الإعلام الأبوي

الإعلام الأبوي

الصورة
01 آذار 2019

محمد جمال طحان

باحث استشاري في العلوم الإنسانية

قد يأخذ الإعلامي دور السلطة الأبوية أو السياسية، فما إن يصعد إلى منبر ما حتى يبدأ في الوعظ. وكثيراً ما نستخدم الوعظ التهديدي قائلين: قال فلان المسؤول (الذي أضحى سائلاً في الواقع) كذا.. وعلينا الالتزام بأقواله لأنّ سلطته عليا وملزِمة. ثم نعلّق الشعارات المحذّرة: بأمر من البلدية ممنوع رمي النفايات في الشارع، وممنوع استخدام الزمور، بأمر من شرطة المرور. فإذا أردنا التوعية، ما الذي نفعله؟ نُرهِب… نُرفِق مطالبنا الإصلاحية بترهيبٍ من مصدرٍ عال.

إنّ الوعظ لا يجدي لمكافحة الرشوة مثلاً في مجتمع

إنّ العلاقة القائمة اليوم بين الإعلامي الحقيقي والجمهور، في أحسن الأحوال، علاقة مجاملة. ولا ينكر أحد أنّ كلاً منهما يحتاج إلى الآخر، ويحتاج من الآخر أكثر من المجاملة

تنمّي فيه وسائل الإعلام، وهيئات التخطيط، والعلاقات الاجتماعية؛ الجشع اللامحدود.

إنّ المسألة أكبر من ذلك بكثير، إنّ الشيء اللازم هنا هو التوعية المترافقة بإمكانية التطبيق، بعيداً عن الخطاب الوعظي العقيم.

إنّ العلاقة القائمة اليوم بين الإعلامي الحقيقي والجمهور، في أحسن الأحوال، علاقة مجاملة. ولا ينكر أحد أنّ كلاً منهما يحتاج إلى الآخر، ويحتاج من الآخر أكثر من المجاملة، بحيث يمدّ كُلٌ منهما يده ليعاهد الآخر على التفهّم والتفاهم لبدء علاقة العمل الموحّد من أجل خير الإنسان.

فإذا بدأنا بدور الإعلامي ليمدّ جسراً من ناحيته باتّجاه جمهوره، نلاحظ أن دوره يتوزّع على صعد ثلاثة:

أولاً- دوره مع نفسه بأن يكون صادقاً معها في كل ما يقوله وما يفعله بحيث يتيح لها الانسجام الداخلي.

ثانياً دوره مع زملائه بأن يتعاون وإيّاهم عبر حوار متواصل يفضي إلى تحسين العلاقة بينه وبينهم ليعمل وإياهم كفريق.

ثالثاً دوره مع الجمهور بأن يكسب ثقته ويبادله عملية التفاعل لتوسيع الذاكرة الثقافية حتى ينقرض تعبير الدهماء أو العامّة الذين لا يرون، ولا يسمعون، ولا يتكلّمون.

وإذا حاولنا الدخول في شيء من تفاصيل دور الإعلامي لتصحيح العلاقة بينه وبين الجمهور، نجد انّ أول خطوة عليه تحقيقها هي أن يبدأ فوراً بتحقيق الانسجام، بين أقواله وأفعاله، متخطّين، بذلك، تعريف (بورجيه) للمثقِّف بأنّه (مَنْ يعيش كما يفكر، لا مَنْ يفكر كما يعيش) وذلك لأنّ مَنْ يعيش كما يفكر إنسان خيالي في عالم سقطت فيه اليوتوبيات بين فكّي الاقتصاد الذي خالق لمالكي زمامه لساناً وأسناناً، والمقعد الذي خصّصه (شارل فورييه) لمتنفّذ أو ثريّ يموّل له إنشاء كتيبة مجتمع الانسجام والعدالة، لم يزل خالياً حتى الآن، ومستشار الحب الذي يعمل بتوجيهات الحاكم العالم في (مدينة الشمس) التي تخيّلها (توماسو كامبانيللا)، تحول إلى جلاّد ينفّذ أوامر الحاكم الظالم في غابة الظلام، فلا يمكن أن نعيش كما نفكّر، كما أننا لا نفكّر كما نعيش. وهذه إحدى مآسينا، إنّنا نفكّر باتّجاه، ونعيش باتّجاه آخر، في حين أن إيجاد ميزان للمعادلة بين الفكر والواقع أضحى من لزوميات المنهجية التي علينا اعتمادها في الحياة لنعيش فكرنا، ونفكّر بعيشنا ليحصل التوازن.

ومن ذلك، أيضاً، أنْ يتكاتف الإعلاميون من أجل إيقاف عمليات التجهيل والتكفير والإدانة لرفاقهم، مهما اختلفت اتّجاهاتهم، وتباينت مواقفهم.

