على غرار بقية القطاعات في الدولة والمجتمع، شهد الإعلام في سوريا حالة من الفراغ وربما الفوضى بعد سقوط نظام بشار الأسد، على نحو يعكس حالة التعطش لدى المجتمع للتمتع بحرية الرأي والتعبير، بعد أكثر من خمسة عقود من السيطرة الأمنية على هذا الإعلام، إذ اعتاد السوريون على إعلام لا يرى ولا يسمع إلا ما يريده الحاكم، ما أفقد الكلمة قيمتها.
وهذا ما بدا واضحاً في الأسابيع والأشهر التالية لسقوط النظام، حيث شهدنا، وما نزال، انفجاراً في حرية التعبير بعد عقود من الكبت، وتعدداً في الأصوات والاتجاهات.
وهذه حالة صحية إلى حد ما، لكنها ترافقت مع حالة من الفوضى الإعلامية، حيث تتنافس جهات متعددة داخلية وخارجية للتأثير في الرأي العام، مع ظهور مئات المنصات؛ بعضها يحمل حساً ثورياً صادقاً، وبعضها مجرد أبواق جديدة بأقنعة مختلفة، وبعضها يحاول العبث والاصطياد في الماء العكر، للتشويش على مرحلة الانتقال السياسي.
ومن المعروف، أنه في مرحلة ما بعد سقوط الأنظمة الديكتاتورية، غالباً ما تترافق الحرية الإعلامية المفاجئة مع فوضى، وظهور إعلام مضاد، قد يكون بعضه مدعوماً من الخارج، ومنصات تروّج للشائعات أو لأجندات سياسية مختلفة، على نحو ما كشفه مؤخراً تحقيق لقناة "بي بي سي" البريطانية عن وجود ملايين الحسابات التي تُدار من خارج سوريا، خصوصاً من العراق واليمن وإيران ولبنان، وتسعى لبث الكراهية والتحريض على الفتنة في سوريا.
إن هذا الدور المؤثر للإعلام لا بد أن يستند إلى إرادة سياسية واعية، تتفهم أهمية الإعلام في هذه المرحلة، وفي كل مرحلة، ولا تسعى للاستحواذ عليه أو توظيفه في خدمتها فقط.
وفي الواقع، إن مهمة كسر القيود قد أُنجزت تقريباً، وبات لدينا هامش واسع من حرية التعبير عن الرأي. غير أن المهمة الأصعب هي بناء الثقة بين الإعلام والمواطن السوري، الذي عانى كثيراً من الأكاذيب والتضليل، ولن يمنح ثقته بسهولة لأي إعلام جديد، إلى أن يثبت صدقه ومهنيته، ويقدم إعلاماً يحترم عقول الناس ويعمل لصالحهم، لا لصالح أية سلطات أو أجندات بعينها.
إذا أُحسن استغلال هذه اللحظة التاريخية، حيث يتوق المجتمع لإعلام صادق يعمل بمعايير مهنية عالية، فقد يصبح الإعلام السوري أداة للمصالحة الوطنية، ومنبراً للضحايا، ومرآة تعكس الحقيقة بكل ألوانها. فالإعلام الحر ليس رفاهية أو شعارات، بل ضرورة لكل بلد يسعى إلى العدالة، والديمقراطية، وبناء دولة المواطنة.
ولا شك أن الإعلام السوري الجديد سوف يحتاج إلى وقت لاستعادة ثقة الجمهور، وبناء مؤسسات مهنية، موضوعية، تحترم قواعد العمل الصحفي، مع بناء بنية قانونية تضمن حرية التعبير وتحمي الصحفيين. وفي هذه الحالة، يمكن أن يلعب الإعلام دوراً مهماً في توثيق الانتهاكات، وسرد روايات الضحايا، وفتح النقاشات المجتمعية حول المصالحة والمساءلة، ما يجعله أداة في عملية التعافي الوطني.
كما يمكن أن يكون أداة فعالة في مراقبة السلطات المختلفة، وتوفير منابر للمختصين من أجل تنبيه تلك السلطات إلى ما يُرتكب من أخطاء أو تجاوزات، خصوصاً في ظل شبه غياب لأدوات الرقابة القانونية على عمل السلطة التنفيذية، بسبب عدم استكمال بناء مؤسسات الدولة حتى الآن، مثل البرلمان والأحزاب السياسية.
وبطبيعة الحال، فإن هذا الدور المؤثر للإعلام لا بد أن يستند إلى إرادة سياسية واعية، تتفهم أهمية الإعلام في هذه المرحلة، وفي كل مرحلة، ولا تسعى للاستحواذ عليه أو توظيفه في خدمتها فقط، حتى بالنسبة للإعلام المحسوب على الحكومة، بحيث يتم التعامل معه كإعلام دولة، للمواطن والمجتمع حق فيه، وليس مجرد إعلام سلطة، يردد ما تريده دون السماح بالنقد والتقييم.
