بعد عام على سقوط نظام بشار الأسد، يرسم تقرير لمجلة الإيكونوميست صورة لمشهد أمني آخذ في التشكل جنوب سوريا، حيث تتحرك إسرائيل لترسيخ وجود عسكري تقول إنه مؤقت، لكنه يحمل مؤشرات على استراتيجية طويلة الأمد. التقرير يشير إلى أن تل أبيب لم تكتفِ باحتلال مواقع داخل الأراضي السورية، بل أنشأت نقاطاً محصّنة، ووسّعت تدخلها الأمني، وبنت قنوات تواصل محلية، مدفوعة بشكوك عميقة تجاه قدرة ونوايا الحكومة السورية الجديدة على ضبط الحدود ومنع تشكل تهديدات مستقبلية.
وفي قراءته للمآلات، يحذّر التقرير من أن هذا الوجود الإسرائيلي، رغم ما يوفّره من شعور آني بالأمن لتل أبيب، قد يتحول إلى عامل توتير دائم يعرقل استقرار الجنوب السوري ويخلق بيئة عدائية جديدة. كما يلفت إلى أن غياب ترتيبات أمنية متفق عليها، وتردد إسرائيل في الانسحاب إلى خطوط فض الاشتباك، يجعلان وجودها مرشحاً للاستمرار، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على علاقة دمشق بالمجتمع الدولي وعلى فرص بناء استقرار مستدام في سوريا.
يعرض موقع تلفزيون سوريا ترجمة هذا التقرير ضمن إطار إطلاع جمهورنا الكريم على أحدث المستجدات في الملف الأمني بسوريا، من دون أن يعتبر ذلك بمثابة أي شكل من أشكال التبني لهذا الموقف أو لتوجهات مجلة الإيكونوميست.
وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:
بعد ساعات قليلة على هروب ديكتاتور سوريا، بشار الأسد، من دمشق، في كانون الأول من العام الماضي، تحركت القوات الإسرائيلية ضد سوريا، فاحتلت أراض من الجنوب السوري تمتد من قمة جبل الشيخ وصولاً إلى المثلث الحدودي بين سوريا والأردن وإسرائيل، أي عند بداية امتداد الأرض نحو وادي الأردن.
كانت رغبة إسرائيل آنذاك ملء ما خشيت أن يتحول على الفور إلى فراغ فوضوي في السلطة، كما أرادت أن تمنع وقوع أي هجوم مفاجئ على الإسرائيليين الذين يعيشون في مرتفعات الجولان، ولهذا حفر الإسرائيليون خندقاً عميقاً في الجولان لمنع وصول من اعتبروهم "غزاة" على متن شاحنات بيك آب، خوفاً من أن يتكرر ما فعله "الغزاة" الذين أتوا من غزة في السابع من تشرين الأول عام 2023. كما نسجت إسرائيل علاقات مع القرى الدرزية التي خشيت على مستقبلها في ظل الحكومة السورية الجديدة، ونظراً لوجود أقلية درزية في إسرائيل أيضاً، لذا فقد وصل دروز كثر إلى مناصب عليا في الجيش الإسرائيلي، وهؤلاء لهم أقارب في سوريا.
جيش توغل ليبقى
بعد مرور عام على كل ذلك، مايزال الجيش الإسرائيلي مرابطاً هناك، فقد أنشأت إسرائيل عشرة نقاط محصنة في الداخل السوري والتي يصفها أحد الضباط الإسرائيليين بأنها أنشئت لتبقى خلال السنوات الأربع القادمة. كما جرى تعيين جهات ارتباط مدنية لتتواصل مع القرى ذات الغالبية الدرزية، حيث جرى تقديم المساعدات الطبية وغيرها من المساعدات في بعض تلك القرى، وهنالك بلدات أخرى نفذ الجيش الإسرائيلي فيها مداهمات. وفي 28 تشرين الثاني وصل العساكر الإسرائيليون إلى إحدى تلك البلدات، أي بلدة بيت جن، وذلك ليلقوا القبض على عناصر من ميليشيا إسلامية لبنانية زعمت إسرائيل بأنهم كانوا يخططون لتنفيذ هجمات إرهابية، ما أسفر عن تبادل لإطلاق النار بين الطرفين خلف 20 قتيلاً من أهالي تلك البلدة.
أكدت إسرائيل بأن تلك الميليشيات المعادية تنشط في تلك المنطقة، إذ قال ضابط إسرائيلي يخدم هناك: "هنالك عدو دوماً يغير شكله على الطرف الآخر، من دون أن نتعلم طريقة لقراءته في كل مرة".
ماتزال إسرائيل تشك بنوايا حكومة أحمد الشرع في دمشق وتضمر ريبة تجاه إمكانياتها، إذ يقول أحد المحللين الإسرائيليين المتخصصين بالمعلومات الاستخبارية: "شاهدنا تركيا وهي تتصرف بكل حرية في الشمال السوري، كما رأينا إيران وحزب الله وهما يحاولان العودة لتنظيم طرقات التهريب الخاصة بهما والتي تصل إلى لبنان".
وفي شهر تشرين الثاني الفائت، زار نتنياهو عساكر الجيش الإسرائيلي في الداخل السوري، وقال بنبرة تهديد يومذاك: "قد تتطور هذه المهمة في أي لحظة"، وطبعاً هذا التهديد موجه للرئيس الشرع الذي طالب إسرائيل بالانسحاب خلال لقائه الأخير بالرئيس دونالد ترامب.
"توقعات قد تتحقق"
من جهتها، تضغط إدارة ترامب على إسرائيل لتتعامل مع الشرع، فهي تسعى لتلعب دور الوسيط في اتفاقية أمنية تنص على انسحاب إسرائيل حتى خط "فض الاشتباك" في الجولان بحسب الاتفاق المبرم بين سوريا وإسرائيل في عام 1974. وفي الأول من كانون الأول الجاري، نشر الرئيس ترامب على إحدى المنصات عبر الإنترنت: "من الضروري للغاية أن تحافظ إسرائيل على حوار قوي وحقيقي مع سوريا، كما من المهم ألا يحدث أي شيء من شأنه الوقوف ضد تطور سوريا وتحولها إلى دولة مزدهرة".
وفي تصريح لوزير إسرائيلي سابق قال: "لقد فوت نتنياهو فرصة تاريخية في هذا السياق وهذه الفرصة تتمثل بوضع ترتيبات أمنية جديدة من موقع قوة"، ولكن مع اقتراب الانتخابات، واستمرار الإحساس بالصدمة التي خلّفها هجوم حماس في السابع من تشرين الأول، لا يبدو بأن نتنياهو راغب بالتخلي عن المنطقة العازلة التي أقامتها إسرائيل.
تعليقاً على ذلك، تقول كارميت فالينسي وهي مديرة برنامج سوريا لدى معهد دراسات الأمن القومي بتل أبيب: "حالياً لا يبدو أن هنالك ما يهدد إسرائيل في الجولان بشكل حقيقي بما أن حكومة الشرع تحاول أن تضبط ميليشاتها"، لكنها ترى بأن ما تمارسه إسرائيل من أفعال في سوريا "يمكن أن يخلق أعداء لإسرائيل، وهذه التوقعات قد تصدق وتتحقق".
المصدر: The Economist