في ممر الدائرة الحكومية يمتدّ صف طويل من المراجعين، امرأة تُمسك أوراقها بتوتر، ومسـن يتكئ على عصاه منتظرًا أن يظهر رقمه على الشاشة الإلكترونية، النظام يبدو واضحًا لكن تطبيقه يختلّ حين تلاحظ التفاصيل الصغيرة. فما إن تدخل المكتب حتى تلمح ذلك التناقض الواضح بين تحسين الشكل الإداري ونوعية الخدمة؛ موظفون في أماكنهم بملامح باردة، وخلفهم شعار "النظام الإلكتروني" يعلو الجدار منظما سير العمل.
غير أنه خلف هذا المشهد تختبئ فوضى وتجاوزات تتكرر بلا حرج، يدخل رجل ببدلة رسمية، يقترب من الموظف بخطواتٍ واثقة يهمس بكلمةٍ قصيرة، ثم يختفي خلف الباب حاملًا ما جاء لأجله، في الجهة الأخرى يتقدّم رجل بزيٍّ عسكري مموه بالطريقة ذاتها، وكأن الدور لا يعنيه هو الآخر، هنا يصيح رجل مسن لم تعد تقوى رجلاه على حمله "إيمت بدنا نخلص من البدلة الرسمية والبدلة المموهة!".
في المنتصف ينتظر المواطنون بصبرٍ مثقل على مقاعد لا تكفي نصف عدد المراجعين، تتعالى أصوات التذمّر من سوء التنظيم وطول الانتظار، مشهدان منفصلان لكنهما يحملان المعنى نفسه تجاوزٌ للنظام. فرغم أن المكاتب شهدت مؤخرًا تحديثًا في الشكل، فإن رائحة الفساد الإداري والتجاوزات العالقة في المكان وبين الملفات القديمة يكشفان أن التغيير لم يكن عميقا بما فيه الكفاية ويحتاج إلى مزيد من العمل.
"البدلة" تكفي لتجاوز النظام
على الرغم من اعتماد نظام الدور الإلكتروني وتحديث مكاتب الخدمة العامة بمظهر أكثر تنظيما، ما تزال الشكاوى تتكرّر من مراجعين يرون أن التعامل في الإدارات لم يتبدّل كثيرا، فالتجاوزات تحدث خارج الشاشات و"الواسطة" ما زالت تجد طريقها إلى الداخل، بينما ينتظر المواطنون العاديون ساعاتٍ طويلة.
أوضح عدنان (طلب عدم ذكر اسمه كاملا) لموقع تلفزيون سوريا، خلال وجوده في مركز “النافذة الواحدة” في منطقة ببيلا بريف دمشق، أن أحد الموظفين تجاوز دور المواطنين المراجعين، حين دخل رجل يرتدي بدلة رسمية لم يُعرف من يكون، اقترب الرجل من الموظف الذي بدا واضحا أنه يعرفه مسبقا، تبادلا الحديث والابتسامة، ثم ابتعد قليلا وبعد نحو دقيقتين فقط، سلّمه الموظف ورقة وغادر دون أن يقف في الدور.
وأضاف عدنان أن الموقف تكرر بعد لحظات، عندما دخل شخص آخر يرتدي بدلة عسكرية غريبة المظهر، إذ قال عدنان واصفا “ما بعرف شو هالبدلة، شكلها من أيام النظام البائد، الجاكيت مموّه بلون والبنطلون مموّه بلون تاني".
اقترب العسكري من موظفةٍ داخل المكتب، تحدث معها بالطريقة نفسها، ثم ابتعد قليلاً قبل أن تناديه مجددًا وتسلمه أوراقه وتسمح له بالمغادرة، وتابع عدنان قائلاً “ما عاد فيني اسكت، قلت بالصالة والله عيب، هي تجاوزات بحقنا وهالحجي أولى فينا، واقف من الصبح احترمو عمره".
