الإقصاء الثالث وتداعياته

تاريخ النشر: 16.09.2021 | 06:28 دمشق

آخر تحديث: 16.09.2021 | 06:42 دمشق

هي الأمور كما شاهدتها دولٌ       من سره زمنٌ ساءته أزمان

هذا باختصار جوهر ميكانيكية أحوال الأحزاب السياسية في كل مكان وزمان وصورة مصغرة عن أحداثٍ سياسيةٍ حصلت وستحصل في كثير من الدول، ولا شك أن التغيير سنة الكون وحال الدنيا والبقاء في قمة النجاح والاستمرار بها أصعب من الوصول إليها وإن كان كلاهما صعباً، فما الانتخابات المغربية الأخيرة إلا دليل على ذلك.

فسقوط الإسلاميين في المغرب يفتح آفاقاً كثيرة لقراءة المشهد السياسي القادم في المنطقة كلها على المدى المتوسط والقريب "ولا أظن أن تركيا ستكون بعيدة عن قراءة هذه التداعيات".

لن تقتصر تداعيات هزيمة الأحزاب السياسية في الانتخابات المغربية عليها وحسب بل ستطول كل أحزاب المنطقة

الانتخابات الأخيرة في المغرب أبرزت تطورات سياسية مهمة بل يمكن القول إنها المفترق الحقيقي لواقع الإعلام السياسي للأحزاب الإسلامية في المنطقة، فهذه النتيجة جاءت من اقتراع مباشر من قبل الناخبين رغم بعض الاعتراضات التي أطلقتها تلك الأحزاب عن بعض التجاوزات لكن هذا لا يغير شيئاً في النتيجة ولا في رؤية المجتمع لهذه الأحزاب من تراجع واضح في شعبيتهم، ولا يمكن هنا استخدام مصطلحي نظرية المؤامرة (كما الحال في مصر وتونس) ولا سردية المظلومية (في دول أخرى) فقرار الصندوق كان واضحًا، وحتى قيادات الأحزاب الإسلامية اعترفوا بهذه الهزيمة وتقدموا باستقالتهم من مهامهم الحزبية، وللإنصاف هذا التراجع جاء بعد نجاح في دورتين سابقتين إذاً فإمكانية إعادة ترميم الحزب وتلافي الأخطاء ممكنة وجائزة لكن هذا يحتاج بعض الوقت، فعندما كانت الفرصة سانحة لك قدمت ما عندك فإن لم تستطع الاستمرار والإنتاج والتجديد والابتكار فإن الأحزاب السياسية الأُخرى جاهزة للانقضاض على مفاتيح النجاح في مضمار سباق الانتخابات.

لن تقتصر تداعيات هزيمة الأحزاب السياسية في الانتخابات المغربية عليها وحسب بل ستطول كل أحزاب المنطقة وخصوصاً أن الصراع السياسي الإيديولوجي في المنطقة على أشده، وهنا يأتي التساؤل بعد التراجع أو "السقوط" الثالث للأحزاب السياسية في المنطقة العربية هل سيؤثر على المشهد السياسي في تركيا وعلى الناخب التركي؟

الحقيقة للإجابة على هذا السؤال لا بد من استعراض بعض النقاط والتي في طياتها تفاصيل الاختلاف بين المشهد السياسي التركي ونظيره العربي وبين الناخب التركي والعربي.

أولاً - التجربة الانتخابية في تركيا أوسع منها عما عليه في بعض دول المنطقة العربية وهذا ما يجعل وقعُها على الناخب التركي أكبر مما عليه عند الناخب العربي، ولذلك نجد نسبة المشاركة في تركيا أكبر من نظيراتها في دول ذات نظام انتخابي.

ثانياً - الإعلام العربي تجده مهتماً بالانتخابات العربية وغير العربية في المنطقة مثل الانتخابات في إيران أو في تركيا حتى مع أدق التفاصيل وهذا ما يجعل الناخب (المواطن/ة)العربي يتأثر فكرياً نوعاً ما بأفكار وآراء السياسيين بتلك الدول، على عكس الإعلام التركي الذي لا يعطي مساحة لتغطية انتخابات في دولة عربية ما، بل حتى إنه لا يغطي كثيراً من الأحداث العربية باستثناء المهمة جداً منها أو التي لها علاقة بتركيا ولذلك تجد المواطن والناخب التركي لا يعلم إلا النزر اليسير عما يجري في المنطقة العربية ولذلك محدودية التأثير ستكون قليلة.

التكوين البنيوي الفكري للأحزاب الإسلامية في تركيا يختلف عما هو عليه في الأحزاب الإسلامية العربية

ثالثا -  ارتباط مفهوم القومية بالإسلام عند أحزاب الإسلام السياسي التركي، فمفهوم القومية موجود عند تلك الأحزاب وإن كان جزءًا لا يتجزأ من الدين الإسلامي فعمود الكيان المشكل لدول العرق التركي ولتركيا هو الإسلام ولذلك هناك ارتباط عضوي بين الدين والقومية والدولة، وهذا بعيد نوعاً ما عن فكر أحزاب الإسلام السياسي في المنطقة العربية.

رابعا - التكوين البنيوي الفكري للأحزاب الإسلامية في تركيا يختلف عما هو عليه في الأحزاب الإسلامية العربية، فمسألة المرشد أو ما شابه ذلك لا توجد في العقلية الفكرية للأحزاب الإسلامية التركية، بل تعتمد على ما يسمى بلجنة الحكماء والمفكرين والجماعات وبما أن تركيا جزء من القارة الأوروبية وتهيئ نفسها للدخول في العضوية الكاملة للاتحاد الأوروبي فإن جميع الأحزاب السياسية الإسلامية وغير الإسلامية لا تستطيع الابتعاد عن الفكر السياسي العام الأوروبي (فصل الدين عن السياسة).