أعادت وزارة الإدارة المحلية والبيئة فتح أحد أكثر الملفات ارتباطًا بمرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد، بإصدار قرارات تقضي بإعادة آلاف العاملين الذين فُصلوا من وظائفهم خلال سنوات الثورة. وفي حين تؤكد الوزارة أن الخطوة تستهدف إنصاف المفصولين والاستفادة من خبراتهم لسد النقص في كوادر الإدارة المحلية، يرى مختصون أن نجاحها يبقى مرهونًا بإقرار تشريع وطني يعالج أوضاع جميع المفصولين في مؤسسات الدولة، ويضمن حقوقهم الوظيفية بصورة موحدة.
وأعلنت الوزارة أن عدد العاملين المفصولين الذين شملتهم إجراءات المراجعة تجاوز ثمانية آلاف موظف، أُعيد 81% منهم إلى وظائفهم، في حين لم يستكمل 1494 شخصاً إجراءات العودة أو لم تنطبق عليهم الشروط.
6520 موظفاً يعودون إلى وظائفهم بعد مراجعة الملفات
وفي تصريح خاص لموقع تلفزيون سوريا، قال مدير العلاقات العامة في وزارة الإدارة المحلية والبيئة علي الحمد إن عدد العاملين الذين شملتهم دراسة ملف العودة بلغ 8014 موظفاً، عاد منهم 6520 موظفاً بنسبة 81%، فيما لم تشمل العودة 1494 موظفاً بسبب عدم استكمال الإجراءات أو عدم تحقيق الشروط المطلوبة.
وأوضح الحمد أن عملية إعادة العاملين مرت بثلاث مراحل أساسية، بدأت بالتسجيل الإلكتروني لحصر أسماء الراغبين بالعودة، ثم تشكيل لجان فرعية أجرت أكثر من 4600 مقابلة شخصية لتقييم المؤهلات والخبرات، وصولاً إلى مرحلة المطابقة والتدقيق بين كفاءة كل موظف والاحتياج الفعلي للوزارة، قبل إصدار قرارات الإعادة.
وأشار إلى أن العاملين العائدين التحقوا حالياً بعقود مؤقتة إلى حين صدور قانون الخدمة المدنية الجديد، الذي سيعمل على تنظيم أوضاعهم بشكل نهائي، مؤكداً أن الإعادة شملت مختلف الفئات الإدارية مع مراعاة الكفاءة والخبرة، وتوزيع الموظفين وفق الشواغر الفعلية واحتياجات المؤسسات.
وبحسب الحمد، عاد الموظفون إلى الجهات التي كانوا يعملون فيها قبل الفصل، حيث استوعبت الوحدات الإدارية والبلديات 4692 موظفاً، فيما عادت أمانات المحافظات إلى استيعاب 1589 موظفاً، والمصالح العقارية 230 موظفاً، بينما عاد 9 موظفين إلى مركزية الوزارة.
تحديات التنفيذ وملف الحقوق بانتظار التشريع
وأضاف الحمد أن الوزارة نسقت بشكل كامل مع وزارة التنمية الإدارية لضمان توحيد الإجراءات والمعايير، مؤكداً أن عملية التدقيق واجهت تحديات مرتبطة بصعوبة توثيق بعض الملفات، إضافة إلى العدد الكبير من الطلبات، إلا أن عمل اللجان الميدانية ساعد في تجاوز هذه العقبات.
وحول سبب طول مدة إنجاز الملف، قال الحمد إن التأني كان مقصوداً بهدف ضمان جودة التنفيذ، وتجنب أي إرباك إداري، والتأكد من أن العودة ستكون مستدامة وقائمة على الحاجة الفعلية، وليس مجرد إعادة شكلية للموظفين.
وأكد أن وزارة الإدارة المحلية قادرة على استيعاب هذا العدد من العاملين، لافتاً إلى أنها تشرف على نحو 1470 وحدة إدارية موزعة على المحافظات والمدن والبلدات، ما يوفر مجالاً واسعاً لتوزيع الكوادر بما يعزز القدرة الخدمية للمؤسسات المحلية.
وفيما يتعلق بالحقوق المالية عن سنوات الفصل، أوضح الحمد أن ملف التعويضات وجبر الضرر ما يزال قيد الدراسة ضمن اللجنة المركزية المختصة، مشيراً إلى بحث آليات احتساب فترة الانقطاع لأغراض التقاعد، وأن التفاصيل النهائية ستُحسم ضمن التشريعات المرتقبة.
وأكد أن عودة المفصولين لا تمثل مجرد معالجة إدارية، بل تسهم في استعادة خبرات فقدتها المؤسسات لسنوات، وتصحيح ما وصفه بـ"الظلم التاريخي" الذي طال بعض العاملين، إضافة إلى تعزيز أداء البلديات والوحدات الإدارية ودعم مسار العدالة الانتقالية وبناء مؤسسات الدولة السورية الجديدة.
عقود مؤقتة وملفات تنتظر الحسم
وأوضح الحمد أن العاملين العائدين باشروا أعمالهم بعقود سنوية قابلة للتجديد، إلى حين استكمال الإجراءات القانونية المتعلقة بأوضاعهم الوظيفية.