ارتفعت الأصوات داخل القاعة فخرج المدير محاولاً تهدئة الموقف، نافياً أن يكون صدر عن الموظفين أي تصرف مخالف، غير أن عدداً من المراجعين أكدوا ما حدث، ليُنهي المدير النقاش بجملة مقتضبة “إن شاء الله خير“.
وختم عدنان حديثه بنبرة غضب متسائلًا “إيمت بدنا نخلص من المحسوبيات والواسطات؟ هدول السبب اللي موقفين البلد وما عم نقدر نمشي خطوة لقدام طالما هيك ناس متسلطة، على الدنيا السلام".
سلوك الموظفين يكشف خللاً في آلية التحديث
تستمر شكاوى المراجعين من أن واجهات المكاتب الجديدة لم تُغير معاملة بعض الموظفين، ولا تلك اللهجة المتعالية التي تُقابل بها طلباتهم، وكأن الحداثة توقفت عند حدود الشكل فقط، دون أن تصل إلى سلوك المؤسسة أو ذهنية العاملين فيها.
قالت هيفاء، وهي إحدى المراجعات في المركز ذاته، إنها واجهت معاملة “متعالية ومهينة” من إحدى موظفات دائرة النفوس أثناء محاولتها إنجاز معاملة.
تروي هيفاء لموقع تلفزيون سوريا تفاصيل ما جرى عند تأخرها في الوصول للشباك بعد صدور رقمها قائلة للموظفة “بعتذر والله، وقفت عالباب من العجقة والشوب لبين ما وصلت لعندك ركض”، لكن الموظفة ردّت عليها بصوت مرتفع “مشكلتك نحنا كمان مشوبين، وما رح نمشي عكيف كل مراجع، خدي دور جديد”.
وتضيف هيفاء “رجعت ترجيتها لقبلت لأن ولادي صغار وكنت واقفة أكتر من ساعتين، أحرجتني بصوتها العالي قدام الكل بس بدي اخلص ماعندي حل”.
مشيرةً إلى تصرف آخر من الموظفة أثناء تسيير المعاملة، كان أحد المراجعين وهو صاحب الدور التالي يقف خلفي يتحدث عبر الهاتف مع زوجته ليستفسر عن معلومة تتعلق بالمعاملة، فصرخت الموظفة في وجهه قائلة “طلاع حكي برا ووطي الصوت”، بينما كانت هي تجلس على كرسيها تستمع لتسجيلات صوتية وتردّ عليها خلال دوامها الرسمي، “صرنا ننتظر لتخلص التسجيل مشان نأخذ وراقنا”، تقول هيفاء.
وتابعت “المشكلة إنو وقت نكون مستعجلين ما بيكون عندنا خلق نشتكي، بدنا نخلص بأسرع وقت، بس بتصير مواقف بتخلي الواحد يختنق، حتى لما اعتذرت منها قدام الناس رفعت صوتها أكتر، وكل اللي عملته إني قلت حسبي الله”.
أنهت هيفاء معاملتها أخيرًا، لكنها خرجت بانطباع محبط “نحنا ما بدنا شي غير معاملة محترمة وإنجاز سريع، ما بقدر قول إذا الوضع تغير أو لا، بس الواضح إنو التغيير الحقيقي لازم يبلش من نفس الموظف، من طريقة تفكيره وتعاطيه مع الناس”.
لم تكن هيفاء الوحيدة التي واجهت هذا النوع من السلوك، نور وهي مراجعة أخرى للمركز نفسه أيضاً تروي تجربتها مع الموقف بطريقة مختلفة.
وقالت “لاحظت تصرفها مع الناس كلها بنفس الطريقة، لا بتسمع ولا بتحكي بلطف، كأنها عم تعاقبنا لأن إجينا نراجع، وصرت قول جواتي يا رب ما إجي عندها، مبينة ما في بأسلوبها خير”.
