الإحلال الكبير

تاريخ النشر: 18.03.2019 | 23:03 دمشق

يحمل هذا العنوان اسم نظرية عنصرية طرحها الكاتب الفرنسي، الذي يعتبره اليمين المتطرف مرجعية شبه مقدسة، رونو كامو. وقد تمت استعادة هذا التعبير من قبل سفاح نيوزيلندا الذي قتل خمسين من المصلين في مسجدين الأسبوع المنصرم، وقد رفض كامو، صاحب النظرية العنصرية التي تعتمد على لون البشرة والعرق، أية مسؤولية، ولو أخلاقية، عما اقترفه السفاح. وقد اكتفى بإدانة العنف بتغريدة قصيرة للغاية.

نظريته في "الإحلال الكبير" اختيرت لتكون عنواناً للنص الطويل الذي بلغ 74 صفحة والذي كتبه الإرهابي الأسترالي برنتون تاران مقترف هذه الجريمة. وتتمحور هذه النظرية حول غزو الغرب الأبيض من شعوب لا تنتمي إلى ثقافته، وخصّ بها الإسلام إلى جانب الأفارقة من كل الأديان. 

كما بدا من خلال القراءة المتعبة والمؤلمة لصفحاته الرثّة هذه، بأن هذا الإرهابي متأثر بعمق بزيارة قام بها إلى فرنسا أثناء الانتخابات الرئاسية الأخيرة في صيف عام 2017، وهو ينتقد خيار الفرنسيين لإيمانويل ماكرون كرئيس ويعتبر بأنه "معادٍ للبيض وعولمي". مضيفاً بأن ماكرون سيكون مرحباً بهجرة شاملة من دول الجنوب. كما عبّر هذا الإرهابي في صفحاته عن حزن عميق لخسارة ممثلة اليمين الفرنسي المتطرف مارين لوبن هذه الانتخابات ومشيراً إلى أن هذه الخسارة شكّلت لديه دافعاً عميقاً لاتخاذ خطوته الإجرامية هذه. وأخيراً، لاحظ أثناء زيارته هذه، بأن "الغزاة في كل مكان" في فرنسا. 

نظرية "الإحلال الكبير" لها من العمر أكثر من عشر سنوات، على الأقل في صيغتها المحدّثة، ويبدو أن تأثير كاتبها رونو كامو قد تجاوز الحدود الوطنية لفرنسا لتُصبح نظرية عالمية يتبناها مجموع العنصريين في العالم "الأبيض".

تعتمد هذه النظرية حتماً على نظرية المؤامرة والتي تعتبر بأن هناك مخططاً كونياً تقوم على تنفيذه غرف عمليات سرية

ولنظريته قسمان رئيسيان، الأول هو عبارة عن ملاحظة ديموغرافية حول تكاثر المهاجرين الذي يتجاوز تكاثر المواطنين وبالتالي فهو يُشكّل خطراً على السكان "الأصليين". وبالتالي، فسيقوم هؤلاء "الغزاة" بفرض ثقافتهم ودينهم على القارة "البيضاء". أما القسم الثاني من هذه النظرية، فهو يتعلق ببعد مؤامراتي أشد تعقيداً: رونو كامو يعتبر بأن القيادات السياسية المنتخبة، كماكرون مثلاً، ستسعى إلى تعزيز هذا الإحلال بتشجيع الهجرة وتغيير المعادلة الوطنية لكسر هيمنة الانتماء الوطني وجعل الانتماء كونيا. معتبراً بأن كل ذلك يصب في مصلحة عولمة الاقتصاد ومصالح أصحاب المال بعيداً عن مسألة الانتماء الوطني. وتعتمد هذه النظرية حتماً على نظرية المؤامرة والتي تعتبر بأن هناك مخططاً كونياً تقوم على تنفيذه غرف عمليات سرية يُشرف عليها أفرادٌ غير مرئيين لديهم قدرات هائلة على تسيير العالم.

وقد سبق كامو في بدايات القرن العشرين، نظريات لا تستبعد أن يكون اليهود هم من وراء كل هذه المؤامرات المُتخيلة مما عزّز من مسألة معاداة السامية حينذاك ليستخدمها فيما بعد هتلر في "الحل النهائي" الذي أودى بحياة ملايين من اليهود ومن الغجر ومن المثليين. ما يفعله كامو بنظريته هذه في القرن الواحد والعشرين هو الانتقال من اتهام اليهود، كون في الأمر إشكالية قانونية قد تعرّضه للعقوبة، إلى اتهام المسلمين والتأسيس لمفهوم "الرهاب من الإسلام" أو الإسلاموفوبيا. وهذا التحول، حتى الآن على الأقل، لا يُشكل عائقاً قانونياً، ويمكن أن يحصل عليه توافق مهم ضمن المجتمعات الأوروبية كما يعتقد مطوّره. 

رونو كامو نادر الظهور إعلامياً، ولكن هناك عديد من مشاهير الإعلام ممن يتبنى ويُطور كلامه ويجتهد في طروحاته كالصحفي إيريك زيمور والروائي ميشيل هويلبيك والفيلسوف عضو الأكاديمية الفرنسية آلان فينكيلكروت. وسياسياً، تتجسّد نظرية "الإحلال الكبير" في الكثير من تصريحات المنتمين لحزب التجمع الوطني، وريث حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف والذي تقوده مارين لوبين.

بالمقابل، لا ينحصر "الإيمان" في هذه النظرية والعمل بمقتضاها على المتطرفين من اليمينيين الفرنسيين، بل إن بعضاً من رموز اليمين التقليدي لا يخجل في زلات لسان متكررة من التطرق اليها وتبنيها والعمل في هداها. فها هو الرئيس السابق نيكولا ساركوزي يُشير في أحد تصريحاته إلى أن السكان الأصليين صاروا في بلادهم أقلية (...) وبأن "الديموغرافيا تصنع التاريخ"، فيجب علينا إذاً، والقول لساركوزي، "أن نتصرف أو أن نزول".

ومؤخراً، تبنى زعيم اليمين التقليدي الفرنسي، حزب الجمهوريين، لوران فوكييز النظرية قائلاً بكل وضوح بأن نظرية "الإحلال الكبير" هي أمر واقعي وللاقتناع بها يكفي "الذهاب إلى بعض الأحياء الضائعة في الجمهورية".

الكاتب الفرنسي العظيم ألبير كامو (1913 ـ 1960) كان له كتاب "الطاعون" أما اليميني المتطرف رونو كامو، مُنظّر العنصرية البيضاء الجديدة، فهو يقوم بنشر الطاعون.