ما لفت نظر العديد من العاملين في حقل الإعلام السوري هو عدم قدرة القائمين على هذا الإعلام حتى الآن على الانعتاق من "الحالة الثورية" التي عاشوا في ظلها خلال السنوات الماضية، والمحصورة جغرافياً في الشمال السوري، وسياسياً وفكرياً في معاداة نظام الأسد الراحل، دون امتلاك رؤية أوسع لدور الإعلام في مرحلة بناء الدولة الجديدة، سواء على صعيد نقل الحقائق للمجتمع، وهو حق راسخ له، أم تحقيق الوئام الوطني وتخفيف الاحتقان، فضلاً عن مراقبة السلطات المختلفة.
من المنطقي تشجيع الشباب على أخذ فرصتهم في الإعلام وفي غيره من المجالات، لكن بعد تأهيلهم واكتسابهم بعض الخبرة.
وفي شأن هذا التقوقع حول "الذات" في مجال الإعلام، من الملاحظ أن معظم من تولّى إدارة الإعلام الجديد التابع للدولة هم من الشبان الذين كانوا ناشطين في الشمال السوري، وكانوا يغطون أخبار المعارك، والتقى بهم رئيس الجمهورية أكثر من مرة، بوصفهم "إعلاميي الثورة"، دون أن يلتقي بغيرهم من الإعلاميين، ما يشير إلى فهم غير مكتمل لمفهوم الإعلام ومفهوم الثورة، بحيث يكاد ينحصر جغرافياً في منطقة معينة، وينحصر سياسياً في إطار ضيق، هو مجموعة الموالين للسلطة. ولنتصور مثلاً كيف تكون النتيجة لو طُبق هذا المفهوم على بقية القطاعات، كأن نقول "محامو الثورة" أو "مهندسو الثورة" أو "أطباء الثورة"، بمعنى أن يُستبعد كل شخص من هؤلاء لم يكن موجوداً في إدلب ومحيطها خلال السنوات الماضية.
إنّ ثمة إعلاميين كانوا معارضين للنظام حتى قبل أن تكون هناك ثورة في سوريا، وهؤلاء دفعوا أثماناً كثيرة بسبب مواقفهم، وبعضهم غادر الإعلام المحلي في وقت مبكر من قيام الثورة بسبب المضايقات والتهديدات التي تعرضوا لها، وعملوا في وسائل إعلام عربية ودولية مرموقة.
والآن، لا يتم الاعتراف بهم لا بين الإعلاميين ولا بين الثوريين، وتُترك الساحة فقط للناشطين الإعلاميين، وكثير منهم لا يملكون التأهيل الكافي، ليس لتولّي مسؤوليات في الإعلام، بل حتى لممارسة عمل إعلامي محترف.
من المنطقي تشجيع الشباب على أخذ فرصتهم في الإعلام وفي غيره من المجالات، لكن بعد تأهيلهم واكتسابهم بعض الخبرة. ومع هذا "التفكير الإقصائي" الذي قد تظهر نتائجه السلبية عما قريب، يصبح لزاماً طرح تساؤلات عمّن يدير الإعلام حقيقة، وما مدى "حصة" وزارة الإعلام في هذه الإدارة، خصوصاً مع بروز أقاويل عن وجود "مراكز قوى" أو "دولة عميقة" تتحكم بالإعلام، كما بغيره، سواء في الإدارة السياسية أو وزارة الخارجية أو الأجهزة الأمنية، تماماً على نحو ما كان يحصل في دولة الأسد، حيث كان الإعلام يُدار بهذه الطريقة أيضاً.
من المفارقات التي رواها أحدهم أمامي، وهو يقدم نفسه كشيخ عشيرة، أنه حصل على وظيفة كمحرر في قناة "الإخبارية السورية" عن طريق تزكية من أحدهم، لكنه تراجع عن قبولها بعد أن اتصل به مسؤول أمني، ووعده بوظيفة أفضل. وطبعاً، هذا يحدث فقط حين لا تكون هناك إدارة مهنية للإعلام.
الحرب ضد إيران.. تنافس أميركي – إسرائيلي على إعادة تشكيل المنطقة
لماذا لا يكون قانونٌ للإعلام بدلًا من "مدونة سلوك"؟
معضلة التعيينات بين الولاء والكفاءة
هل تطوي سوريا صفحة الميليشيات؟
جمهور السلطة.. ليس في الجيب إلى الأبد