icon
التغطية الحية

الأوسبيلدونغ والمدارس الدولية.. خريطة طريق لسوريا ما بعد الحرب

2025.04.11 | 06:24 دمشق

آخر تحديث: 2025.04.11 | 06:27 دمشق

‏يشارك المستشار الألماني المنتهية ولايته أولاف شولتس في جلسة أسئلة وأجوبة مع طلاب من‏‏ مدارس ‏‏برلين
المستشار الألماني المنتهية ولايته أولاف شولتس يشارك في جلسة أسئلة وأجوبة مع طلاب من‏‏ مدارس ‏‏برلين ـ رويترز
برلين ـ مختار الإبراهيم
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- تواجه المدارس في سوريا تحديات كبيرة بسبب الدمار الناتج عن الحرب، حيث تعرض نصفها للدمار، مما أبقى 40% من الطلاب خارج التعليم. تسعى الحكومة لإعادة التلاميذ إلى الدراسة باستخدام حلول مؤقتة، مستفيدة من تجارب دول أخرى.

- يشير الخبير هيرمان شميت إلى أهمية التعاون الدولي لإعادة بناء المدارس، مقترحًا الاستفادة من التعليم السريع وبرامج تعليم الكبار لتعويض الفاقد التعليمي، كما فعلت ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية.

- يؤكد الخبير كلاوس كروغر على أهمية الدعم النفسي والاجتماعي في المدارس، مقترحًا دمج هذه الأساليب في النظام التعليمي وإنشاء مدارس دولية لتحسين المناهج وتشجيع التفكير النقدي.

تستقبل المدارس في سوريا – أو ما تبقى منها – التلاميذ بأقصى طاقتها، رغم انعدام الإمكانات وتضرر المرافق بفعل الحرب. فالأرقام الرسمية تكشف واقعًا مؤلمًا: نصف المدارس تعرضت للدمار الكلي أو الجزئي.

وزارة التربية والتعليم السورية قالت مطلع العام الحالي إن أولوية الحكومة السورية ستكون إعادة التلاميذ إلى الدراسة حتى لو إلى خيام أو مبانٍ مؤقتة، لأن التقديرات تشير إلى أن 40% من الطلاب السوريين خارج المدارس.

إلا أن تجارب دول مختلفة في إعادة بناء التعليم بعد مكابدتها لحروب أو كوارث تقدّم دروسا ثمينة للإدارة السورية الجديدة، هذا ما يؤكده الخبير التربوي الألماني هيرمان شميت ففي دول مثل ألمانيا واليابان ورواندا، نجحت في تحويل مآسيها إلى فرص لبناء أنظمة تعليمية متقدمة وشاملة.

تجارب مفيدة لسوريا

ويضيف شميت في حديثه لموقع تلفزيون سوريا "هناك طرق كثيرة بإمكان الحكومة السورية الاستفادة منها وبشكل عاجل للنهوض بقطاع التعليم ولكبح نسب الأطفال المحرومين من التعليم من الاستمرار بالارتفاع، بدءا من التواصل مع منظمات المجتمع الدولي والطلب منهم المساهمة بإعادة بناء المدارس وتهيئة بيئة تعليمية، فإجمالي عدد المدارس في سوريا يقدر بنحو 20 ألف مدرسة ما لا يقل عن 10 آلاف مدرسة هي المتضررة حاليا، ومن غير الممكن للحكومة الحالية تحمل العبء بمفردها، وليست انتهاءً بالتنسيق مع حكومات دول أوروبية تضم لاجئين سوريين للاستفادة منهم في إنشاء مدارس خاصة لتشجيع من يريد العودة الطوعية لتجاوز عقبة الاندماج العكسي السريع وهو مصلحة مشتركة بين الطرفين أقصد الحكومة السورية والدول المستضيفة".

ويستشهد شميت بالتجربة الألمانية في قطاع التعليم بعد الحرب العالمية الثانية فقد اتبعت حكومة المستشار كونراد أديناور / من حزب CDU وحكم بين 1949 إلى 1963/ نظام تعليم خاص ومختلف تضمّن تغييرات جذرية بهدف إعادة بناء المجتمع الألماني ومنع تكرار الكوارث السياسية ليكون أكثر ديمقراطية ويشجع التفكير النقدي وترويج قيم عليا مثل حقوق الإنسان، التسامح، وحلّ النزاعات سلميا.

ويلفت شميت إلى وجه التشابه بين الوضع الراهن في سوريا وما عانته قبلها ألمانيا من مشكلة حرمان نسبة كبيرة من التلاميذ من التعليم وانقطاعهم عن المدارس، حيث خسر ملايين الأطفال والشباب سنوات من التعليم بسبب الدمار، والنزوح، والفقر، فكان حل هذه المشكلة وفقا للخبير التربوي شميت أن تم استحداث برامج التعليم السريع Nachholbildung  بمعنى تعليم تعويضي أو "استدراك التعليم" أو ما أطلق عليه أيضا Notunterricht أي الدروس الإسعافية، وتم تنظيم صفوف تعليمية خاصة لتعليم الأطفال الذين فاتتهم سنوات دراسية، وكان الهدف تعويض التلاميذ ما فاتهم خلال فترة قصيرة، بحيث يتمكنوا من الالتحاق بمراحل دراسية مناسبة لعمرهم وكان التركيز بشكل رئيس على تعليم أساسيات القراءة، الكتابة، ومبادئ الحساب، أما بالنسبة للفئات العمرية الأعلى فتم اعتماد برامج  تعليم الكبار Erwachsenenbildung  كما أنشئت مدارس مسائية ومعاهد تدريب مهني للناس الذين اضطروا إلى أن يتركوا المدرسة بسبب الحرب أو الحاجة للعمل.

ما حاجة المدارس السورية في المرحلة الحالية؟

من جهته يرى الخبير النفسي كلاوس كروغر أن الدعم النفسي والاجتماعي هو أحوج ما يلزم التركيز عليه في المدارس السورية منطلقا من رؤيته التي اكتسبها في عمله بمركز medizinische Flüchtlingshilfe لسنوات طويلة حيث تعامل مع أطفال خرجوا من بيئات حروب وكوارث ويضيف أن "كثيرا من الأطفال كانوا يعانون من الصدمات النفسية بالتالي، يناط بالنظام التعليمي الجديد دمج أساليب دعم نفسي واجتماعي داخل المدارس، وتم ذلك عبر التركيز على أنشطة خاصة ضمن أوقات التربية الفنية والرياضية والنشاطات الترفيهية لتكون جزءا من علاج ما بعد الصدمة".

ويوضح كروغر في حديثه لموقع تلفزيون سوريا "لا شك بأن الكوادر السورية المتخصصة التي تعمل الآن في ألمانيا سيكون لهم دور كبير في تقديم ما اكتسبوه من خبرات في مجال الدعم النفسي والاجتماعي لنقلها إلى بلدهم الأم، أو على الأقل بالمساعدة في تصميم ووضع نظام تعليمي يأخذ بالاعتبار أهمية الدعم النفسي للتلاميذ".

ويلفت كروغر في هذا الصدد إلى أهمية إنشاء مدارس ذات طابع دولي لتكون خلال السنوات الأولى جسرا لعودة التلاميذ السوريين الذين هم في الخارج إلى البلاد تراعي الفروق اللغوية وتكون هذه المادرس مصلحة مشتركة بين البلدان المستضيفة للاجئين وسوريا، فمثلا من مصلحة الحكومة الألمانية تمكين تلاميذ المرحلة الابتدائية ممن يرغب أهاليهم بالعودة إلى سوريا أن يتمكنوا أكثر بإتقان اللغة الألمانية وهذا ما فعلته الحكومة الألمانية بتجارب سابقة فمثلا بعد اتفاق “دايتون”، اتفاقيةُ الإطارِ العامِّ للسلامِ في البوسنةِ والهرسكِ والمعروفة باسم اتفاقية دايتون للسلام، والتي انتهى بموجبها الصراعُ المسلح الذي دار في البوسنة والهرسك بين 1992 وبدء عودة اللاجئين البوسنيين، دعمت الحكومة الألمانية إنشاء نظام تعليمي يُساعد على إعادة دمج الأطفال، واليوم نجد أن العديد من أبناء البوسنة ممن عاد في التسعينيات عادوا اليوم إلى ألمانيا للعمل من دون أي معوقات أو حواجز لغوية لأنهم أتقنوها بمراحل عمرية مبكرة.

تحسين المناهج التعليمية في سوريا

ويعرّج كروغر على فكرة تحسين المناهج فالنظام التعليمي الألماني يشجع التفكير النقدي والعمل الجماعي والتحفيز على فتح باب النقاش في حين أنظمة التعليم في دول مختلفة تعتمد منهجاً تقليدياً يركز على الحفظ والتلقين والامتحانات النظرية.

ويلفت كروغر إلى مثال يعتبره رائدا في نهضة ألمانيا الصناعية وهو نظام الأوسبيلدونغ Ausbildung أو ما يُعرف بـ “التدريب المهني المزدوج” – هو فعليا من الأنظمة التي تأسست وتطورت بعد الحرب العالمية الثانية، وكان جزءاً أساسياً من استراتيجية ألمانيا لإعادة الإعمار وبناء اقتصاد قوي ومستقر.

ووفقا لكروغر فإن أصل نظام التدريب المهني موجود من قبل الحرب، لكن بعد الحرب العالمية الثانية، ألمانيا الغربية أعادت تنظيمه بشكل ممنهج ليكون جزءًا من الاقتصاد الاجتماعي السوقي (Soziale Marktwirtschaft).وتم دمج التدريب العملي في الشركات مع التعليم النظري في المدارس المهنية، وظهر ما نعرفه اليوم باسم “النظام المزدوج  .(Duales System)

ويضيف كروغر أنه وبعد الدمار الكبير، كانت ألمانيا بحاجة لعمالة ماهرة بسرعة لإعادة بناء البنية التحتية والصناعة، فكان من غير الممكن أن تلبي الجامعات حاجة السوق بعدد كافٍ من المتخصصين، فأصبح الرهان على تدريب الشباب ميدانيًا، الأوسبيلدونغ أعطى الشباب فرص حقيقية للعمل والاندماج في الاقتصاد من دون الحاجة للتعليم العالي.

ويتلقى المتدرب تعليما عمليا داخل شركة بالإضافة إلى تعليم نظري في مدرسة مهنية (يوم أو يومين بالأسبوع) وتستمر معظم برامج الأوسبيلدونغ من سنتين إلى ثلاث سنوات ونصف في هذه الحالة تتحمل الشركات نفسها مسؤولية التدريب، وتدفع للمتدرب مرتباً شهرياً، وغالبية المتدربين يحصلون على عقد دائم بعد انتهاء البرنامج.

ويختم كروغر أن الأوسبيلدونغ يعتبر أحد أسباب قوة الاقتصاد الألماني، كما أن العديد من الدول اعتمدت هذا النموذج مثل الصين، مصر، تركيا، والشيء الإيجابي أن اللاجئين والمهاجرين، بما فيهم السوريين، انخرطوا ضمن هذا النظام كخطوة للاندماج المهني والاجتماعي. وهو ما يسهل نقل التجربة إلى سوريا تدريجيا وبكل يسر وسهولة.