توضح نور أنها كالكثير من المواطنين، لا تسعى إلا لإنجاز معاملتها بأقل قدر من الاحتكاك أو الجدل، “انا جاية ما بدي مشاكل، بس للأسف الموظفين بيستغلوا هالشي، بيعرفوا إنو ما حدا رح يشتكي لا عنا وقت ولا فضاوة بال، الناس تعبت، وهمّها تلحق حياتها ما عندها طاقة تتابع شكوى”.
وتختم نور قائلة “بالأساس لازم يكون في رادع للموظف من ذاته لحتى ما يتصرف بهالطريقة، والموظف الي متل هيك تعود ان مافي رادع، وبس يشوفو ان الرقابة فوق راس الجميع بوقتها منلاقي نتائج بلا شكاوى”.
الإصلاح الإداري في سوريا بين الشكل والمضمون
وراء تصرفات بعض الموظفين وتعاملهم المتعالي مع المراجعين، تكمن مشكلات أعمق من مجرد سلوكيات فردية، فبحسب مختصين، ما يظهر على نوافذ الدوائر الرسمية هو انعكاس لبنية إدارية مترهلة وثقافة مؤسساتية ما زالت تنظر إلى المواطن من موقع السلطة لا الخدمة.
في هذا الخصوص، أوضح أيمن الدسوقي باحث في مركز عمران للدراسات، لموقع تلفزيون سوريا، أن تغيير البنى والهياكل الحوكمية لا يعني بالضرورة تغيّر السلوكيات والعمليات داخلها، مشيراً إلى أن هذا التحول يحتاج إلى وقت كافٍ لإعادة النظر في مفهوم الوظيفة العامة والعلاقة بين الموظف والمواطن، إضافةً إلى تطوير آليات الرقابة.
ويؤكد الدسوقي أن تحقيق ذلك يتطلب إطاراً قانونياً جديداً وثقافة مؤسساتية حديثة تعزز القيم المهنية والرقابية داخل الإدارات العامة.
ويرى أن مرحلة ما بعد سقوط النظام كشفت عن ثنائية واضحة بين الموظفين القادمين من مناطق الشمال وبين أولئك الذين ظلّوا في وظائفهم ضمن ما كانت تسمى مناطق سيطرة النظام المخلوع، ما أفرز تفاوتاً في الرواتب والمعاملة والامتيازات، وأدى إلى شعور بالغبن لدى بعض العاملين، انعكس في سلوكيات سلبية تجاه المراجعين.
كما أشار إلى أن الموظفين الجدد القادمين من الشمال ما زالوا بحاجة إلى وقت للتأقلم مع بيئات اجتماعية جديدة لم يعتادوا التعامل معها من قبل، بل وينظر بعضهم إلى المواطنين من خارج مناطقهم نظرة سلبية أو متوجسة. على حد قوله.
ويضيف الدسوقي أن ضعف الرقابة الإدارية لا يرتبط فقط بغياب الأنظمة والقوانين المناسبة، بل أيضاً بـ استمرار ثقافة المؤسسات القديمة القائمة على المحسوبيات والفساد، مؤكداً أن ضبط هذا الخلل يتطلب إعادة هيكلة شاملة، تشمل تدريب الكوادر ووضع أطر قانونية ورقابية فعالة.
ويلفت إلى أن أي عملية لإعادة الهيكلة ستواجه حتماً مقاومة من الأطراف التي ستتضرر مصالحها نتيجة للترتيبات الجديدة، ولهذا لا بد أن تُبنى الإصلاحات على رؤية واضحة وإستراتيجية متكاملة وخطوات مدروسة، لا على قرارات اعتباطية أو ارتجالية.
ويختم الدسوقي بالتأكيد على أن احترام المواطن يجب أن يكون الخطوة الأولى في أي إصلاح إداري حقيقي، من خلال تعزيز مبدأ المساءلة، وتمكين الأفراد من تقديم الشكاوى بحق الموظفين المسيئين، على أن تكون هذه الآليات مضمونة المصداقية وفعالة التطبيق.

