الائتلاف الوطني وخطواته الإصلاحية

تاريخ النشر: 15.04.2022 | 05:40 دمشق

يعرف عموم السوريين أن الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، وهي تسميته الرسمية، أسس في الحادي عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني 2012 في الدوحة، بناء على ضغط من عدة دول إقليمية ودولية، أهمها الولايات المتحدة، حيث طالبت السيدة هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية في حينه، بضرورة استبدال المجلس الوطني، كونه لا يعبر عن تطلعات السوريين، كما أنه لا يمثلهم. ومع أنه تشكل كما أعلِن وقتها من عدة كتل ومجموعات سياسية وشخصيات مستقلة عديدة، لكنه اعتمد في تشكيله على التمثيل القائم على مبدأ المحاصصة، وهو ما خلق إمكانية الارتهان والانفجار في أية لحظة، ووضع سدًا أمام أي إمكانية لتمثيل وطني حقيقي، فمبدأ المحاصصة بحسب المكونات سينتهي به الحال إلى ما هو عليه: الارتهان والابتعاد عن التمثيل الوطني، وهو ما شهدناه مع مجموعات مختلفة من قياداته أيًا كانت انتماءاتها.

لا حاجة اليوم لمحاكمة جسد قرر بملء إرادته أن يدخل في حالة سبات طويل، ويلقي تصريحات خطابية بعيدة عن الخطط السياسية المتوازنة التي تعبر عن نبض السوريين وتضحياتهم، والمتفهمة لخريطة التصارع على سوريا. فرغم أنه حظي في بداية تأسيسه باعتراف دولي واسع وانفتحت أمامه مجالات دبلوماسية كبيرة، إضافة إلى أن موقف الجيش السوري الحر كان بحالة تصاعد ويملك من الزخم ما يكفي لدعم الممثل السياسي لقوى الثورة والمعارضة، لكنه (الائتلاف) أصر وبعناد على تغليب مصالح "كتله" بعيدا عن مصالح السوريين، كما أنه لم يشكل هيئات حقيقية تخضع للمراقبة والمساءلة، وتمثل السوريين أمام الدول وتقدم قضيتهم على أنها قضية تحرر وكرامة، يمكن أن يتضامن معها كثيرون، وهو ما أوصله تدريجيا إلى فقدان ثقة السوريين به أولا، إضافة إلى الدول، بما فيها التي كانت متحمسة له، وتبنته.

رغم تصريحاتها المعلنة بضرورة الحل السياسي، يلجأ الائتلاف المعارض لما يسميه عملية إصلاح واسعة شملت إبعاد كتل وأشخاص، وتعديلاً لنظامه الداخلي

اليوم، بعد تسعة أعوام تقريبًا، سوريا موزعة بين أربع جهات محلية ورعاتها الإقليميين والدوليين، حيث تسيطر قوى المعارضة العسكرية المعتدلة على أقل نسبة من الأرض، ودخول الصراع السوري في مرحلة التجمد، بمعنى عدم توافق الدول المتصارعة في سوريا وعليها على حل ما، رغم تصريحاتها المعلنة بضرورة الحل السياسي، يلجأ الائتلاف المعارض لما يسميه عملية إصلاح واسعة شملت إبعاد كتل وأشخاص، وتعديلاً لنظامه الداخلي ليتماشى مع "تطلعات وتمثيل السوريين والشارع الثوري بصورة حقيقية" كما يدعي، و"لتجاوز حالة الانسداد التي مرّ بها"، مذكرًا بأن "الحرب في أوكرانيا فتحت نوافذ جديدة، لا بد من الاستفادة منها، والحالة الدولية أوضحت الخطأ في التعاطي الدولي مع الملف السوري". بحسب تصريحات قيادته.

ما بين تأسيس الائتلاف الوطني عام 2012 وعملية "الإصلاح" المعلنة اليوم ليس فارقًا زمنيًا مدته أكثر من تسعة أعوام، وإنما هناك تغييرات كبرى حدثت في سوريا، تغييرات على مستوى الأرض والبشر، فمعظم المناطق التي كانت تحت سيطرة الجيش السوري الحر سقطت بيد النظام وحلفائه ابتداء من حمص وريفها وحلب وريفها وغوطة دمشق ودرعا ودمار الرقة وجزء من دير الزور بعد سيطرة (داعش) عليها قبل طرده من قبل التحالف الدولي و(قسد)، أما على مستوى البشر، فتضاعف حجم من قتلهم النظام عشرات المرات، ووصل عدد المهجرين إلى الملايين، بمعنى آخر، وكما يقال، يعلن الائتلاف عن عملية إصلاحه بعد "خراب البصرة"، أي بعد فقدان أي مغزى لها. 