إنّ الإعلامي عندما يمارس دوره فإنّه لا يقدّم كرماً للآخرين، لأنّ تحرير ذاته مرتبط بتحرير الآخرين أيضاً، وبالتالي فإنّ وعيه مرتبط بوعيهم، وليس أفضل من أن يكون ذلك عبر الحوار والمشاركة، بعيداً عن التشهير والتكفير. إنّ الإعلاميين يمثّلون فئات المجتمع كلّه، واتّفاقهم يعني اتّفاقه، شريطة أن يكسبوا ثقة الفئات التي ينتمون إليها، بأن يعملوا على تحسين وضع مواطنيهم بما يملكونه من إمكانيّات. وذلك من خلال مناقشة هموم الناس وأمانيهم، ومن خلال اقتناعهم بأن الإعلامي يتحدث إليهم ومعهم وعن مشكلاتهم، وليس بالنيابة عنهم ومن دونهم، وعن أشياء مجرّدة أو أرقام وأفكار يرون أنّها لا تمسّهم، أو أنّها غير صحيحة في الواقع العملي. وإلا فما الفائدة من ترديد الإعلامي ما تقوله وسائل (الإعلان) كلّ يوم؟!

من المهمّ أن يلاحظ المتلقّي أنّنا نحبّه حتى يمكننا اكتساب ثقته. ولن يثق الجمهور بمثقِّف لا يصدّقه، ولا ينقل إليه الحقائق، محلّلاً وناقداً. ولن يثق بمثقِّف يهمل العروبة والإسلام في خطابه. ولنفنّد قليلاً عاملَي الثقة والمكوّنات: لماذا يقاطع الجمهور وسائل الإعلام؟

لعدم مصداقيتها، ثم لأنّها لا تعبّر عمّا يعانيه، فلا هي تنقل إليه حقائق ما يحدث من حوله، ولا هي تُعنى بخبزه اليومي. فهي مجرّد كتابات تريد تسويد الصفحات، وشغل أوقات البث الإذاعي والتلفزيوني المقررة. وكل ما تفعله هو إخبارنا أننا بخير، وأننا في تقدّم حثيث، مع أن كل ما حولنا ينبئنا العكس. وهكذا لا ينتبه القائمون على وسائل الإعلام في الوطن العربي إلى وظائفها الأساسية في بثّ الوعي وبسط الحقائق، وفي كونها مجالاً مهمّاً لإجراء الحوار.

هذا يعني أنّ الجمهور لديه بذرة وعي صالحة تحتاج إلى ريّ صالح لتنمو، ولكنّه

الإعلامي، وإن يكن في الوقت الحالي غير قادر على تكوين رأي عام، له دور كبير في تبصير الناس بمصالحهم، وبما يدور من حولهم

يغالي أحياناً- باتّهاماته التي يوجّهها إلى المثقِّف الذي يُطلب إليه أن يأتي بالمعجزات وأن يعمل على تكوين رأي عام حقيقي، بالرغم من قلة الوسائل المتاحة أمامه للكلام.

إنّ الرأي العام لا يتشكّل إلاّ من خلال توافر حرية الفكر والتعبير والتعليم والاطّلاع على ما يدور في العالم ومعرفته معرفة دقيقة وحقيقية، كما أنه يتأثر بالتراث الثقافي من عادات وتقاليد ومعتقدات وقيم.

والإعلامي، وإن يكن في الوقت الحالي غير قادر على تكوين رأي عام، له دور كبير في تبصير الناس بمصالحهم، وبما يدور من حولهم، وبالتصدي للرأي العام المصطنع الذي يقوم على الدعاوة والرقابة، حيث يتمّ حذف بعض الحقائق، ويزيّف بعضها، وتُحلّى بالأكاذيب والشائعات، ويحظّر الخوض في الحجج المعارضة أو في الجوانب الأخرى من المشكلة المطروحة من وجهة نظر إعلاميّة. وحيث تنحاز الجهة التي تريد تزييف الوعي إلى جانب واحد، ولا تهتم بموضوعية الخبر، وذلك لتوجيه الرأي العام إلى الوجهة التي يريدها أصحاب الدعاوة. وغالباً يتمّ إلقاء اللّوم على الإمبريالية والماسونية والبنتاغونية وسواها، لتبقى الحكومات المحلّية بمنأى عن أي شبهة.

من هنا يبرز دور الإعلامي في ترسيخ الوعي الجماهيري، بالعمل على تكوين رأي عام موحّد لا ينفي الاختلاف لكنّه يحارب الطائفية والتعصبية والشللية أينما وجدت، وكيف وجدت.

ولا يمكن أن يتم ذلك إلاّ من خلال انتباهه وهو يمارس دور التوعية، إلى مكوّنات الإنسان العربي الذي لا يمكن أن يقبل أي خطاب يسلخ عنه تراثه العربي الإسلامي، ومعتقداته الدينية الخاصّة، وما ترسّخ في ذهنه من وعي أسطوري غيبـي عبر نيّف وخمسة عشر قرناً؟!

لذلك، لابدّ أن يكون منطلقنا في الحوار والتوعية مستنداً إلى ذلك كلّه، فنتعاون على بثّ روح العقلانية بالتدريج، محاولين التأكيد على أنّ الميثولوجيا شكل من أشكال الفنّ، علينا أن نعيها، وليس علينا أن نعيشها.

شارك برأيك