وأضاف أن الوزارة أعدت ملفات خاصة للعاملين الذين بلغوا سن التقاعد أثناء فترة فصلهم، تمهيداً لرفعها إلى رئاسة الجمهورية للنظر في احتساب سنوات الانقطاع والتعويضات المحتملة، ضمن ملف يشمل مختلف الوزارات.
وأشار أيضاً إلى أن الوزارة تتوقع صدور معالجة موحدة لهذا الملف بعد انتهاء جميع الجهات الحكومية من حصر أعداد المفصولين ورفع قوائمهم، بما يسمح باتخاذ قرار ينظم أوضاعهم بصورة شاملة.
وأكد أن جميع العائدين سيباشرون أعمالهم بشكل طبيعي، على أن يبدأ صرف رواتبهم وفق الإجراءات المالية المعتمدة، فيما تستمر الوزارة في استقبال بقية الطلبات واستكمال ملفات من لم يراجعوا حتى الآن.
دعوات إلى تشريع شامل يعالج الملف على مستوى الدولة
في المقابل، اعتبر المستشار السابق لاتحاد نقابات العمال السوري الدكتور عماد الدين المصباح، خلال مشاركته في برنامج "سوريا اليوم"، أن خطوة وزارة الإدارة المحلية تمثل تطوراً إيجابياً، لكنها لا تكفي إذا بقيت محصورة بوزارة واحدة.
وقال إن إعادة المفصولين يجب أن تتم ضمن قانون يصدر عن السلطة التشريعية، وليس من خلال قرارات منفصلة تصدرها الوزارات، حتى تُطبق المعايير نفسها على جميع العاملين في القطاع العام.
وأضاف أن هناك فئات عديدة ما تزال خارج إجراءات العودة، من بينها موظفون فُصلوا أو انقطعوا عن العمل في ظروف مختلفة خلال سنوات الثورة، الأمر الذي يتطلب معالجة قانونية موحدة تضمن المساواة بين جميع المتضررين.
كما دعا إلى احتساب سنوات الانقطاع ضمن الخدمة الوظيفية، ولا سيما بالنسبة لمن بلغوا سن التقاعد، معتبراً أن ذلك يمثل جزءاً من إعادة الاعتبار للعاملين الذين فقدوا وظائفهم لأسباب سياسية.
وأشار المصباح إلى أن سوق العمل السوري ما زال يعاني انقسامات واختلافات في آليات التوظيف والتعاقد بين الوزارات، معتبراً أن إصلاح هذا الواقع يتطلب مراجعة شاملة لقوانين العمل، وإزالة التفاوت بين العاملين في المؤسسات العامة.
هل تنعكس العودة على تحسين الخدمات؟
ربطت وزارة الإدارة المحلية بين إعادة العاملين وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، ولا سيما في القطاعات التي تعاني نقصاً في الكوادر، مثل البلديات والنظافة والخدمات المحلية.
وأوضح الحمد أن الوزارة تعمل بالتوازي على تعزيز قدراتها التشغيلية، من خلال دعم المحافظات بآليات جديدة، من بينها 200 سيارة ضاغطة لجمع النفايات، لكنه شدد على أن تحسين الخدمات لا يعتمد على زيادة عدد العاملين فقط، بل يحتاج أيضاً إلى تطوير البنية الإدارية، وتأهيل الوحدات المحلية، وتعزيز التعاون بين المؤسسات والمجتمع.
وأشار إلى أن بعض المناطق، وخاصة في المحافظات الشرقية، ما تزال تعاني نقصاً في المجالس البلدية والإمكانات الفنية، الأمر الذي ينعكس على مستوى الخدمات، ويجعل إعادة الكوادر البشرية جزءاً من عملية إصلاح أوسع، وليست الحل الوحيد للمشكلات القائمة.
خطوة أولى... والإصلاح المؤسسي هو التحدي الأكبر
تكشف إعادة آلاف العاملين المفصولين في وزارة الإدارة المحلية عن توجه حكومي لمعالجة أحد أبرز الملفات الوظيفية التي خلّفتها سنوات الثورة، عبر إعادة الكفاءات إلى مؤسسات الدولة والاستفادة من خبراتها في مرحلة إعادة البناء.
من جانبه أكد الدكتور عماد الدين المصباح أن نجاح هذه الخطوة لا يقاس بعدد العائدين فقط، وإنما بقدرة الدولة على تحويلها إلى سياسة عامة تشمل جميع المؤسسات، وتستند إلى تشريع موحد يحفظ حقوق المفصولين، ويعالج آثار سنوات الانقطاع، ويضمن تكافؤ الفرص بين العاملين.
وفي حين ترى وزارة الإدارة المحلية أن إعادة المفصولين ستسهم في سد جزء من النقص في الكوادر وتحسين الأداء الإداري، يعتقد مختصون أن معالجة ملف التوظيف في سوريا تتطلب إصلاحاً قانونياً وإدارياً أشمل، يعيد تنظيم سوق العمل الحكومي ويؤسس لإدارة أكثر كفاءة وعدالة في المرحلة المقبلة.