وعلى المستوى السياسي، دخل الائتلاف بعد مواربة في العملية السياسية التي أطلقها مؤتمر سوتشي 2018، المسماة "اللجنة الدستورية"، ودافع عنها عنوة بأنها من صلب القرار 2254 الداعي لعملية انتقال سياسي كاملة وهيئة حكم انتقالي بصلاحيات تنفيذية واسعة تهيئ البيئة الآمنة لكتابة دستور جديد، وليس لتعديلات دستورية كما هو مضمون توصيات سوتشي، التي غايتها ليس أن تكون بديلًا عن القرار الدولي، بل إفراغه بالكامل من معناه السياسي، وتحويل قضية السوريين إلى قضية مطلبية يبتُ فيها المتخصصون. ورغم المطالبات العديدة والانتقادات القاسية تجاه عمل اللجنة الميمونة هذه، بكونها لم تنجز شيئا طوال أعوامها الثلاث، إلا أنه أصر على تغطيتها والمشاركة فيها.

لا شك أن كثيرًا من السوريين يأملون في أن يلعب الائتلاف الوطني بوصفه "الممثل" المعترف فيه "دوليا" دورا مهما بالدفاع عن جوهر قضيتهم المتمثل بالخلاص من نظام الاستبداد المزمن من خلال عملية سياسية تنجز الانتقال السياسي والتغيير الديمقراطي، وأنهم طالبوه منذ أعوام بضرورة إصلاحه وبنائه بشكل مؤسسي، أي وفق قواعد وأنظمة معلنة وشفافة في عموم مكاتبه وآلياته، لكنه تجاهل عمدًا تلك المطالب تحت حجج واهية مرتبطة بمواقف دولية ضاربا عرض الحائط مصالح من يدعي تمثيلهم، إلى أن وصل في النهاية إلى جسد لا يهم سوى من هم فيه، ومصالحهم الضيقة، فخلق بذلك شرخا كبيرا بينه وبين السوريين يصعب ردمه، فضلا عن أنه فات الآوان على ذلك.

ومن تداعيات عملية "الإصلاح" هذه المثيرة للانتباه في الرد على ما يجري، هو دعوى الفريق الآخر الذي تم إبعاده عن صدارة المشهد، الذي أطلق على نفسه "الائتلاف الوطني السوري - تيار الإصلاح"، إلى "دعوة كل القيادات الوطنية التي تم استبعادها وتشكيل لجنة مشتركة من الجميع للتحضير لمؤتمر وطني" وتباكيه على "اختطاف" الائتلاف من الفئة "المرتهنة" من دون توضيح لمن يرتهن، وفيما إن كان تيار الإصلاح هذا مرتهنًا لجهة أخرى، أم لا، وهو ذاته الذي كان مشتركًا مع قيادة الائتلاف منذ تأسيسه في تجاهل الدعوات إلى الإصلاح والعمل المؤسسي الشفاف بحجة عدم توفر الظروف.

هناك شك كبير لدى السوريين بأن عملية "الإصلاح" هذه التي أعلن عنها الائتلاف مؤخرًا ليست ناتجة عن استجابته لمطالب السوريين وقناعته بضرورة العملية، وهناك شك أكبر بأن حتى هذه العملية هي أيضا نتاج تغيرات دولية وإقليمية تجاه مقاربة القضية السورية، بعد وصولها إلى حالة من الاحتباس طويل الأمد. فالحديث الذي تتناقله الصحافة عن نية الولايات المتحدة استثناء شمال شرق سوريا من العقوبات المفروضة بموجب قانون قيصر، والتي يمكن في وقت لاحق أن تطول شمال غربها يعتمد على مدى التقاربات الإقليمية والدولية (التقارب التركي السعودي والإماراتي، إضافة إلى التقارب مع مصر)، وغض الولايات المتحدة الطرف عن محاولات التطبيع مع نظام الأسد يشير إلى ترتيبات جديدة لسياسة تلك الدول تجاه سوريا، ومن المؤكد أنها ليست إيجابية تجاه السوريين ومطالبهم. فهل الترتيبات و"الإصلاحات" التي جرت مؤخرًا في الائتلاف الوطني تندرج ضمن هذه الترتيبات، هذا ما ستكشفه الشهور المقبلة؟

ما يحتاجه السوريون هو عملية تغيير جدية، ليست تجميلية من خلال إبعاد وجوه ما وجلب بديل لها، وإنما العمل على تأسيس كيان وطني وفق خطة سياسية واضحة ومعلنة

وخلاصة القول، لقد وصل الائتلاف إلى حالة تعجز فيها عمليات التجميل عن إعادة إحيائه، فغير شلله السياسي، إذا تأكدت الأخبار المسربة عن الاختراقات الأمنية فيه، فهذا يكفي لأن يعلن عن حلّ نفسه وفتح الباب أمام مؤتمر وطني لجسد تمثلي حقيقي، فما يحتاجه السوريون هو عملية تغيير جدية، ليست تجميلية من خلال إبعاد وجوه ما وجلب بديل لها، وإنما العمل على تأسيس كيان وطني وفق خطة سياسية واضحة ومعلنة همه الأول العمل بكل الوسائل المتاحة على تحقيق مطالب السوريين في التحرر والديمقراطية والكرامة.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار