دفعت سوريا خلال الأسابيع الأخيرة ملف الطرق إلى مقدمة مشاريع التعافي، في خيار اقتصادي يحمل دلالة أبعد من إصلاح ما دمرته الحرب. ففي 14 تموز أُطلقت سبع مناقصات محلية ودولية لإعادة تأهيل المحاور الرئيسية، بينها نصيب–دمشق ودمشق–حمص وحمص–حلب وسراقب–إدلب، إلى جانب توسيع طريقي دمشق–تدمر وتدمر–دير الزور. وفي 6 آب انتقل الملف خطوة أخرى مع إعلان أن العروض المقدمة من شركات في عدة دول دخلت مرحلة التقييم، وتقدير كلفة إصلاح الطرق الرئيسية بما يتراوح بين 300 و500 مليون دولار.
اختيار الطرق في هذه المرحلة يفتح ملف ترتيب الأولويات في اقتصاد يحتاج إلى إعادة بناء واسعة تشمل الصناعة والكهرباء والإسكان والخدمات. في حين يقدر البنك الدولي الكلفة الإجمالية لإعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، ما يجعل تخصيص الموارد بين القطاعات قضية اقتصادية بحد ذاتها، خصوصًا مع محدودية التمويل المحلي والحاجة المستمرة إلى رؤوس الأموال الخارجية.
اقتصاد الممرات
يمكن تفسير أولوية الطرق من خلال مفهوم "اقتصاد الممرات"، الذي ينظر إلى البنية التحتية للنقل كوسيلة لخفض الكلفة التي تفصل المنتج عن السوق، وليس كمشروع إنشائي مستقل. فالمصنع الذي يعمل وسط شبكة طرق متضررة يدفع ثمن ذلك في الوقود والوقت والتخزين والتأمين، بينما يسمح تحسين المحاور الرئيسية بتحويل استثمارات لاحقة في الصناعة والزراعة إلى نشاط قادر على الوصول إلى الأسواق.
لهذا تتركز المشاريع الحالية على اتجاهين لهما وظيفة اقتصادية واضحة، الأول شمالي–جنوبي يربط الحدود الأردنية بدمشق وحمص وحلب وصولًا إلى تركيا، والثاني شرقي يصل دمشق ودير الزور والعراق. وفي 21 تموز دعت دمشق الشركات الصينية للمشاركة في مشروعات هذين المحورين، بالتزامن مع حديث عن إدخالهما ضمن تصور أوسع للنقل الإقليمي.
وتزداد أهمية هذا الاختيار مع عودة التجارة الإقليمية إلى البحث عن طرق برية بديلة. فتركيا والسعودية تحدثتا في حزيران عن مشروع سككي يصل السعودية بالأردن وسوريا وتركيا، بينما أعادت اضطرابات الممرات البحرية خلال 2026 قيمة الطرق البرية إلى الحسابات التجارية، كما أصبح ربط الموانئ السورية بالداخل جزءًا من الملف نفسه، بعدما طُرح في آب مشروع لنقل الحاويات بالسكك من اللاذقية إلى المرافئ الجافة في حلب وحمص ودمشق.
الطريق يخفض كلفة الاقتصاد
يربط الخبير الاقتصادي حسان عايش قيمة الممر السوري–الأردني–التركي بقدرته على تغيير تكاليف الحركة التجارية، ويرى أن التخطيط اللوجستي والبنية البرية يملكان عائدًا اقتصاديًا يتجاوز رسوم العبور إلى التجارة والاستثمار والخدمات. مشيرًا خلال حديثه إلى موقع "تلفزيون سوريا" إلى أن تحسينه يمكن أن يخفض كلفة النقل ويتيح إقامة مراكز صناعية ولوجستية مرتبطة بحركة السلع بين المنطقة وأوروبا.
ومن هذه الزاوية، لا يكون إصلاح الطريق منافسًا للاستثمار الصناعي، وإنما شرطًا لتحسين جدواه. فكل انخفاض في زمن الرحلة وتكلفة الشحن يوسع المجال الجغرافي الذي تستطيع الشركات البيع والشراء داخله، غير أن هذه النتيجة تحتاج إلى ما يتجاوز الإسفلت، لأن الحدود والجمارك والتأمين ونظم الترانزيت تحدد بدورها الكلفة النهائية التي يتحملها المستثمر والتاجر.
التمويل يحدد النتيجة
المشكلة الثانية تتعلق بكيفية تمويل هذه الأولوية، فقد كشفت محادثات آب مع البنك الدولي أن الخيارات المطروحة تشمل مشروعات طرق بنظام البناء والتشغيل ونقل الملكية "BOT"، إلى جانب شراكات بين القطاعين العام والخاص في النقل. وهذا النموذج يقلل الحاجة إلى دفع الكلفة كاملة من الموازنة، لكنه ينقل السؤال إلى مدة الامتياز ورسوم الاستخدام وضمانات المستثمر وطريقة توزيع المخاطر.
وتحذر الأدبيات الاقتصادية حول إعادة الإعمار من الخلط بين سرعة إنجاز البنية الأساسية وجودة التمويل، فالدولة التي تعاني نقص السيولة تستطيع الحصول على طريق بسرعة عبر امتياز طويل، لكنها تستطيع في المقابل أن تربط نفسها برسوم وشروط تشغيل تمتد عقودًا. لذلك تصبح المنافسة المفتوحة بين الشركات، ونشر شروط العقود، وتحديد سقوف العوائد، عناصر توازي أهمية المشروع الهندسية نفسها.
ويضع الاقتصادي مراد كواشي الإنفاق على البنية التحتية ضمن مفهوم أوسع للاستثمار المنتج، حيث تتحدد جدوى المشروع بمقدار ما يضيفه إلى النشاط الاقتصادي وقدرته على تخفيض تكاليف القطاعات الأخرى. ووفق هذا المنطق، تكون الطرق ذات الأولوية تلك التي تصل مناطق الإنتاج بالموانئ والمعابر والأسواق، فيما يصبح الإنفاق الأقل اتصالًا بالنشاط الاقتصادي أكثر عرضة للتحول إلى كلفة مالية مرتفعة.
كما تسمح مقاربة كواشي خلال تصريحاته لموقع "تلفزيون سوريا" بطرح مسألة التمويل الخارجي بصورة أكثر حذرًا، فارتفاع المخاطر الاقتصادية والإقليمية يرفع كلفة رأس المال التي يطلبها المستثمر، وهو ما يجعل توقيت العقود وشروطها عنصرًا مؤثرًا في العائد النهائي. والمشروع الذي يبدو متاحًا اليوم بفعل حاجة سوريا إلى التمويل يمكن أن يصبح مكلفًا بعد سنوات إذا ارتبط بامتياز طويل أو ضمانات مرتفعة للمشغل.
لهذا يمكن فهم تقديم الطرق على المصانع اقتصاديًا، لكن نجاح الخيار سيعتمد على ما يأتي بعده، فالطريق لا ينتج وحده صناعة ولا صادرات، وإنما يخفض بعض العقبات التي تمنعهما، وتظهر قيمته عندما يرتبط بالطاقة والموانئ والسكك والمعابر ومناطق الإنتاج.
والاختبار الفعلي خلال المرحلة المقبلة سيكون في قدرة سوريا على تحويل شبكة النقل إلى بنية تخدم اقتصادًا أوسع، من دون استنزاف الموارد المحدودة في مشروعات مكلفة أو تحميل السنوات المقبلة عقود تشغيل طويلة. عندها فقط يصبح الطريق بداية للتعافي، بدل أن يبقى مشروعًا إنشائيًا سبق بقية الاقتصاد.