقات التجارية والاقتصادية والفنية والحضارية مع الغرب، تاركاً المجتمع الروسي في حيرة من أمره بعد عقدين من الانفتاح والبحبوحة والتنسيق مع الغرب، فعل هذا حينما غزا القرم في ربيع 2014، ومن ثم أوكرانيا في ربيع 2022، ليقدم ذريعة للغرب بنسف تجربته الاقتصادية المتحالفة مع أوروبا فهو لم يستوعب شيئاً من تجربة بطرس الأكبر إلا مبدأ الحرب لاستعادة الأراضي، وكأن روسيا ينقصها جزء من أرض وهي أكبر بلد في العالم، ولكن دون تنمية أو تطوير متناسياً الجسر الحضاري الممتد بين أوروربا وآسيا، الذي تشكله روسيا يفعل بوتين هذا وهو في السبعين من عمره، محاولاً أن يزرع اسمه في ذاكرة الروس كقائد أساسي استعاد لروسيا مجدها الإمبراطوري ولكن العالم ليس هو العالم، والزمان ليس هو الزمان، فلربما لن يتمكن الغرب من صده عسكرياً، ولكنهم حتماً سيتمكنون من صده حضارياً، ولن يمنحونه فرصة أن يعيد العالم إلى الوراء أو أن يعيد تركيب جدار برلين من جديد في ذلك المشهد الذي يبدو أنه لن ينساه أبداً.

 

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار