الألعاب الإلكترونية بين التشجيع والتحذير

الألعاب الإلكترونية بين التشجيع والتحذير

الصورة
أثبتت الأبحاث أنّ بعض ألعاب الفيديو يمكن أن تسرع عملية صنع القرار (إنترنت)
12 شباط 2019

فواز العواد

أكاديمي متخصص في التربية والصحة النفسية

لم يحسم الجدل العلمي حول الألعاب الإلكترونية وتأثيرها على شخصية الأطفال بين المؤيدين والمعارضين، فما زالت الدراسات والأبحاث في الجامعات العالمية تحاول الوصول إلى الحقائق، وتقديم الأجوبة الصحيحة حول هذه الظاهرة. 

لقد أصبحت الألعاب الإلكترونية جزءا من حياة الكثيرين من الشباب والأطفال تستهلك الساعات الطويلة من برنامجهم اليومي. ونتيجة لذلك بات كثير من الآباء والأمهات يشتكون وبشكل متكرر من سلوك أبنائهم، حيث وصل تعلقهم بهذه الألعاب إلى حد الإدمان الذي يفقدهم الحياة الطبيعية، ويؤثر على كافة نشاطات الحياة الأخرى، كاللعب مع الأصدقاء، وأداء الواجبات المدرسية، والتواصل الاجتماعي مع مجتمعهم المحيط بهم.

ثمة أطفال ومراهقون يقتلون أنفسهم تقليدا لبعض أبطال الألعاب

وفي السياق ذاته تطالعنا الأخبار العالمية عن ضحايا الألعاب الإلكترونية، فثمة أطفال ومراهقون يقتلون أنفسهم تقليدا لبعض أبطال الألعاب الذين ينتحرون ثم يعودون للحياة، أو أنّ متطلبات بعض هذه الألعاب تتضمن التحدي للقيام بسلوكيات ضارة بالجسد، كما هي الحال في لعبة  "الحوت الأزرق" التي راح ضحيتها العديد من الأطفال.

ومن وجهة نظر الأطباء تعد المشاكل الصحية المتمثلة بضعف البصر نتيجة للجلوس لساعات طويلة أمام الأجهزة، أو انحناءات الظهر والرقبة، وكذلك السمنة الزائدة، كلها ضمن تحذيراتهم من خطورة هذه الألعاب على الصحة الجسمية.

أمّا بعض علماء الاجتماع  وعلماء النفس فيذهبون إلى القول أنّ: "الاستخدام المرتفع لألعاب الفيديو يرتبط بانخفاض العلاقة بين الأقران، والمشاكل في العلاقات الاجتماعية الإيجابية"، وذلك نتيجة لانغلاقهم على ذواتهم وعدم تمكنهم من لعب الأدوار الحياتية المختلفة، والتي تمكنهم من النجاح والنمو الطبيعي، من خلال اكتساب مهارات الحياة والتدرب عليها بالاحتكاك مع الآخرين.

كما يلاحظ الآباء والمعلمون ارتفاع العدوانية والعنف لدى الأطفال والمراهقين المدمنين على هذه الألعاب، ويشتكي بعضهم من عدم قدرته السيطرة على عدوانية الأطفال، وخصوصاً مع استمرار انجذابهم إلى ألعاب مليئة بعمليات القتل والضرب ومشاهد الدماء المريعة، الأمر الذي يسهم من وجهة نظرهم في تعزيز  السلوكيات العدوانية لدى الأطفال.

وتشير تقارير إحصائيات الجريمة في الولايات المتحدة الأميركية إلى ارتفاع مستوى العنف لدى المراهقين، كما حدث في ولاية فلوريدا الأميركية السنة الماضية، والتي أسفرت عن مقتل 17 شخصا أغلبهم طلاب عندما فتح شاب يبلغ من العمر 19 عاما النار داخل مدرسة ثانوية كان يدرس بها سابقاً، وتتكرر عمليات إطلاق النار داخل مدارس أميركية، فقد حصلت 18 عملية إطلاق نار في العام 2018. ولا شك أنّ الألعاب الموجهة للعنف والقتل لها دور محتمل مع العديد من العوامل الأخرى.

وضمن المؤشرات العالمية لارتفاع مستوى العنف واستسهال إزهاق الأرواح بين المراهقين، ما صدر مؤخرا في اليابان بحسب أرقام رسمية أنهى 250 مراهقا حياتهم في العام المنتهي 2018. ولذلك حثت لجنة حقوق الطفل بالأمم لمتحدة السلطات اليابانية هذا الشهر على النظر في جذور وأسباب معدلات انتحار المراهقين الآخذة في الارتفاع والتي بلغت أعلى مستوياتها خلال 30 عاماً الماضية.

وعلى الرغم من هذا السرد المختصر للمؤشرات السلبية الناتجة عن استخدم الألعاب الإلكترونية وفق وجهات نظر العديد من العلماء والمربين، فإنّ للأبحاث العلمية في مجال الذكاء الاصطناعي كلاما آخر. ففي دراسة بريطانية حديثة نسبياً، تظهر النتائج أنّ أنواعاً معينة من ألعاب الفيديو تساعد على تدريب الدماغ ليصبح أكثر مرونة وتحسن التفكير الإستراتيجي، وذلك وفقًا لعلماء من جامعة كوين ماري في لندن وكلية لندن الجامعية (UCL).

فقد قام الباحثون بتوظيف 72 متطوعًا وقاسوا "المرونة المعرفية" التي وصفوها بقدرة الشخص على التكيف والتبديل بين المهام، والتفكير في أفكار متعددة في وقت معين لحل المشكلات. تمّ تدريب مجموعتين من المتطوعين للعب إصدارات مختلفة من لعبة إستراتيجية في الوقت الحقيقي تسمى "StarCraft" وهي لعبة سريعة الوتيرة حيث يتعين على اللاعبين بناء وتنظيم الجيوش لمحاربة عدو.  ولعب ثلث المجموعة لعبة فيديو محاكاة الحياة تسمى "The Sims"، والتي لا تتطلب الكثير من الذاكرة أو العديد من التكتيكات، لعب جميع المتطوعين ألعاب الفيديو لمدة 40 ساعة على مدى ستة إلى ثمانية أسابيع، وتعرضوا لمجموعة متنوعة من الاختبارات النفسية. اكتشف الباحثون أنّ أولئك الذين لعبوا "StarCraft" كانوا أسرع وأكثر دقة في أداء مهام المرونة الإدراكية، من أولئك الذين لعبوا "The Sims".

أثبتت الأبحاث أنّ بعض ألعاب الفيديو يمكن أن تسرع عملية صنع القرار

ويعقب الدكتور برايان جلاس من كلية العلوم والكيمياء في جامعة كوين ماري البريطانية بقوله: "أثبتت الأبحاث السابقة أنّ بعض ألعاب الفيديو، يمكن أن تسرع عملية صنع القرار، و يمكن أن تعزز قدرتنا على التفكير  السريع، والتعلم من أخطاء الماضي. كما  توضح الدراسة أنّ المرونة المعرفية، وهي حجر الزاوية في الذكاء البشري، ليست سمة ثابتة، ولكن يمكن تدريبها وتحسينها باستخدام أدوات تعلم ممتعة مثل الألعاب".

وفي دراسة  استقصائية حديثة (2018) قام بها باحثان Lifeng Yuan & Wenxiang Hu في جامعة سان خوسيه الأميركية وهما متخصصان في علم الإلكترونيات بعنوان تأثير ألعاب الفيديو على الذكاء الإنساني، ساق الباحثان العديد من الدراسات العلمية التي تؤكد على الدور الإيجابي للألعاب، فقد أشاروا إلى دراسة  طبقت على الأطفال الذين يعانون من عسر القراءة "dyslexia"، الذي يسبب لهؤلاء الأطفال صعوبة كبيرة في تفسير الحروف والرموز ويتطلب علاجها تكلفة عالية مادياً، فقد أظهرت الدراسة أن ألعاب الفيديو مفيدة لتحسين قدرات هؤلاء الأطفال في القراءة، والنتائج كانت مهمة للغاية. كما أكد الباحثان أنّه يمكن استخدام الألعاب الإلكترونية في العديد من الأمور المختلفة كالتعليم؛ فبالإمكان استخدام الألعاب الإلكترونيّة على سبيل المثال كوسائل تعليمية ممّا يجعل من التعليم أمراً ممتعاً لدى الأطفال وحتى الشباب، وضربا مثالا على بعض الألعاب التي تعلم مهارات حياتية كثيرة تساعد اللاعبين على التدرب والتخطيط وحل المشكلات الحياتية في العالم الافتراضي، ممّا يساعده على ذلك بالنجاح في الواقع الحياتي.

وفي هذا السياق كشفت دراسة قام بها باحثون في ألمانيا لدراسة تأثير ألعاب الفيديو على الدماغ البشري، حيث تمّ في هذه الدراسة استخدام أشعة التصوير  المغناطيسي لمراقبة عقل أفراد العينة أثناء ممارستهم للعبة "سوبر ماريو"، وقد لاحظ الباحثون في نهاية هذا البحث نمو ثلاثة أجزاء في الدماغ: الفص الجبهي، والحصين، و المخيخ وجميعها أجزاء تشترك بالتأثير في التنقل والتحكم السريع.

إنّنا لا ندعو في هذا المقال إلى إعطاء الآباء والمربين توجيهاً علميا للرضا عن سلوك الأطفال والمراهقين الذين أدمنوا الألعاب الالكترونية، ولكنها محاولة للنظر إلى الواقع من زاوية علمية موضوعية.

و في الختام، يجب أن يدرك الآباء والمربون أنّ لهذه الألعاب وجهين، فهي من جهة مفيدة وتحقق نموا في القدرات العقلية، وهي من جهة أخرى لها آثار سلبية كثيرة. وبالتالي فإنّ المربين عليهم أن يأخذوا ببعض النصائح التربوية للتعامل مع هذا الإشكال وفق مايلي:

1-     اتفق مع أولادك على ضرورة التفاهم حول ما يجوز أن يلعب به وما لايجوز، مع مناقشتك للأسباب المنطقية لذلك.
2-    يجب أن تشجع أبناءك على ألعاب الذكاء والألغاز، والألعاب التعليمية كبديل إيجابي هادف عن ألعاب العنف، والترفيه.
3-    يجب أن يكون اللعب ضمن ساعات يومية محددة لايجوز تجاوزها، وبالتأكيد يجب أن لا تؤثر على دراسته أو رياضته وهواياته الأخرى.
4-    يجب أن يكون للآباء مراقبة تامّة ومتابعة للألعاب وحذف كل ما يضر بشخصية وأخلاق أبنائهم.

لا يمكن الهروب من جاذبية الألعاب الإلكترونية ومتعتها للأطفال وماتحققه لهم من إشباع نفسي، وإرواء للخيال المعرفي. فلا يمكن حرمانهم منها، ولا ينبغي أن نتركهم ضحايا آثارها السيئة، فلابد من المراقبة والتقنين والتوجيه.

شارك برأيك